سقوط مسيّرة قرب مقر الحلبوسي.. هل دخل الصراع السياسي في العراق مرحلة جديدة؟

طائرة مسيّرة صغيرة جداً سقطت على مسافة من مضيف رئيس مجلس النواب في قضاء الكرمة بمحافظة الأنبار
في توقيت سياسي مشحون بالاعتقالات والملاحقات القضائية، عادت لغة المسيّرات لتفرض نفسها على المشهد العراقي، ملقية بظلال من الشكوك والترقب حول طبيعة الرسائل الأمنية والسياسية المتبادلة بين القوى المتنافسة في محافظة الأنبار.
فقد أعلنت خلية الإعلام الأمني في العراق، مساء 20 يونيو/حزيران 2026، سقوط طائرة مسيّرة قرب مجلس ضيافة تابع لرئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي في قضاء الكرمة بمحافظة الأنبار.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية "واع" عن قيادة العمليات المشتركة قولها في بيان: إن "طائرة مسيّرة صغيرة جداً سقطت على مسافة من مضيف رئيس مجلس النواب في قضاء الكرمة بمحافظة الأنبار، على ضفة أحد البزول، ما تسبب في اندلاع حريق بالأدغال دون حدوث أي أضرار كبيرة".
وأضاف البيان أن "الجهد الاستخباري الفني أظهر أن الطائرة لم تكن تحمل أي مواد متفجرة، وأن هذا النوع من المسيّرات لا يتجاوز مداه 750 متراً، كما أنه سريع الاحتراق عند ارتفاع درجات الحرارة".
وأشار إلى أن "الأجهزة الأمنية والاستخبارية والأدلة الجنائية باشرت الإجراءات اللازمة وفتحت تحقيقاً بالحادثة".
في المقابل، تبنت وسائل إعلام ونواب مقربون من حزب "تقدم" رواية مغايرة تماماً، وعدوا الواقعة محاولة استهداف سياسي ورسالة تهديد مباشرة، جاءت بالتزامن مع حملة الاعتقالات الأخيرة التي نالت شخصيات مقربة من الحزب.
ونقلت وسائل إعلام، بينها شبكة "كوردستان 24" وموقع "إرم نيوز"، عن مصادر أمنية محلية قولها: إن الطائرة هي مسيّرة انتحارية من طراز "شاهد 101" إيرانية الصنع.
كما أدانت أطراف نيابية محسوبة على الحلبوسي الحادثة، ووصفتها بأنها "سابقة خطيرة" تقف وراءها جهات خارجة عن القانون بهدف زعزعة استقرار محافظة الأنبار والضغط على قيادات المكون السني.
ويضم المجمع السكني المستهدف في قضاء الكرمة مقار ومضايف تابعة لعدد من القيادات البارزة في المكون السني، من بينها المقر الخاص برئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، إضافة إلى مقر رئيس مجلس النواب الحالي هيبت الحلبوسي.
وتُعد محافظة الأنبار مركز الثقل السياسي لحزب "تقدم"، كما شهدت طوال السنوات الماضية حالة من الاستقرار الأمني النسبي مقارنة بعدد من المحافظات الأخرى، قبل أن تدخل أخيرا في أتون صراعات النفوذ السياسي والاقتصادي المتشابكة على المستويين المحلي والخارجي.
شبكة فساد
وتأتي حادثة سقوط المسيّرة بالتزامن مع حملة مداهمات واعتقالات واسعة نفذتها السلطات القضائية وهيئة النزاهة العراقية، استهدفت شخصيات وأذرعاً مالية وإدارية رفيعة المستوى مرتبطة بشبكة فساد كبيرة داخل المحافظة وفي قطاعات حيوية، أبرزها الكهرباء والمصافي النفطية.
وينظر مراقبون إلى هذا التطور الأمني بصفته حدثاً يصعب فصله عن محاولات الضغط المتبادل وتصفية الحسابات السياسية بين القوى المتنافسة في المشهد العراقي.
وكانت السلطات العراقية قد شنت خلال الفترة الماضية حملة أمنية وقضائية استهدفت شبكة فساد واسعة مرتبطة برئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي وحزب "تقدم".
ونالت الحملة عدنان الجميلي الذي يُوصف بأنه أحد الأذرع المالية والممولين الرئيسين لحزب "تقدم" والمنظومة الاقتصادية المرتبطة بالحلبوسي.
