معلومات مسربة.. هكذا تحول الاتحاد الأوروبي إلى شريك في مشروع حفتر

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

كشف تقرير نشرته منظمة "ستيت ووتش" عن تكليف عملية "إيريني" بإنشاء مركز بحري على ساحل برقة، تتولى إدارته القوات التابعة للجنرال الانقلابي الليبي خليفة حفتر.

ونشرت منظمة "ستيت ووتش" -وهي منظمة صحفية استقصائية متخصصة في مراقبة المؤسسات الأوروبية- وثيقة سرية تكشف أن الاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقا، بعيدا عن الأضواء، مع القوات العسكرية التابعة لحفتر في شرق ليبيا.

ويهدف الاتفاق إلى وقف تدفقات المهاجرين في البحر المتوسط. وهو اتفاق جرى توقيعه مع حفتر نفسه الذي كان قد أحرج وفدا من الوزراء الأوروبيين قبل أقل من عام، عندما طردهم من الأراضي الخاضعة لسيطرته.

تحول مفاجئ

وبحسب مجلة “نيغريتسيا” الإيطالية، فإن الوثيقة، المؤرخة بـ20 مايو/أيار 2026، عبارة عن "اتفاق فني" بين المهمة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي "عملية إيريني" والمؤسسات الليبية "المسؤولة عن إنفاذ القانون وعمليات البحث والإنقاذ في البحر".

وبعبارة أكثر مباشرة -وفق وصف المجلة- فإن المقصود هو القوات المسلحة التابعة لحفتر، الرجل الانقلابي المسيطر في بنغازي.

وأُطلقت عملية إيريني، القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، في 31 مارس/آذار 2020، بهدف فرض حظر الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى ليبيا.

وينص الاتفاق الذي كشفت عنه "ستيت ووتش" على تعزيز القدرات وتقديم التدريب للسلطات الساحلية المتمركزة في شمال شرق ليبيا.

وعمليا، سيوفر الاتحاد الأوروبي دعما ماديا لتوسيع قدرة القوات الليبية على اعتراض الأشخاص الذين يحاولون مغادرة ليبيا نحو أوروبا، وإعادتهم واحتجازهم.

كما يشمل الاتفاق تدريبات عسكرية، وإنشاء مركز إقليمي لتنسيق الإنقاذ البحري في إحدى المدن الساحلية بإقليم برقة.

ولا يمثل ذلك تحولا مفاجئا -وفق "نيغريتسيا"- ففي يناير/كانون الثاني 2026، كشف الصحفي الألماني ماتياس مونروي عن خطط لإنشاء مركز لتنسيق الإنقاذ البحري في بنغازي بتمويل أوروبي.

كما كان مسؤولو عملية "إيريني" قد أطلعوا سفراء الاتحاد الأوروبي في ليبيا على التقدم المحرز في المشروع خلال الأسابيع التي سبقت نشر الوثيقة.

وقالت المجلة: "ما هو على المحك يتجاوز بكثير مجرد مشروع إداري؛ فمركز تنسيق الإنقاذ البحري ليس مجرد مبنى مزود بهوائيات وشاشات رادار، بل إن المركز الذي يتولى إدارة منطقة بحث وإنقاذ يتمتع، بموجب الاتفاقيات البحرية الدولية، بسلطة فعلية على تلك المساحة البحرية".

وأضافت: "بناء على ذلك، تصبح أي جهة ترصد قاربا يواجه صعوبات داخل تلك المنطقة ملزمة بالتواصل مع المركز المختص واتباع تعليماته".

سيطرة على المتوسط

وأوضحت المجلة أن "إنشاء مركز لتنسيق الإنقاذ البحري في بنغازي يعني منح قوات حفتر السيطرة القانونية على جزء واسع من وسط البحر المتوسط، وتحديدا المنطقة التي يحاول عبرها المهاجرون المنطلقون من شرق ليبيا الوصول إلى جزيرتي كريت وغافدوس اليونانيتين".

وبذلك، يمنح الاتفاق جنرالا انقلابيا لا يحظى باعتراف دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي سلطة تقرير من يُنقذ ومن يُعاد، ولكن تحت غطاء إجرائي تستند إليه الاتفاقيات الدولية، وفق التقرير.

ولا يتضمن الاتفاق أي أرقام محددة، لكنه يفتح الباب أمام إمكانية تقديم تمويلات إضافية من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل منفرد.

وكان البرلمان الأوروبي قد أثار هذه المسألة بالفعل؛ إذ كشفت مساءلة برلمانية في يناير 2026 أن 15 من أصل 30 عسكريا ليبيا تلقوا تدريبات على يد عملية "إيريني" في مدينة تارانتو الإيطالية، كانوا من شرق ليبيا.

ولم يكونوا تابعين لخفر سواحل حكومي، بل ينتمون إلى مليشيات  مثل "لواء طارق بن زياد"، الخاضع لقيادة حفتر.

