أربعة سيناريوهات كبرى.. لهذه الأسباب قد تعلن إسرائيل رسميا امتلاكها “النووي”

"سياسة الغموض النووي الإسرائيلية باتت عبئتا إستراتيجيا"
مع تزايد الاضطرابات الإقليمية وتبدل موازين الردع، تتنامى في إسرائيل أصوات تدعو إلى الكشف الجزئي عن ترسانتها النووية، مقدرة أن سياسة الغموض الراهنة لم تعد كافية لمواجهة التهديدات المستقبلية.
ونشرت "منبر القدس للشؤون الإستراتيجية" مقالا لأستاذ القانون الدولي الفخري في جامعة بوردو الأميركية، لويس رينيه بيريس، أكد فيه أن على إسرائيل الانتقال إلى ما يسميه "الإفصاح الانتقائي" عن قدراتها النووية.

فجوات خطيرة
واستند بيريس إلى أربعة سيناريوهات للحرب النووية، محللا ما يعده فجوات خطيرة في عقيدة الردع الإسرائيلي الراهنة.
وفي ظل الحرب الجارية في الإقليم، أكد أن الترسانة النووية الإسرائيلية لم تفقد مبرر وجودها، وأنها ركيزة الردع في مواجهة التهديدات النووية، فضلا عن امتداد فائدتها لتشمل تهديدات غير نووية، أبرزها الهجمات التقليدية الواسعة النطاق والأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وأوضح بيريس أن عقيدة الردع الإسرائيلية تقوم تقليديا على مستويين: الردع التقليدي والردع النووي، إذ لا يُستدعى الأخير إلا بعد استنفاد الأول.
وأشار إلى معطى نظري جوهري لا يجوز إغفاله، وهو أن الحروب النووية لا سابقة تاريخية لها، ما يجعل كل حكم احتمالي مبنيا على قواعد هشة.
وأفاد بيريس بأن الخطر الإيراني قد تراجع إثر الحرب، غير أن ذلك لا يلغي احتمالات صعود تهديدات من مصر وتركيا وباكستان وكوريا الشمالية، وفق تقديره.
وأضاف أن بقاء إسرائيل لم يكن في أي يوم رهينَ قدرات الخصم العسكرية وحدها، بل هو مرتبط ارتباطا وثيقا باستعداد ذلك الخصم لتقبّل أضرار وجودية، ومن ثم فإن مصداقية الردع الإسرائيلي هي المتغير الأكثر أهمية في هذه المعادلة.
ونبّه بيريس إلى مفارقة إستراتيجية، مفادها أن إسرائيل قد تضطر إلى توظيف ردعها النووي في مواجهة تهديدات بيولوجية أو تقليدية، لا نووية فقط.
وضرب مثالا على ذلك بتصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أواخر 2024، حين أعلن صراحة حق روسيا في إدخال السلاح النووي في أي نزاع مستقبلي مع دول حلف "الناتو" الداعمة لأوكرانيا، ورأى أن الديناميكية ذاتها قابلة للتكرار في سياقات أخرى.
سيناريوهات أربعة
وحدّد بيريس أربعة مسارات يمكن أن تجد إسرائيل نفسها فيها طرفا في حرب نووية.
أولها الانتقام النووي، حيث قال إن إسرائيل ستردّ بالسلاح النووي إذا تعرضت لضربة نووية أولى، وأن هذا الرد قد يمتد ليشمل هجوما بأسلحة الدمار الشامل البيولوجية، أو هجوما تقليديا ضخما، إذا رأى القادة الإسرائيليون أن الرد التقليدي وحده عاجز عن درء خطر الإبادة.
وأوضح أن الرد النووي يُستبعد فقط إذا كان الهجوم المعادي تقليديا محدودا موجّها حصرا نحو الأهداف العسكرية دون المدنيين.
وثانيها الرد المضاعف، وهو السيناريو الذي تشنّ فيه إسرائيل ضربة استباقية تقليدية فيردّ عليها العدو بأسلحة نووية أو بأسلحة دمار شامل أخرى، فتنتقل إسرائيل إلى المستوى النووي في ردها.
وأفاد بأن المحدد الفاصل في هذا السيناريو هو "الهيمنة على التصعيد"، أي إبقاء زمام سُلّم المبادرة والتصعيد في يد إسرائيل، مشيرا إلى أن الرد النووي يُستبعد إذا جاء الرد المعادي متناسبا ومقتصرا على الأهداف العسكرية مع ضمانات موثّقة بعدم التصعيد.
وثالثها الضربة الاستباقية النووية، وهو الأقل احتمالا في تقدير الكاتب، حيث رأى أن إسرائيل لن تلجأ إليه إلا إذا امتلك العدو أسلحة دمار شامل قادرة على محوها، وأعلن نيته استخدامها، وكان في طور التحضير الفعلي للإطلاق، وتعذّر على الضربات التقليدية تحقيق الحد الأدنى من الحماية.
وأقرّ بيريس بأن الأثر النفسي والسياسي لاستخدام إسرائيل السلاح النووي ضربة أولى سيكون بالغ السلبية على المجتمع الدولي، ما يجعل هذا الخيار متاحا نظريا دون أن يكون واردا عمليا في سائر الأحوال.
ورابعها خوض المعركة النووية الفعلية، وهو السيناريو الذي تتحول فيه التهديدات إلى صراع نووي مكشوف بين الطرفين. وللإبقاء على هذا الاحتمال مستبعدا، طالب بيريس إسرائيل بضمان قدرة الضربة الثانية، أي بقاء قوتها النووية صالحة للاستخدام حتى بعد تلقّيها ضربة أولى.
ورأى أن نشر الغواصات النووية هو الخطوة الأنسب في هذا الاتجاه لأنها توفر قوة ردع مخبأة وصعبة الاستهداف.

