السياحة تعود إلى دمشق.. ملامح حياة جديدة في مدينة نجت من الدمار

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد نحو عام ونصف العام على سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت ملامح عودة السياحة بالظهور تدريجياً في العاصمة دمشق. وفق ما أورده مراسل صحيفة "فاز" الألمانية راينر هيرمان خلال زيارة ميدانية للمدينة.

وتسلّط الزيارة الضوء على وسط دمشق الذي نجا من دمار واسع، بما يضمه من قصور فاخرة وكنائس ومساجد تاريخية.

حرية جديدة

ووصف هيرمان تجربته السياحية في سوريا قائلا: "أجلس بهدوء احتسي فنجان قهوة موكا صغيرا، بينما تنتشر رائحة عطر الهيل في المكان".

وأضاف: "تتخلل أشعة النهار النوافذ التي تعلو ثماني قباب كبيرة تمتد فوق الخان، فيما يخفف نافورة ماء من حدة الحرارة".

والتقى هيرمان بطبيب سوري انتقل للعيش في ألمانيا عقب الثورة السورية ويزور سوريا حاليا: "في خان أسعد باشا، القافلة التجارية التي بنيت عام 1752 وما زالت تحتفظ بروح طرق التجارة القديمة، يستريح الطبيب القادم من بيليفيلد في أزقة المدينة القديمة بدمشق".

وأردف الطبيب: "أشعر اليوم بحرية جديدة في بلد كنت أتعرض فيه للاضطهاد لسنوات طويلة".

وعقّب هيرمان: "منذ سقوط نظام الأسد، بات الطبيب يعود إلى دمشق كل بضعة أشهر لقضاء أيام قليلة، وقد وصل إلى ألمانيا قبل أكثر من عقد بتأشيرة عمل، كما يؤكد، ولا يزال غير قادر على استيعاب حجم الحرية التي باتت متاحة في سوريا".

وتابع: "أصبح السفر إلى سوريا أسهل بالنسبة للسياح أيضا، فقد ظل البلد لسنوات بعيدا بسبب الحرب الأهلية، ثم ساد الغموض بعد سقوط النظام، قبل أن يتسبب إغلاق مطار دمشق خلال حرب إيران في مزيد من التعقيد".

واستطرد: "أما اليوم، فقد عادت الرحلات الجوية المباشرة، وتقتصر إجراءات التأشيرة على ختم دخول ورسوم تبلغ 75 دولارا، فيما استعادت دمشق إيقاع حياتها اليومية المعتاد".

في هذا السياق، ذكر هيرمان أنه "رغم أن عددا من ضواحي العاصمة تعرض لدمار واسع خلال الحرب، فإن مركز المدينة ظل إلى حد كبير بمنأى عن الدمار".

ولفت إلى "اختفاء الشوارع من صور حافظ الأسد وابنه بشار التي كانت تملأ الفضاء العام، كما اختفت شعارات الولاء للنظام السابق، فيما يعتمد الرئيس الجديد نهجا مختلفا؛ إذ يتجنب نشر صوره في الأماكن العامة".

وأردف: "وفي المقابل، حل محل عناصر الأمن السابقين الذين كانوا يرتدون ملابس مدنية شباب ملتحون بزي رسمي يقومون بدوريات في الشوارع.

ونقل المراسل الصحفي تفاصيل المشهد في دمشق: "بمحاذاة سوق التوابل النابض بالحياة، لا يبعد خان أسعد باشا سوى خطوات قليلة عن قصر العظم".

"وقد شيد الوالي العثماني أسعد باشا العظم هذا القصر عام 1749 بذوق معماري رفيع، ويعد من أبرز نماذج العمارة السكنية الدمشقية"، بحسب وصفه.

واستطرد: "واليوم، تحول القصر إلى متحف للعادات والتقاليد، ويعرض أحد أقسامه طقوس الزواج؛ حيث تُقاد عروس شابة مغطاة بالكامل إلى زوجها الذي اختارته عائلتها".

واسترسل: "وخارج القصر، تتجول امرأتان شابتان بزي أزرق اللون وحجاب إسلامي، وتقدمان نفسيهما كأفراد من شرطة السياحة، وتسألان الزوار بلطف إن كانوا بحاجة إلى أي مساعدة".

ووفقا له، "أوضحتا أنهما خريجتا هندسة وستبدآن قريبا العمل في مجالهما، مؤكدتين أن ما يُعرض في مشهد الزواج لا يتماشى مع اختياراتهما الشخصية؛ إذ تفضلان اختيار شريكي حياتهما بأنفسهما لضمان التوافق بين الطرفين".