وقالت المجلة: "لفهم مفارقة هذا الاتفاق بصورة كاملة، لا بد من العودة عشرة أشهر إلى الوراء، وتحديدا إلى 8 يوليو/تموز 2025 في مطار بنينا بمدينة بنغازي".

ففي ذلك اليوم، هبطت طائرة تقل وفدا أوروبيا رفيع المستوى ضم مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماغنوس برونر، ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي، ونظيريه اليوناني والمالطي.

وكان الوفد قادما من طرابلس؛ حيث التقى حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، قبل أن يتوجه إلى بنغازي للقاء حفتر.

غير أن ذلك اللقاء لم يُعقد أبدا، وتشير الرواية الأكثر تداولا للحادثة إلى أن سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو دخل، فور وصول الوفد إلى بنغازي، في نقاش متوتر مع الوفد الليبي الذي كان في استقباله بالمطار.

وبحسب الرواية نفسها، أبدى أورلاندو ملاحظات لم تلق استحسان الجانب الليبي بشأن تركيبة الوفد المحلي، وكذلك بشأن وجود مصورين وصحفيين وكاميرات في الموقع.

ووفق المجلة، فقد كان الخلاف في جوهره سياسيا لا بروتوكوليا؛ حيث كان برونر يحمل تفويضا واضحا من المفوضية الأوروبية يقضي بلقاء خليفة حفتر بصفته قائدا عسكريا فقط، وليس بصفته رئيسا لحكومة منافسة.

أما حفتر، فكان يريد أن يشارك في الاجتماع أيضا وزراء حكومة أسامة حماد، وأن يجرى توثيق اللقاء بالكامل بالصور والتسجيلات المصورة.

وبذلك كان يسعى إلى انتزاع اعتراف سياسي عبر الصورة، لكن الوفد الأوروبي رفض ذلك، ليوقع حماد بعد ذلك بيان طرد الوفد.

وكانت هناك أيضا مسألة قانونية زادت من تعقيد الموقف؛ إذ إن مرسوما سابقا صادرا عن "حماد" كان يحظر أي نشاط دبلوماسي على أراضي برقة ما لم يحصل مسبقا على موافقة حكومته.

والحقيقة أن حفتر كان يسعى إلى الحصول على شرعية سياسية لم يكن الاتحاد الأوروبي مستعدا لمنحها له بشكل علني، لذلك قرر الجنرال أن يجعل الأوروبيين يدفعون ثمن هذا الرفض.

وبعد عشرة أشهر من تلك الواقعة، جاء الاتفاق الفني بين عملية "إيريني" والقوات التابعة لشرق ليبيا ليطوي صفحة الإهانة الدبلوماسية، بحسب التقرير.

وأوضح أن "الاعتراف الرسمي لا يزال غائبا، لكن الاعتراف العملي تحقق بالفعل، وقد اختار الاتحاد الأوروبي المسار الذي اعتاد عليه: سياسة الإسناد الخارجي الهادئة، وهي السياسة نفسها التي اتبعها مع تركيا عام 2016، ومع غرب ليبيا منذ عام 2017، ومع تونس عام 2023".

تقارب مع حفتر

يأتي الاتفاق الأوروبي مع بنغازي ضمن مشهد إقليمي أوسع، تتحرك فيه أطراف أخرى بالقدر نفسه من البراغماتية، ومن بينها تركيا التي دعمت حكومة طرابلس لسنوات، لكنها قررت أخيرا فتح قنوات تواصل أيضا مع حفتر.

ففي مايو/أيار 2026، شارك الجيشان الليبيان المتنافسان، للمرة الأولى في تاريخهما، في مناورات "إيفيس 2026" العسكرية التي نظمتها تركيا تحت راية واحدة.

وشارك في المناورات 331 عسكريا من شرق ليبيا و177 عسكريا من غربها، جنبا إلى جنب.

والسبب في ذلك براغماتي بالدرجة الأولى -وفق المجلة- فأنقرة تحتاج إلى موافقة حفتر لضمان تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة في المياه الليبية، وهي اتفاقية ترتبط بصورة خاصة بالساحل الشرقي للبلاد.

ولهذا تحتاج تركيا إلى دعم عائلة حفتر التي تستطيع توفير أمرين أساسيين: أولا، تأمين المصادقة البرلمانية على الاتفاق، نظرا إلى أن البرلمان يخضع لنفوذها. 

وثانيا، ضمان التعامل مع الساحل المعني بالاتفاق، وهو الساحل الشرقي الواقع تحت سيطرتها.

واستدركت المجلة: “لكن هذا التقارب لم يكن سهلا أو خاليا من التوتر”.

وختمت بالقول إن “عائلة حفتر تتحول باضطراد إلى طرف لا يمكن تجاوزه في أي معادلة، ليس في ليبيا فقط، بل خارجها أيضا”. 

وتابعت: “الاتحاد الأوروبي يدرك ذلك، وتركيا تدركه، كما يدركه أيضا المهاجرون الذين يحاولون عبور البحر المتوسط على متن قوارب بدائية”.