كما صدرت مذكرات قبض واستدعاء قضائية بحق كل من سنان الجميلي، المسؤول عن الملف الاقتصادي التابع للحلبوسي، وأمجد نذير النعيمي، المتهم بالتورط في ملفات مالية مرتبطة بالشبكة ذاتها.
وأصدرت هيئة النزاهة العراقية أوامر اعتقال بحق ثلاثة قياديين بارزين في حزب "تقدم"، يواجهون اتهامات بالاستحواذ على مبالغ مالية ضخمة مخصصة لمشاريع إعادة إعمار المناطق المتضررة، فضلاً عن شبهات تتعلق بغسيل الأموال والابتزاز المالي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية؛ لأن محافظة الأنبار تمثل اليوم مركز الثقل السياسي للمكون السني في العراق، كما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس بين قوى سياسية متعددة تسعى إلى تثبيت نفوذها في المحافظة ذات الثقل البرلماني والاقتصادي.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، واشتداد الصراع على النفوذ داخل البيت السني، باتت الأنبار تشهد تصاعداً في المواجهات السياسية والقضائية والإعلامية، الأمر الذي يمنح أي حادث أمني فيها أبعاداً تتجاوز حدوده المحلية المباشرة.
كما يثير التزامن بين سقوط المسيّرة وتصاعد الحملة القضائية ضد شخصيات محسوبة على حزب "تقدم" تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل التي أُريد إيصالها من خلال هذه الحادثة، سواء كانت رسالة ترهيب موجهة إلى قيادات الحزب، أو محاولة لإظهار هشاشة الوضع الأمني في المحافظة، أو حتى استثماراً سياسياً متبادلاً من مختلف الأطراف في سياق الصراع المتصاعد حول ملفات الفساد والنفوذ.
فحتى الآن، لم تقدم السلطات العراقية أي أدلة فنية أو أمنية حاسمة تسمح بتحديد الجهة المسؤولة عن الحادثة، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام قراءات متعددة تتجاوز البعد الأمني المباشر.
سيرة هيبت
وهيبت حمد عباس عبد الجبار الحلبوسي الدليمي (46 عاماً)، سياسي عراقي بارز حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، قبل أن يتجه إلى دراسة العلوم السياسية ويحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير في هذا التخصص من الجامعة المستنصرية في بغداد.
ودخل المعترك السياسي والبرلماني للمرة الأولى عام 2018 عضواً في مجلس النواب عن محافظة الأنبار في دورته الرابعة، قبل أن يبرز سريعاً كأحد الوجوه الشابة والقيادات المؤسسة لحزب "تقدم".
وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حقق فوزاً لافتاً بحصوله على أكثر من 51 ألف صوت في دائرته الانتخابية بالأنبار، قبل أن يُنتخب رئيساً لمجلس النواب العراقي في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 خلال الجلسة الافتتاحية للدورة البرلمانية السادسة.
ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس النواب العراقي، ويُعد أحد أبرز القيادات الشابة والنافذة في المشهد السياسي السني بمحافظة الأنبار، الأمر الذي يضعه في مواجهة مباشرة مع التوازنات والأزمات السياسية التي تشهدها البلاد.
وينتمي الحلبوسي إلى حزب "تقدم" الذي يتزعمه ابن عمه رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، وتولى قبل وصوله إلى رئاسة المجلس عدداً من المناصب النيابية المهمة، أبرزها رئاسة لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعية النيابية لعدة دورات.
وكان له دور بارز في إدارة ومتابعة ملفات الطاقة والاستثمار والتشريعات الاقتصادية داخل البرلمان العراقي.
ذاكرة المسيّرات
وتُعد "لغة المسيّرات" واحدة من أخطر الأدوات المستخدمة في الصراع السياسي والأمني داخل العراق خلال السنوات الأخيرة.
فاستخدام الطائرات المسيّرة لم يعد مقتصراً على العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب، بل تحول تدريجياً إلى وسيلة لإرسال الرسائل السياسية والأمنية، وممارسة الضغط على صناع القرار، بل ومحاولة تصفية الخصوم أو ترهيبهم عند تعثر التسويات السياسية.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو حادثة قضاء الكرمة الأخيرة معزولة عن السياق العراقي العام، بل تأتي امتداداً لإستراتيجية متكررة يجري فيها استدعاء المسيّرات كأداة لفرض توازنات جديدة كلما تحركت الدولة أو القوى السياسية نحو ملفات حساسة تتعلق بالنفوذ أو الفساد أو إعادة توزيع السلطة.