تنوع نادر 

وأبرز المراسل الصحفي التنوع الثقافي الذي تتميز به دمشق: "تشكل بقايا قوس النصر الروماني، الذي يقسم الشارع المستقيم التاريخي إلى قسمين، مركزا متواضعا للمدينة القديمة، وإلى الشرق منه يقع الحي المسيحي، بينما يمتد الحي اليهودي جنوبا، والحي الإسلامي غربا".

وتابع: "في الحي المسيحي الذي يستمد اسمه من باب توما (أحد أبواب دمشق السبعة)، تتجلى التعددية الدينية للمسيحية الشرقية من خلال ما يقرب من عشرين كنيسة تنتمي إلى طقوس ولغات وتقاليد إنشادية مختلفة، فهناك كنائس أرثوذكسية وشرقية ولاتينية تتجاور جدرانها في مساحة محدودة، في مشهد يعكس تنوعا دينيا نادرا".

"كما تتخذ ثلاث طوائف مسيحية كبرى من هذا الحي مقرا لبطاركتها الروحيين، إلى جانب وجود عدد من الأساقفة، ما يجعل المنطقة أحد أهم المراكز التاريخية للمسيحية في المشرق". وفق تعبيره.

وتوقف المراسل خلال جولته عند قصة إلياس، أحد الذين صمدوا خلال السنوات الطويلة التي غاب فيها السياح عن المدينة.

وقال: "يواصل إلياس عمله بإصرار، آملا أن يتمكن قريبا من بيع ما يصنعه بيديه من أعمال فنية".

مضيفا أنه "عندما لا يكون منشغلا في ورشته بتجميع قطع الخشب والصدف وتحويلها إلى أعمال فنية مزخرفة بأشكال هندسية ملونة، يمضي ستة أيام أسبوعيا في متجره الصغير، حيث يواصل إنجاز اللمسات الأخيرة على منتجاته اليدوية".

وأردف: "في الأزقة الضيقة بين البيوت التي يعود عمرها إلى مئتي عام، كان يوجد في السابق عدد أكبر من الحرفيين مثل إلياس، الذين يُقال إنهم من الأفضل في العالم العربي، سواء في أعمال الخشب المطعم أو النحاس أو بروكار دمشق".

واستطرد: "كثير من المحال أغلقت أبوابها، لكن إلياس لا يزال يؤمن بالمستقبل، لأن المدينة، في نظره، يجب ألا تنتهي كما حدث في الحي اليهودي".

وتابع هيرمان: "ففي عام 1990 كان يعيش في ذلك الحي الواقع جنوب قوس النصر نحو خمسة آلاف يهودي، لكن مع موجة الهجرة الكبرى الأخيرة أصبح خاليا تماما".

وأضاف أنه "لاحقا سكنته عائلات شيعية سورية، إلا أن كثيرا منها غادره مجددا خوفا من السلطات السنية الجديدة، أما آخر كنيس يهودي فقد أغلق منذ زمن بعيد".

وأشار إلى أن الحي "يحظى اليوم بشعبية بين الفنانين، حيث يدير الفنان مصطفى علي، المولود عام 1956، والذي يعد أحد أبرز النحاتين العرب، مركزا فنيا".

وأكمل: "في الفناء الداخلي يعرض مصطفى منحوتاته المثيرة للجدل بين أشجار الياسمين والليمون والبرتقال المر".

"وفي الجزء الإسلامي من المدينة القديمة الذي تنتشر فيه المحال المفتوحة على الشارع والمساجد والخانات، لا تزال الحياة نشطة كما كانت"، يقول المراسل.

وتابع: "يرن جرس مدرسي بصوت عال معلنا انتهاء الدوام، فيندفع الأطفال إلى الخارج، وفي السوق المغطى على طول الشارع المستقيم، يُعرض كل ما يحتاجه الناس في حياتهم اليومية".

"وفي الطوابق العلوية، داخل مكاتب صغيرة بالكاد تُلاحظ، يدير رجال أعمال حركة سفنهم في البحر المتوسط أو تجارة البضائع في أنحاء المنطقة، محققين أرباحا بملايين الدولارات، عبر الفاكس في الماضي والإنترنت اليوم".

أقدم مقهى

وأبرز هيرمان تفاصيل المشهد في أحياء دمشق القديمة قائلا: "في الأزقة الجانبية يمكن للمرء أن يضل طريقه بسهولة، أو ينتهي به الأمر في ممر مغلق، فلا يمكن معرفة ما إذا كانت وراء الجدران تنفتح قصور فخمة أم بيوت فقيرة".

