من سربرنيتسا إلى رام الله.. كيف تخطط “قافلة فلسطين” لعبور سبع دول؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تجمع “قافلة فلسطين” بين ذاكرة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا وحاضر المجازر الإسرائيلية في غزة، وتحاول تحويل هذا الربط إلى تحرك بري يقطع البلقان وتركيا والعراق والأردن قبل الوصول إلى الضفة الغربية. 

بدأت المرحلة البوسنية في 26 يوليو/تموز 2026، بنحو 60 مشاركًا، ويأمل المنظمون أن يتسع العدد تدريجيًا إلى قرابة 500 شخص، في رحلة تتقدم عبر المركبات الخاصة وترافقها فعاليات شعبية وإعلامية في المدن الواقعة على الطريق.

قافلة تتسع على الطريق

تمنح غزة التحرك دافعه السياسي والإنساني، فيما تحدد رام الله وجهته العملية، وبينهما طريق طويل تتغير تفاصيله مع ترتيبات كل دولة، وينتهي عند معبر الملك حسين الذي تفرض قواعده تبديل المركبات قبل العبور، حال نجاحه.

تحمل القافلة معها رغبة في إيصال رسالة دولية للتضامن مع فلسطين، لكنها تتحرك أيضًا نحو اختبار مباشر لقدرة عمل مدني عابر للحدود على تجاوز التأشيرات والقيود الأمنية والقرار الإسرائيلي عند البوابة الأخيرة.

تقدم “قافلة فلسطين” المبادرة بصفتها حركة مدنية دولية سلمية يقودها مشاركون من بلدان متعددة، ويتحرك أفرادها بسيارات وحافلات ودراجات نارية وهوائية شخصية.

يقول القائمون على القافلة إن وفود كل دولة تتجمع في مدنها، ثم تلتحق ببقية الوفود كلما تقدمت شرقًا، ضمن آلية يسميها المنظمون “تأثير كرة الثلج”، على أن تكون إسطنبول نقطة الالتقاء الكبرى قبل التوجه إلى الأردن والحدود الفلسطينية.

وتضم قائمة المشاركين المنشورة أسماء من 31 دولة من أوروبا والبلقان والشرق الأوسط وأميركا الشمالية، كما يؤكد القائمون على القافلة استقلالهم عن الأحزاب والمنظمات السياسية. 

وتتشكل القافلة عمليًا من ناشطين شارك بعضهم في حملات سابقة مرتبطة بفلسطين، ومن وفود وطنية تتولى تسجيل المشاركين ومقابلتهم وترتيب التحاقهم بالطريق. وتضع شروطًا تتعلق بالالتزام بالعمل المدني غير العنيف، والقدرة على إدارة الأعداد والمركبات خلال الرحلة.

يشرح التركي إيهيت سلام دورموش أحد منظمي هذه المبادرة، لـ"الاستقلال" أنها خرجت من تعاون ناشطين في عدة دول، وأنها لا ترتبط بمؤسس منفرد أو حزب سياسي.

ويقول: إن عدد الموجودين في البوسنة والهرسك بلغ نحو 60 شخصًا، على أن يتسع على الطريق حتى يصل، وفق تقديرات المنظمين، إلى نحو 500 مشارك عند بلوغ فلسطين.

ويتعلق جانب آخر من تعريف القافلة بما تحمله مركباتها؛ إذ يقول الصحفي التركي المشارك فوركان تشاليشكان لـ"الاستقلال": إن المشاركين يصطحبون معهم مواد إغاثية وطبية.

كما يصطحبون سيارة إسعاف رمزية ضمن الرحلة تحمل أعلام فلسطين وصور الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي اعتقلته قوات الاحتلال نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2024 ويتواصل احتجازه دون تهمة أو محاكمة، ويتعرض للتعذيب وسوء المعاملة والحبس الانفرادي والحرمان من الرعاية الطبية.

من سربرنيتسا إلى رام الله

اختار المنظمون سربرنيتسا محطة الانطلاق الرمزية للخط المشترك، بعد وصول وفود من فرنسا والنمسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى إلى البوسنة. 

وحملت المبادرة شعار “من سربرنيتسا إلى غزة.. من إبادة إلى أخرى”، وشملت زيارة المركز التذكاري لها في بوتوتشاري شرقي البوسنة قبل العودة إلى سراييفو مساء 26 يوليو ثم الانطلاق نحو ألبانيا.