فمنذ الهجوم الشهير بثلاث طائرات مسيّرة انتحارية مفخخة استهدفت منزل رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بهدف الضغط لتغيير نتائج الانتخابات البرلمانية، تحولت الأجواء العراقية إلى ما يشبه "بريداً سياسياً بالنار"، تُرسل عبره رسائل الردع والضغط والابتزاز السياسي.
ولم يكن رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي بمنأى عن هذه التهديدات الجوية؛ إذ تعرض منزله ومضيفه في الكرمة ذاتها لقصف صاروخي وهجمات بمسيّرات في يناير/كانون الثاني 2022، بعد ساعات فقط من مصادقة القضاء على شرعية جلسة إعادة انتخابه، في محاولة فسّرها كثيرون آنذاك على أنها رسالة ترهيب للقوى السنية والكردية الداعمة لتحالف "الأغلبية الوطنية".
وسرعان ما تمدد هذا النمط من الاستخدام السياسي للمسيّرات، ليتحول من استهداف الرموز السيادية إلى ضرب مقار الأحزاب ومراكز نفوذها الميدانية.
وقد تجسد ذلك في الهجمات التي استهدفت مقار حزب "تقدم" وتحالف "عزم" والحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد مطلع عام 2022، في خضم الصراع حول تشكيل الحكومة الجديدة آنذاك.
ولم تقتصر هذه الرسائل الجوية على العاصمة بغداد، بل بلغت ذروتها الإقليمية والمحلية في سبتمبر/أيلول 2023 عندما استُهدف مطار عربت الزراعي في السليمانية بطائرة مسيّرة، في حادثة عكست حجم تشابك الحسابات الأمنية والسياسية بين مختلف الأطراف العراقية والإقليمية.
ويرى مراقبون أن تكرار تحليق أو سقوط هذه الطائرات المجهولة قرب المفاصل الحكومية الحساسة، كالمنطقة الخضراء أو محيط مطار بغداد الدولي أو مقار القيادات السياسية، بات يشكل نمطاً متكرراً من استعراض القوة والضغط السياسي، وغالباً ما يسبق جولات التفاوض أو التسويات الكبرى.
ولذلك ينظر كثير من المتابعين إلى حادثة الكرمة الأخيرة ليس بوصفها مجرد سقوط طائرة صغيرة مجهولة المصدر، بل بصفتها حلقة جديدة في مسلسل استخدام المسيّرات كورقة ضغط داخل معادلات القوة العراقية.
فكلما اقتربت ملفات النفوذ والفساد من مراكز القرار، عادت "الرسائل الجوية" إلى الواجهة لتذكّر الجميع بأن الصراع في العراق لا يُدار فقط عبر صناديق الاقتراع والمحاكم والمؤسسات الرسمية، بل أيضاً عبر أدوات ردع غير تقليدية ما زالت حاضرة بقوة في المشهدين السياسي والأمني.
مسرحية ساذجة
وربط كتاب وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بشكل مباشر ومكثف بين حادثة سقوط الطائرة المسيرة قرب منزل أو مضيف محمد الحلبوسي بالأنبار، وبين حملة الاعتقالات التي طالت أشخاصاً يوصفون بأنهم ينتمون إلى "شبكة فساد" مرتبطة بحزب تقدم أو مقربين منه.
وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الحلبوسي، #العراق، #الأنبار، #الكرمة وغيرها، أن التزامن بين الحدثين ليس صدفة، بل جزء من مسرحية ساذجة مُدبرة مسبقاً، بهدف تحويل الأنظار عن الاعتقالات وإعطاء صورة للحلبوسي بأنه "ضحية"، في محاولة لكسب تعاطف عام أو سياسي.
ووصفوا الأحداث بأنها مسرحية من تأليف وإخراج قادة حزب تقدم أنفسهم (أو من يدور في فلكهم)، بهدف التغطية على فضائح فساد محتملة أو شبكات نفوذ مالي وإداري، مؤكدين أن الحادثة"مفتعلة" أو "مبالغ فيها"، خاصة أن المسيرة سقطت في أرض زراعية دون إحداث أضرار كبيرة أو إصابات، وأن توقيتها يأتي مباشرة بعد أنباء الاعتقالات.
