هل انهارت ثنائية "المتشددين والإصلاحيين" داخل إيران؟.. "فورين أفيرز" تجيب

منذ ١٠ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026، بدا أن الجمهورية الإسلامية تمر بواحدة من أضعف مراحلها.

فقد أسفرت الضربات الجوية المكثفة عن تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية والقطاع الصناعي، فيما فاقم الحصار البحري الأميركي من الضغوط على اقتصاد كان يعاني بالفعل من أزمة عميقة.

وفي مطلع مارس/آذار، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية: "لقد دمّرنا إمبراطوريتهم الشريرة بالكامل"، قبل أن يعلن بعد أسابيع تحقيق "نصر كامل وشامل".

غير أن المشهد، بعد ثلاثة أشهر فقط، يبدو مختلفا إلى حد كبير، بحسب مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" للباحثة في الأنثروبولوجيا والدراسات الشرق أوسطية نرجس باجوغلي، وأستاذ دراسات الشرق الأوسط ولي رضا، وكلاهما من جامعة جونز هوبكنز.

تغييرات سريعة

وأوضح الأكاديميان أن "إيران ما تزال تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، ورغم دعوة ترامب للإيرانيين إلى الإطاحة بالنظام، لا توجد مؤشرات على أي انتفاضة شعبية وشيكة. وقد ثبت أن الهدف الأولي للحرب -توجيه ضربة قاتلة إلى الجمهورية الإسلامية- كان غير قابل للتحقق".

وبدلا من كسر إيران، غيّرتها أتون الحرب بطرق غير متوقعة. وللبقاء على قيد الحياة وفرض مزايا إستراتيجية جديدة، اضطرت الجمهورية الإسلامية إلى التكيف والابتكار، وتغيير أساليب خوضها للحرب وإدارة الدولة وتنظيم المجتمع، وذلك بسرعة غير مسبوقة.

وبحسب المقال، تبدو طهران اليوم واثقة مما أنجزته، ومصممة على ترسيخ تلك المكاسب داخليا وخارجيا. وقد أفرزت الحرب إيران جديدة، يُتوقع أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط وتؤثر في مسار الجغرافيا السياسية لسنوات طويلة قادمة.

وقال: "شنّت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران في 28 فبراير/شباط، مدفوعين بإدراك أن النظام الإيراني قد أُنهك بفعل الحرب التي استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، وانتفاضة شعبية في يناير/كانون الثاني 2026".

وقد توقعا تحقيق نصر سريع عبر عمليات اغتيال تستهدف قيادة إيران، لكن "قطع الرأس" لم يؤدِ إلى انهيار النظام، بل فتح الباب أمام جيل جديد لتولي السلطة.

ويرى كثير من المراقبين الغربيين أن القيادة الجديدة التي برزت خلال الحرب، والتي يهيمن عليها الحرس الثوري، أكثر تشددا أيديولوجيا وأكثر ميلا للمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذا التوصيف ليس دقيقا تماما، بحسب المقال.

فالاختلاف الحقيقي أعمق وأكثر تأثيرا؛ إذ يركز المراقبون خارج إيران على عدد محدود من القادة الكبار مثل المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.

غير أن الأكثر أهمية  -وفق المقال- هو التحول الذي حدث في المستويات الأدنى بوجود جيل جديد من قادة الحرس الثوري ومسؤولي الأمن المدنيين الذين نشأوا بعد الثورة عام 1979.

وقد بات هؤلاء يشغلون مواقع صنع القرار الأساسية، وأصبح منظورهم القومي في إدارة الدولة والأمن يعيد تشكيل طبيعة الجمهورية الإسلامية.

أجيال مختلفة 

وأفاد المقال بأن "رؤى الجيل المؤسس للثورة، بما في ذلك قادة سابقون مثل روح الله الخميني وعلي خامنئي، تشكلت عبر معارضتهم الطويلة لحكم الشاه محمد رضا بهلوي المدعوم أميركيا، وعبر سنوات السجن أو المنفى".

واستدرك: "أما الجيل الثاني من الثوار الذي يشمل قيادات اليوم مثل مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد كان في سن المراهقة أو الشباب خلال الحرب الإيرانية-العراقية، التي صقلت رؤيتهم".

والجيل الثالث، أي الكادر الإداري والسياسي الحالي في إيران، فلا يعرف إلا إيران ما بعد الثورة. وقد تبنى هذا الجيل من ضباط القوات المسلحة والحرس الثوري، إلى جانب مؤسساته الأمنية، ثقافة احترافية منظمة ورؤية إستراتيجية تقوم على الدفاع الوطني لا على الأيديولوجيا الثورية، بحسب المقال.

أما المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، فقد كان نتاج التيارات الفكرية والسياسية لإيران ما قبل الثورة في عهد الشاه. وقد صقل تكوينه السياسي عبر نقاشه مع القوميين العلمانيين واليساريين والليبراليين الذين شاركوه هدف إسقاط النظام الملكي ومواجهة النفوذ الغربي.

وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم على البلاد، لكنهم لم يتغلبوا قط على الشعور بانعدام الأمن لأنهم يحكمون مجتمعا لا يخضع لهم خضوعا تاما.