وأضاف: "واليوم تحولت بعض البيوت الدمشقية العريقة إلى فنادق بوتيكية أنيقة أو مطاعم عصرية، تكشف من خلال أفنيتها الداخلية عن روعة العمارة الدمشقية القديمة ورفاهية طبقتها البرجوازية".

أما المسجد الأموي، فقد احتل مكانة خاصة في وصف المراسل للمدينة، إذ قال: "لعل الحكاية الأكبر لدمشق يرويها ذلك البناء الديني الضخم القائم في وسطها".

وتابع: "فقبل 2400 عام، أنشأ الآراميون في هذا الموقع معبد حدد، ثم وسعه الرومان باستخدام كتل صخرية ضخمة ليتشكل معبد جوبيتر على مساحة تبلغ مئتي متر مربع، قبل أن يتحول لاحقا إلى كنيسة القديس يوحنا".

وعقب ذلك، حولته الدولة الأموية العربية إلى مسجد، "يعد من أروع المساجد في العالم"، بحسب وصفه.

وبحسبه، "استقدم الأمويون أمهر فناني الإمبراطورية البيزنطية الذين زينوا جدران الفناء الداخلي بموزاييك لم يفقد ألوانه حتى اليوم، يصور الجنة كما يتخيلها المسلمون: بساتين وأنهارا وقصورا".

وأضاف أنه "بعد فتح العرب المسلمين للمدينة عام 635، صلى المسيحيون والمسلمون جنبا إلى جنب لسنوات طويلة، قبل أن يُصبح المسجد حصريا للمسلمين منذ عام 705".

ولفت أنه "في ظل عظمة الجامع الأموي تبدو كل المعالم الأخرى صغيرة، بما في ذلك ضريح صلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين عام 1187 وتوفي في دمشق عام 1193".

ووصف ضريحه قائلا: "يعلو ضريحه قوس حجري وأعمدة ضخمة من معبد جوبيتر القديم، وقد زاره الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عام 1898، حيث وضع إكليلا من البرونز تكريما له".

وعاد المراسل الصحفي لسرد لقائه مع الطبيب السوري: "اليوم، يصل الزائر متأخرا إلى مقهى النوفرة الشهير الذي يقع أمام البوابة الشرقية للجامع الأموي".

وأردف: "في هذا المكان كان آخر حكواتي يروي قصصه عام 2010، قبل أن يختفي هذا الفن، ويقال: إن عمر المقهى يزيد على 500 عام، ما يجعله من أقدم المقاهي في العالم".

ووفقا له، "كان الدمشقيون يجتمعون فيه لسماع قصص الحب والشجاعة والبطولة، خصوصا حكايات عنترة الفارس العربي الأسطوري، وقد توفي آخر رواة القصص الكبار أبو شادي قبل سنوات قليلة".

واستطرد: "يستعيد السكان المحليون مشهده وهو يجلس مرتفعا يروي بحركاته التعبيرية وكأنه داخل فيلم حي، ورغم صمت صوته اليوم، لا يزال المكان يستحق الزيارة".

قلعة القلاع

وتابع راينر هيرمان جولته: "نغادر الجامع الأموي عبر البوابة الغربية؛ حيث تمتد أمامنا بقايا أعمدة من معبد جوبيتر القديم نحو السماء، تقود مباشرة إلى أشهر أسواق دمشق المغطاة: سوق الحميدية".

وواصل حديثه: "ومن هناك يستمر الطريق إلى محطة الحجاز التي شُيدت عام 1901، ويظهر في سجل مديريها اسم ميشيل باشا، الألماني المولد الذي كان من أبرز مهندسي السكك الحديدية العثمانية".

واسترسل: "أمام المحطة يمكن رؤية قاطرة بخارية صُنعت في ألمانيا عام 1908، رغم أن القطارات لم تعد تغادرها منذ عقود، بعد أن أزيلت السكك وأصبح المبنى مهجورا".

واستدرك: "لكن بعد سنوات الحرب، أصبح من الممكن مجددا الوصول بالحافلات والسيارات إلى مواقع التراث العالمي في سوريا، مثل حلب وتدمر، اللتين تعرضتا لدمار كبير، أو قلعة الحصن التي ما تزال سليمة نسبيا".

واختتم قائلا: "وقد وصفها الكاتب البريطاني وعالم الآثار توماس إدوارد لورنس، المعروف بلورنس العرب، بأنها (أفضل قلعة صليبية محفوظة وأكثرها إثارة للإعجاب في العالم)".


المصادر