جرائم وفساد
وخصص ناشطون منشوراتهم للحديث عن جرائم وفساد مرتبط بحزب تقدم، مؤكزين على اتهام الحزب بالفساد المالي والإرهاب وبقايا بعثية، مطالبين بحظره وفصل نوابه، مع الإشارة إلى قضايا مثل حرق ملايين الدولارات لإخفاء جرائم، وفضائح اعتقال فاسدين محسوبين عليه، وأعمال نواب الحزب المتهمين بإطلاق نار وفساد.
وأكدوا أن ذلك جزء من نمط فساد يستحق التعرية والمحاسبة، خاصة في ظل أحداث أمنية وسياسية حديثة.
هيبة الدولة
في المقابل، أعرب نواب عراقيون وحقوقيون وناشطون عن إدانتهم واستنكارهم الشديدين للهجوم، وعدت الأوساط النيابية والمدنية هذا الاعتداء انتهاكاً صارخاً لهيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية، ومحاولة بائسة لزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي وخلط الأوراق.
كما دعا المستنكرون الجهات الأمنية والاستخبارية إلى فتح تحقيق عاجل وفوري لكشف ملابسات الحادث، وملاحقة الجهات المتورطة وتقديمها للعدالة لضمان فرض سيادة القانون وحماية السلم المجتمعي.
ضغط وترهيب
ورأى ناشطون وسياسيون أن حادث سقوط المسيرة لم يكن حادثاً عادياً أو صدفة، بل رسالة تهديد واضحة مرتبطة بتصاعد الدعوات لإعادة نازحي جرف الصخر وفتح ملف السيطرة على المنطقة.
جرف الصخر هي ناحية زراعية في محافظة بابل (جنوب بغداد) كان يسكنها حوالي 140 ألف شخص، معظمهم من السنة العرب (من عشيرة الجنابيين بشكل أساسي) ، أي كانت المنطقة ذات أغلبية من العرب السنة، وتعد المعقل التاريخي والعاصمة العشائرية لـقبيلة الجنابيين.
وبعد طرد "تنظيم الدولة" منها عام 2014، سيطرت عليها فصائل من الحشد الشعبي، ومنعت عودة أهلها النازحين حتى اليوم (أكثر من 11 سنة)، وأصبحت المنطقة شبه مغلقة ومسيطر عليها من قوى خارج سلطة الدولة المركزية بشكل كامل، حسب تصريحات الحلبوسي المتكررة.
وتوصف جرف الصخر سياسياً وإعلاميا بأنها "منطقة مغلقة أمنيا" وشبه معزولة عن سلطة الحكومة المركزية؛ وتشير تقارير إلى وجود منشآت ومصانع عسكرية ومخازن داخلها تابعة للفصائل المسلحة.
وطالب محمد الحلبوسي (رئيس مجلس النواب السابق وزعيم حزب تقدم) ومعه قادة الكتل السنية مثل خميس الخنجر في مناسبات متكررة بضرورة تسليم الناحية للأجهزة الأمنية النظامية (الجيش والشرطة)، وبسط سلطة الدولة والسماح للنازحين بالعودة، مقدرين أن ملفها يمثل جرحاً إنسانياً ومعادلة سياسية معقدة.
ولذلك ربط ناشطون توقيت سقوط المسيرة بارتفاع الدعوات أخيرا لإعادة النازحين إلى ديارهم وفتح ملف السيطرة على المنطقة، مشيرين إلى أن جهات أرادت إيصال رسالة واضحة مفادها: "لا تفتحوا هذا الملف"، لثني الحلبوسي وأنصاره عن الاستمرار في المطالبة بعودة الأهالي.
كما ربطوا الحادث بمطالب أخرى تتعلق بإعادة التوازن في المناصب الحكومية (مثل جهاز المخابرات). ويصفون الحادثة عموماً بأنها محاولة ضغط وترهيب لإسكات الأصوات المطالبة بحقوق النازحين والسيطرة الوطنية على المنطقة.
فيما استنكر ناشطون البيان الرسمي لقيادة العمليات المشتركة حول سقوط طائرة مسيرة صغيرة قرب مضيف الحلبوسي، والحديث عن صغر حجمها وأنها استطلاعية فنية لا تحمل متفجرات.















