صيد ثمين للعدالة.. دمشق تطيح برؤوس أمنية وتفكك خلايا فلول الأسد

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ضمن إستراتيجية أمنية وقضائية متكاملة تنتهجها الإدارة السورية الجديدة لتفكيك إرث النظام السابق وملاحقة المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الممتدة بين 2011 و2024، تتواصل العمليات الأمنية والاعتقالات النوعية التي تستهدف شخصيات بارزة وشبكات سرية مرتبطة بالنظام المخلوع، في مسار تقول السلطات: إنه يهدف إلى ترسيخ العدالة الانتقالية ومنع عودة الفوضى أو إعادة إنتاج مراكز النفوذ القديمة.

وفي أحدث هذه العمليات، أعلنت السلطات السورية في 15 يونيو/حزيران 2026 إلقاء القبض على وسام عثمان، مدير مكتب يسار الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وذلك في مدينة القرداحة بمحافظة اللاذقية، بالتزامن مع تفكيك شبكة متهمة بإدارة خلايا تجسس وتفجير لصالح النظام السابق في محافظة إدلب شمال غربي البلاد.

وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا): إن قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية أوقفت وسام عثمان فور دخوله الأراضي السورية في منطقة القرداحة. مشيرة إلى أنه متورط في انتهاكات وجرائم استهدفت مدنيين في الساحل السوري، إضافة إلى دوره في إدارة عمليات تجنيد وتأمين دعم مالي وعسكري لمجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق خلال الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة في مارس/آذار 2025.

ويُعد يسار الأسد من الشخصيات المثيرة للجدل داخل دائرة نفوذ العائلة الحاكمة السابقة؛ إذ ارتبط اسمه على مدى سنوات بشبكات مالية وعسكرية واسعة، كما وُجهت إليه اتهامات بإدارة مجموعات مسلحة رديفة للنظام والمشاركة في أنشطة غير قانونية خلال سنوات الحرب.

وجاءت عملية الاعتقال في سياق حملة أمنية أوسع تشهدها مناطق الساحل السوري منذ الهجمات المنسقة التي نفذتها فلول النظام السابق في مارس/آذار 2025، والتي استهدفت دوريات وحواجز أمنية وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. وقد دفعت تلك الأحداث السلطات الجديدة إلى تنفيذ عمليات تمشيط وملاحقة واسعة انتهت باستعادة السيطرة الأمنية ومواصلة تعقب المتورطين في الأرياف والمناطق الجبلية.

 إحباط مخططات تخريبية

وفي موازاة ذلك، كشفت وزارة الداخلية السورية عن حصيلة غير مسبوقة لعمليات إدارة مكافحة الإرهاب التي تأسست في مايو/أيار 2025، معلنة اعتقال 5989 عنصراً من النظام السابق ينتمون إلى رتب عسكرية وأمنية مختلفة.

وخلال مؤتمر صحفي في دمشق، قال المتحدث باسم الوزارة نور الدين البابا: إن الإدارة تمكنت من إحباط مخططات تخريبية عدة، وكشف للمرة الأولى عن تفكيك خلية أمنية مرتبطة بالنظام السابق بعد أشهر من الرصد والمتابعة والتحقيق.

وأوضح البابا أن أفراد الخلية عملوا كأذرع أمنية واستخباراتية للنظام المخلوع؛ حيث نفذوا عمليات جمع معلومات ورصد وتحليل أهداف، إضافة إلى تحديد إحداثيات لمواقع مدنية وعسكرية، والمشاركة في تنسيق عمليات تفجير داخل مناطق خاضعة للمعارضة سابقاً.

وفي السياق ذاته، قال قائد الأمن الداخلي في محافظة إدلب غسان باكير: إن التحقيقات أظهرت أن أفراد الشبكة لعبوا أدواراً مباشرة في توجيه الضربات العسكرية خلال سنوات الثورة، عبر تزويد الطيران الحربي والمدفعية التابعة للنظام بإحداثيات دقيقة لمواقع مستهدفة.