الإعلان المرتقب
في هذا السياق، يعتقد بيريس أن سياسة "الغموض النووي المتعمد" التي اعتمدتها إسرائيل عقودا باتت عبئا إستراتيجيا، "فالعدو الذي لا يعلم بيقين ما إذا كانت إسرائيل قادرة وراغبة في الاستخدام الفعلي لأسلحتها النووية قد يُخطئ الحساب ويُقدم على ما لا تُحمد عقباه".
وأكد أن مصداقية الردع النووي مرتبطة جزئيا بما يراه الخصم من "قابلية استخدام" هذه الأسلحة، وأن الأسلحة التي يُدركها الخصم على أنها ضخمة وعشوائية وغير موجّهة قد تُغريه بالمبادرة بالضرب أولا، إذ يحسب أن إسرائيل لن تجرؤ على توظيفها فعليا.
واقترح "الإفصاح الانتقائي" بديلا، أي الكشف الموجّه عن ملامح عريضة من العقيدة النووية الإسرائيلية دون إفصاح كامل، مقدرا أن مثل هذا الكشف سيعزز مصداقية الردع ويقيّد حسابات الأعداء بدلا من تركها رهينة التخمين.
وفي السياق ذاته، انتقد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بـ "محو حضارة بأكملها" إبان الحرب مع إيران، واصفا إياها بأنها أقل جدوى من الخيارات المحسوبة بدقة، فضلا عن كونها انتهاكا صريحا للقانون الدولي.
ورفض بيريس الأطروحة القائلة بتعارض الردع النووي مع القانون الدولي، مستندا إلى الفقيه القانوني البريطاني، وليام بلاكستون، الذي كتب في "تعليقاته على قانون إنجلترا" إن كل دولة مطالبة بإنفاذ قانون الأمم بوصفه جزءا من القانون العام.
وخلص إلى أن الضربات الاستباقية الإسرائيلية إذا استجابت لمعايير الضرورة والتناسب يمكن عدها مشروعة في إطار منظومة تطبيق القانون الدولي.
واستعاد الكاتب نموذجَي "عملية أوبرا" ضد المفاعل العراقي عام 1981 و"عملية البستان" ضد المنشأة السورية في منطقة دير الزور عام 2007، مؤكدا أن هاتين العمليتين أثبتتا أن الضربات الاستباقية الإسرائيلية أفضت إلى ردع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة لصالح إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما معا.
وأشار إلى أن كوريا الشمالية سبق أن ساعدت سوريا في بناء ذلك المفاعل، مما يكشف عمق الترابط بين الساحات المختلفة.
ولفت بيريس إلى علاقة تبادلية غالبا ما تُهمل في التحليل الإستراتيجي -وفق زعمه- مفادها أن العقيدة النووية الإسرائيلية تؤثر في الأمن القومي الأميركي كما يؤثر فيه العكس.
وقال إن "إسرائيل إذا أخفقت إستراتيجيتها النووية في تلبية متطلباتها الوجودية انعكس ذلك سلبا على واشنطن بصورة مباشرة".
وأشار إلى أن التطورات في آسيا، من التعزيزات النووية لكوريا الشمالية إلى أي مواجهة صينية محتملة حول تايوان، ليست معزولة عن الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، إذ إن ما يجري في أي بقعة يطال سائر البقاع في منظومة الأمن الدولي.
وشدد على أن "التفوق الإستراتيجي يقوم على العقل لا على الحديد وحده؛ فالغموض الراهن قد يوهم الخصوم بأن الأسلحة النووية الإسرائيلية غير صالحة للاستخدام الفعلي فيُغريهم بالمبادرة".
ودعا إلى منظومة ردع متكاملة تجمع بين القوة التقليدية والنووية في إطار واحد متماسك لا بمنطق التعاقب.
وحذّر من استيلاء النخب السياسية والتجارية على صياغة القرار الإستراتيجي، مستشهدا بتحويل إدارة ترامب وزارة الدفاع الأميركية إلى "وزارة الحرب" بما يعنيه من تراجع للتفكير العلمي المنضبط.

















