حماس تواصل حكمها لقطاع غزة رغم الاغتيالات المتواصلة.. كيف؟

محمد عيد | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة، ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا يزال الكيان الإسرائيلي عاجزا عن تحقيق أحد أبرز أهدافه المعلنة، والمتمثل في إنهاء حكم حركة حماس عسكريا وإداريا.

ورغم حجم الدمار الكبير الذي أصاب البنية التحتية والمؤسسات الحكومية، وسيطرة الاحتلال على مناطق واسعة من القطاع تُقدّر بنحو 64 بالمئة من إجمالي مساحته، ما زالت الحركة تحافظ على حضورها الإداري والأمني في المناطق المأهولة بالسكان.

وخلال فترة الحرب، طورت حماس نموذجا إداريا يعتمد على خطط عمل طارئة تتناسب مع ظروف القصف والاستهداف المتواصل، وأشرفت على هذا النموذج لجنة حملت اسم "لجنة الطوارئ"، قبل أن تتوسع مهامها عقب اتفاق وقف إطلاق النار لتتحول إلى إطار لإدارة حكومية أكثر شمولًا.

واعتمد هذا النموذج على ضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات العامة والحفاظ على تماسك مؤسسات الإدارة الحكومية خلال الحرب، إلا أن صلاحياته بدأت تتوسع بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مع عودة الوزارات تدريجيا إلى ممارسة مهامها المعتادة.

منظومة أمنية وإدارية

وكذلك في الجانب الأمني، يعتمد الهيكل الحكومي للحركة على عدد من الأجهزة الأمنية والشرطية، منها الشرطة المجتمعية والقضائية والمرور والأمن الداخلي ومكافحة المخدرات.

ويرتدي عناصر الشرطة الزي المدني لتجنب الاستهداف المباشر، وينتشرون في شتى المناطق المأهولة في القطاع، ويؤدي كل جهاز المهام المنوطة به.

كما أنشأت أجهزة حماس الجماهيرية لجانا حماية شعبية وعشائرية موالية لها، وأسهمت بشكل محوري في تعزيز الأمن خلال الحرب وما بعدها، خصوصا في جوانب تأمين المساعدات، وحفظ الأمن في مخيمات النزوح، ونسقت الجهود مع الأجهزة الحكومية.

وعلى المستوى المالي، لجأت الحكومة في غزة إلى شبكات صرافة محلية غير رسمية وأساليب غير معلنة، في ظل تعطل القطاع المصرفي. كما صرفت رواتب دورية للموظفين والمتقاعدين لديها.

وعلمت "الاستقلال" من مصدر في وزارة المالية في غزة أن رواتب الموظفين يتم توفيرها من خلال نظام جباية جديد، يقوم بالأساس على تحصيل الضرائب من التجار في السلع غير الأساسية، إلى جانب الاستفادة من الرسوم المفروضة في مؤسسات وزارة الداخلية والعدل.

وفي موازاة الجهود الأمنية والمالية، أحيت الإدارة الحكومية المنظومة القضائية. فبعد تدمير عدد كبير من المجمعات القضائية، جرى إنشاء مراكز قضاء طارئة داخل خيام أو مرافق مؤقتة في مناطق النزوح، لا سيما في دير البلح وخانيونس، لتولي القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للسكان.

وبعد أن كان عمل هذه المراكز يقتصر على القضايا المستعجلة، مثل فض النزاعات المدنية، وقضايا السرقات، وضبط الأسعار، وتوثيق عقود الزواج، وحصر إرث الشهداء.

 بات يشمل العمل القانوني كل القضايا والخلافات، فيما أعادت المحاكم الفلسطينية في غزة بتخصصاتها كافة فتح أبوابها لاستقبال المواطنين والحكم في قضاياهم.

من جانبه، قال المحامي أحمد الأسطل إن العمل القضائي عاد إلى سابق عهده قبل الحرب تقريبا، حيث عادت المحاكم كافة للعمل، بعضها في مبانيها الأصلية والبعض الآخر في مبان بديلة، بجانب تفعيل الشرطة القضائية المسؤولة عن تبليغ الخصوم وتنفيذ الأحكام القضائية وتأمين العمل القانوني.

وأضاف في حديث لـ"الاستقلال": "عودة العمل القضائي أسهمت في فرض الأمن وحل آلاف القضايا سواء العائلية أو المدنية أو المالية، كما ردعت المجرمين، حيث كان الحديث الرائج خلال الحرب أن من يرتكب جريمة لن يجد محاسبا".

 "وهو ما ساعد في تكوين المليشيات والعصابات العائلية وتشجيع جرائم القتل والأخذ بالثأر والعربدة في الطرقات وغيرها من الجرائم التي استشرت في الحرب".

وشدد المحامي على أن الكثير من مرتكبي الجرائم باتوا في السجون الآن بفضل سلطة القانون التي عادت وغيرت الواقع في قطاع غزة، حسب وصفه.

وتابع: "خلال الحرب تعمد الاحتلال استهداف وتدمير المحاكم ومراكز الشرطة التابعة لها، وكذلك استهداف القضاة والعاملين في وزارة العدل، ولكن بعد عودة العمل القضائي بعد شهر من اتفاق وقف إطلاق النار، انتظم العمل بشكل تدريجي حتى وصل إلى صورته الحالية".