وتابع المقال بأن "الجيل الجديد لا يعرف شيئا من ذلك بشكل مباشر. فقد كان معظمهم أطفالا عند تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا على الإيمان بحقها في الحكم".

وأوضح: "لم يصل هؤلاء الرجال إلى السلطة عبر القتال من أجلها، بل بلغوا سن النضج داخل مؤسسات السلطة نفسها، وتلقوا شرعيتهم بوصفها أمرا مسلّما به".

"كما أن حالة القلق التي ميّزت الجيل المؤسس -والحاجة الدائمة لإثبات أن الثورة حقيقية، وأن مطالبها جادة، وأن النخبة القديمة قد هُزمت فعلا- تبدو غائبة إلى حد كبير. فهم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة".

هذا التمايز النفسي له انعكاسات عملية هائلة. فعندما واجه جيل علي خامنئي العالم -في مفاوضات الرهائن، والمحادثات النووية، والمواجهات الإقليمية- كان هناك دائما تيار خفي من الشعور بالظلم، وصوت يرتفع بخطاب المظلومية التاريخية والانتقام الإسلامي.

وقد كان هذا الخطاب قويا وواقعيا، لكنه في الوقت نفسه شكل عبئا إستراتيجيا، فقد جعلهم متقوقعين، ودفاعيين، وعرضةً للخلط بين الدفاع عن أيديولوجيتهم والدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية، والتي لم تكن متوافقة دائما.

أما الجيل الجديد فقد فصل الثورة عن فن الحكم. فهو لا يتبنى، في الداخل والخارج، عظمة الثورة ولا يدعو إلى تصديرها، وفق المقال.

فالقادة الجدد هم فاعلون في المؤسسة، قوميون براغماتيون متمرسون يعملون بتقييم دقيق لقدرات إيران ونقاط ضعفها. وعلى عكس أسلافهم، فهم قادرون على التحلي بالصبر الإستراتيجي والتصرف بحزم.

كما أنهم ينظرون إلى نقاط ضعف إيران بشكل متكرر وعلني -وهو أمرٌ كان الجيل المؤسس غير واثقٍ من نفسه لدرجة تمنعه ​​من القيام به بصدق- ويتعاملون معها كمشاكل يجب حلها.

عقد اجتماعي جديد

ويرى الباحثان أنه لطالما سعت الجمهورية الإسلامية إلى عقد اجتماعي مع سكانها، لكن شروط هذا العقد تغيّرت جذريا عبر تاريخها.

"وما يُعرض اليوم هو عقد اجتماعي قومي-احترافي جديد، تُبنى فيه شرعية الدولة على القدرة الملموسة على الدفاع عن البلاد وإعادة إعمارها، وشروط هذا العقد وطنية لا دينية".

فالإعلام الرسمي بات ينتج محتوى يطبع صور النساء المحجبات وغير المحجبات جنبا إلى جنب، ويُعيد صياغة الهوية الإيرانية بوصفها هوية ثقافية أكثر من كونها دينية، ويتجه نحو شرائح المجتمع التي كانت الأكثر رفضا للجمهورية الإسلامية، مثل الشباب والطبقة الوسطى الحضرية.

وهذا لا يعني تحررا سياسيا -وفق تأكيد المقال- إذ لا يزال النظام يقمع المعارضة السياسية بشدة. لكن الدولة باتت تدرك أنها بحاجة إلى قاعدة اجتماعية أوسع مما يمكن أن توفره الأيديولوجيا الإسلامية وحدها.

وبشكل متزايد، تبدو الجمهورية الإسلامية أقل شبها بثيوقراطية وأكثر شبها بدولة قومية سلطوية يمينية. فالأيديولوجيا الإسلامية لا تزال حاضرة، لكنها باتت خاضعة لضرورة التماسك الوطني.

وتابع المقال: "لا يزال المسجد حاضرا، لكن الرمز السياسي المهيمن على القلادات ودبابيس الملابس، لدى الشباب وكبار السن، هو خريطة البلاد".

"كما أن التجمعات الحكومية للدفاع عن الوطن باتت تستقطب حتى بعض منتقدي النظام، الذين دفع بعضهم ثمنا باهظا لمعارضتهم في السابق. وقد أصبحت هذه التجمعات نقطة ارتكاز لقومية تتمحور حول حماية الحضارة الإيرانية".

وبخصوص محور المقاومة، الذي كان يُنظر إليه من قبل العديد من الإيرانيين على أنه دعم مجاني لقضية أيديولوجية، بات يُفهم اليوم لدى شريحة أوسع من السكان بوصفه أداة للدفاع الوطني.

وختم المقال بالإشارة إلى أن التحول عن العقائد الجامدة إلى البراغماتية لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر اعتدالا. فالدول الأمنية القومية غالبا ما تكون قاسية تجاه شعوبها ومزعزعة للاستقرار الدولي.

ولهذا ستبقى الجمهورية الإسلامية الناشئة شديدة السلطوية. لكن التصنيفات التي استخدمها المحللون الغربيون غالبا لوصف تياراتها -صقور مقابل معتدلين، أيديولوجيون مقابل إصلاحيين- ستصبح أقل دقة من أي وقت مضى، وفق تأكيد المقال.