وأضاف أن الشبكة تورطت كذلك في إدخال سيارات مفخخة ودراجات نارية مزودة بعبوات ناسفة إلى مناطق مدنية، والمشاركة في تنفيذ تفجيرات استهدفت تجمعات سكانية وأسواقاً ومواقع حيوية في مدينة إدلب ومدينة جسر الشغور.

وأشار إلى أن الموقوفين اعترفوا بالمسؤولية عن عدد من التفجيرات التي استهدفت دوار الملعب ودوار السبع بحرات وشارعي الثلاثين والأربعين في إدلب، فضلاً عن عمليات أخرى في جسر الشغور، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإثارة حالة واسعة من الخوف والاضطراب بين السكان.

كما كشفت التحقيقات، بحسب باكير، عن قيام الشبكة بتجنيد عناصر جدد وجمع معلومات أمنية وتوفير طرق تهريب لمطلوبين ومتورطين في أعمال إرهابية سابقة، إضافة إلى تلقي دعم مالي ولوجستي مباشر من ضباط في أجهزة مخابرات النظام السابق.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه سوريا حالة من الحراك الشعبي المتزايد للمطالبة بتسريع محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال العقود الماضية، ومنع أي محاولات لإعادة دمج شخصيات مرتبطة بالنظام السابق في الحياة العامة دون مساءلة قانونية.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت مدن وبلدات عدة في إدلب وحلب وحماة ودير الزور وريف دمشق مظاهرات واعتصامات رفعت شعارات تطالب بمحاسبة "الشبيحة" وفلول النظام السابق وتقديمهم إلى القضاء، وسط دعوات لتعزيز مسار العدالة الانتقالية وعدم السماح بعودة مراكز النفوذ القديمة.

وترافقت هذه الاحتجاجات مع مخاوف متزايدة من لجوء بعض الأهالي إلى الانتقام الفردي في ظل بطء الإجراءات القضائية، وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى إصدار بيان أكدت فيه تفهمها لمشاعر الغضب لدى السوريين، لكنها شددت على أن المحاسبة مسؤولية حصرية للدولة ومؤسساتها القضائية.

ودعت الوزارة المواطنين إلى الامتناع عن أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، مؤكدة أن بناء دولة القانون يقتضي الاحتكام إلى القضاء وتقديم الأدلة والمعلومات للجهات المختصة بدلاً من أخذ الحق باليد.

ويُنظر إلى هذه الرسائل على أنها محاولة لاحتواء الاحتقان الشعبي وتوجيهه نحو مسارات قانونية ومؤسساتية، في ظل مرحلة انتقالية حساسة تسعى خلالها السلطات الجديدة إلى تحقيق التوازن بين مطلب العدالة ومقتضيات الاستقرار.

مسار قضائي

وفي موازاة الجهد الأمني، تمضي سوريا في بناء مسار قضائي غير مسبوق لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب. فمنذ أبريل/نيسان 2026 بدأت أولى المحاكمات العلنية لعدد من رموز النظام السابق بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بالتزامن مع محاكمات غيابية للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد.

وشهدت المحاكم السورية مثول مسؤولين أمنيين وعسكريين سابقين أمام القضاء، من بينهم عاطف نجيب، الرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في درعا، والمتهم بإصدار أوامر لقمع الاحتجاجات السلمية في بدايات الثورة السورية.

كما فُتحت ملفات أخرى توصف بأنها من الأكثر حساسية، بينها قضية "مجزرة حي التضامن" التي يُتهم فيها عناصر وضباط سابقون بالمشاركة في عمليات قتل جماعي، إلى جانب ملفات تتعلق بشبكات التهريب والتشبيح وتمويل الجماعات المسلحة.

ويرى مراقبون أن هذا الحراك الأمني والقضائي المتزامن يمثل محاولة جادة من الدولة السورية الجديدة لإثبات قدرتها على فرض سيادة القانون وإنهاء عقود من الإفلات من العقاب، في وقت يشكل فيه نجاح هذه المسارات اختباراً حاسماً لمدى قدرة السلطات على تحقيق العدالة للضحايا وترميم الثقة بالمؤسسات الرسمية.