متابعة حثيثة

وبالتوازي مع إعادة تفعيل المنظومة القضائية، تواصل الوزارات والمؤسسات الحكومية أداء مهامها بالحد الأقصى من القدرات المتاحة.

فوزارة الصحة تدير ما تبقى من المستشفيات والنقاط الطبية الميدانية، وتواصل إسعاف المصابين في الاستهدافات اليومية في قطاع غزة، فيما تتولى البلديات إدارة شبكات المياه المتضررة وحفر الآبار وجمع النفايات وفتح الطرقات وإزالة الركام وتنفيذ مشاريع مكافحة الحشرات والتلوث.

كما تتابع وزارة الاقتصاد الأسواق للحد من الاحتكار والغش التجاري، والسعي لمواصلة تداول الغزيين للعملات النقدية المهترئة، وهي الأزمة التي أثقلت كاهل الفلسطينيين في غزة على مدار الحرب.

وكذلك وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة، التي استأنفت العملية التعليمية في فبراير/شباط 2025، رغم الدمار الواسع الذي طال أكثر من 80% من المدارس.

وانطلقت العملية التعليمية داخل ما تبقى من المدارس المدمرة، إضافة إلى خيام ونقاط تعليمية بديلة، حيث التحق مئات الآلاف من الطلبة بالدراسة دون زي مدرسي أو مستلزمات تعليمية أساسية بسبب الظروف الصعبة ونقص الموارد.

فيما واصلت سائر الوزارات الفلسطينية في الإدارة الحكومية في غزة العمل بالقدرات المتاحة، كوزارة الأوقاف والثقافة، ووزارة الشباب والرياضة، والتنمية الاجتماعية والأشغال العامة.

وبرهن استمرار العمل الحكومي، رغم ما يتعرض له القطاع من استهدافات يومية، على أنه لا قدرة للاحتلال على تغيير الوضع في غزة، حسب مراقبين.

من جانبه، قال المحلل السياسي الفلسطيني عبد الله الكساب: إن السبب الرئيس لإحكام حماس سيطرتها على قطاع غزة هو تجذرها في الشارع الغزي، ومنظومتها الأمنية والحكومية والمالية التي تعمل في الخفاء، وتقود الجسد الحكومي اليوم لمواصلة أداء عمله في ظروف مستحيلة.

وأضاف في حديث لـ"الاستقلال": "الحكومة لا تعمل بذات الطريقة التي كانت تعمل فيها قبل الحرب، بل بات عملها عملا سريا وميدانيا، دون مقرات، ودون نظام مالي مصرفي، ودون نظام جباية، ودون آليات العمل القديمة، وهو ما يصعب على الاحتلال عرقلة عملها وشل نظامها".

"اليوم الوزارات كافة تعمل وتقوم بدورها، فعلى سبيل المثال أعادت وزارة التربية والتعليم المسيرة التعليمية، ووزارة المالية في غزة تدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، ووزارة الداخلية تحفظ الأمن، ووزارة الاقتصاد تحارب الغلاء والاحتكار وتنظم التجارة في غزة، ووزارة الأوقاف تتولى مهامها، حتى وزارة الثقافة عادت للعمل في ترميم المباني الأثرية."

وشدد الكساب على أن سكان قطاع غزة يلعبون دورا في الالتفاف حول الحكومة الحالية في غزة، من خلال تعاملهم معها كجهة حكومية وحيدة، ورفضهم التعامل مع العصابات الموالية للاحتلال، التي دعت السكان مرات كثيرة للتعامل معها والانتقال لمناطق حكمها.

وتابع: "حتى في حال دخول لجنة التكنوقراط للعمل في غزة، فلن تستطيع إنجاز أي شيء دون التعاون مع الحكومة الحالية، فهي تمسك بزمام الأمور في القطاع، وهي الضامن الوحيد لاستقرار غزة والطرف الوحيد القادر على فرض الأمن فيها".

حماس باقية والحرب فشلت

وبات فشل إسرائيل في القضاء على حكم حماس من الحقائق المثبتة بالنسبة للإسرائيليين، حيث تشير تقارير منشورة في وسائل إعلام ومراكز أبحاث إسرائيلية إلى أن الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لم تنجح في تفكيك الإدارة المدنية التي تديرها حماس داخل قطاع غزة.

بدورها، قالت صحيفة يديعوت أحرونوت في 26 مايو/أيار 2026: إن تقديرات أمنية إسرائيلية ترى أن الحركة ما زالت قادرة على إدارة القطاع، رغم الاستهدافات الإسرائيلية اليومية واغتيال كبار قادتها.

كما قالت القناة 12 العبرية في 2 يونيو/حزيران 2026: إن حماس تستمر في السيطرة بصفتها القوة الأكثر قدرة على إدارة الشأن العام في غزة وضبط الأوضاع الداخلية، في ظل غياب قوى محلية أخرى تمتلك النفوذ نفسه.

كما أظهرت استطلاعات أجراها معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI) في 27 يونيو/حزيران 2025 أن معظم الإسرائيليين يعتقدون أن حركة حماس ستواصل حكم قطاع غزة، وأن الحرب فشلت في إزاحتها عن الحكم.