وبينما تستمر الاعتقالات والمحاكمات وتتسع دائرة الملاحقات، يبقى الرهان الأكبر على قدرة الدولة على تحويل هذه الإجراءات من ردود فعل ظرفية إلى مشروع وطني متكامل للعدالة الانتقالية، يضمن محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، ويمنع في الوقت ذاته الانزلاق نحو الفوضى أو الانتقام، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وبناء المؤسسات في سوريا ما بعد الأسد.

ضربات نوعية

وأشاد ناشطون على منصات التواصل بتوالي الضربات الأمنية النوعية والإطاحة برؤوس أمنية بارزة حركت خيوط الموت والترهيب بسوريا، عادين ذلك "تطهيرا جذريا للبلاد"، وبداية حقيقية لفتح الصناديق السوداء لجرائم الاغتيالات والتفجيرات التي عانت منها المناطق المدنية طيلة سنوات الثورة السورية.

وطالبوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #إدلب، #القرداحة، #اللاذقية، #الداخلية_السورية بضرورة ألا تقتصر هذه الاعتقالات على الاحتجاز الأمني، بل يجب تحويلها إلى مسار علني للعدالة الانتقالية والمحاسبة الفعلية ومحذرين من الانجرار وراء الفوضى والثأر.

معقل الأسد

وأعرب ناشطون عن ارتياحهم لاعتقال وسام عثمان، الذي يُعد أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالذراع التنفيذية في قلب منطقة القرداحة، معقل عائلة الأسد في الساحل السوري. وأشادوا بوصول يد العدالة السورية الجديدة إلى هذا العمق الجغرافي الذي ظل لعقود طويلة يُنظر إليه بصفته حصناً منيعاً لشبكات النفوذ الأمني والعائلي وامتدادات ما يُعرف بـ"الشبيحة"، فضلًا عن كونه بيئة حاضنة لمراكز القوة المرتبطة بالنظام السابق.

وأشاروا إلى أن خطورة عثمان لا تقتصر على التهم المتعلقة بانتهاكات بحق المدنيين العُزّل، بل تمتد إلى أدوار أوسع شملت الضلوع في عمليات تجنيد وتنسيق شبكات الدعم المالي واللوجستي، بما في ذلك ما يُعتقد أنه ارتبط بمحاولات تقويض الاستقرار خلال الأحداث التي شهدتها البلاد في مارس/آذار 2025. ورأى ناشطون أن هذا الدور يمنح القضية أبعاداً أمنية حساسة، نظراً لارتباطه المباشر ببنية الفلول وشبكاتها التنظيمية.

خلايا إجرام

وأبدى ناشطون ارتياحهم لإعلان السلطات السورية تفكيك شبكات تجسس وتفجير يُعتقد ارتباطها بفلول النظام السابق في محافظة إدلب، ورأوا أن هذه الخطوة تمثل تطوراً أمنياً مهماً في مسار تثبيت الاستقرار في المناطق الخارجة حديثاً من الصراع.

وأشادوا بجهود قوى الأمن الداخلي في ملاحقة هذه الخلايا، داعين إلى مواصلة عمليات الرصد والتفكيك، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية الناشئة، بما يضمن منع أي محاولات لإعادة إحياء الشبكات السرية أو تهديد الأمن المحلي.

كما برزت في منصات التواصل الاجتماعي شهادات ومشاركات محلية تتحدث عن أنشطة سابقة لأذرع تجسس مرتبطة بالنظام السابق، عبّر أصحابها عن ارتياحهم لبدء محاسبة المتورطين في تلك القضايا. وتداول ناشطون صوراً لعدد من أفراد تلك الخلايا، مشيرين إلى أن بعضهم ينتمي إلى فئات عمرية متقدمة، محذرين من خطورة التساهل مع هذه الشبكات، ومؤكدين ضرورة أن تكون المحاسبة رادعة وشاملة لتكون عبرة لغيرهم.