يحمل اختيار المكان معنى يتجاوز موقعه الجغرافي، فقد اجتاحت قوات صرب البوسنة سربرنيتسا في يوليو 1995، وقتلت أكثر من 8 آلاف من الرجال والفتيان البوشناق، في جريمة قضت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة وأقرت الأمم المتحدة بأنها إبادة جماعية. 

يربط الصحفي تشاليشكان بين هذه الذاكرة وما يدفع المشاركين إلى التحرك اليوم. ويقول لـ"الاستقلال" إن اختيار سربرنيتسا جاء من أرض شهدت إبادة قبل 31 سنة، في وقت يرى فيه المشاركون أن الخطاب المتعلق بالتهدئة يحجب استمرار القتل والمعاناة في غزة. 

كما يصف القافلة بأنها تحرك سلمي وغير مسلح، يسعى إلى الوصول إلى الفلسطينيين “الذين تُنتزع أراضيهم منهم مليمترًا بعد مليمتر” في الضفة الغربية.

يبدأ المسار المشترك من البوسنة، ثم يتجه إلى تيرانا في ألبانيا وسالونيك في اليونان، قبل دخول تركيا عبر أدرنة والوصول إلى إسطنبول.

 ومن هناك تتحرك القافلة عبر سكاريا وأنقرة وقونية وأضنة وغازي عنتاب وشانلي أورفا وديار بكر وماردين، ثم تعبر بوابة هابور إلى العراق، مرورًا بدهوك وأربيل وكركوك وبغداد والفلوجة والرمادي وصولًا إلى معبر طريبيل.

وفي الأردن، يمر الطريق بالرويشد وعمّان ثم معبر الملك حسين، قبل الوصول إلى رام الله. ويضع جدول التتبع ثلاثين محطة ضمن الرحلة، ويفترض أن ينتهي في رام الله يوم 18 أغسطس/آب.

وتفسر القافلة اختيار طريق الضفة الغربية بأنه جزء من تحرك أوسع باتجاه فلسطين بمختلف مساراتها، خاصة بعد هجوم قوات الاحتلال على عدة أساطيل بحرية دولية حاولت الوصول إلى قطاع غزة.

وعلى الرغم من اختيار الضفة الغربية وجهة لها، يظل الوصول إلى غزة حاضرًا في خطابات المشاركين بوصفه المحرك المركزي للتضامن.

رحلة تصطدم بالحدود

تتولى وفود الدول مسؤولية التأشيرات والوثائق الرسمية لمشاركيها، ويخضع الراغبون في الانضمام إلى تسجيل ومقابلة وفحص للهوية، فيما تبقى تفاصيل بعض المراحل النهائية مرتبطة بالتنسيق مع الوفود والسلطات الواقعة على الطريق. 

وتقول القافلة: إن مسار العراق أو التقدم من تركيا إلى الأردن يُحسم مع تطور الترتيبات، رغم أن جدولها التشغيلي الأحدث تبنى طريق العراق عبر هابور وطريبيل. وتظهر العقبة الأكثر وضوحًا عند معبر الملك حسين، المعروف إسرائيليًا بجسر ألنبي. 

وتوضح هيئة تنشيط السياحة الأردنية أن هذا المعبر يتطلب ترتيب التأشيرة مسبقًا، وأن السيارات الخاصة والحافلات السياحية لا تعبر الحدود من خلاله، إذ يتعين على المسافرين تبديل وسيلة النقل أو استخدام معبر آخر.

وعمليًا، قد تصل القافلة إلى الأردن بمركباتها ثم تضطر إلى استكمال المرحلة الأخيرة بصيغة مختلفة، حتى في حال حصول المشاركين على إذن الدخول.

في حال العبور إلى الأردن، تدخل التقديرات الإسرائيلية بعد ذلك بوصفها العامل الحاسم في الوصول إلى الضفة الغربية؛ حيث يتوقع المشاركون أن يجرى منعهم من قبل السلطات في عمان أو من إسرائيل.

فعبور المشاركين من الأردن لا يعني تلقائيًا السماح للقافلة بالدخول بصورتها الجماعية، كما أن اختلاف جنسياتهم ووثائقهم يجعل المعالجة الأمنية لكل فرد مسألة منفصلة، متوقعين منعهم جميعا من الوصول.

ولهذا أعد المنظمون سيناريو للتوقف قبل الوصول؛ إذ تنص خطة القافلة على إقامة مخيم عند النقطة التي تُمنع فيها، والحفاظ على الحضور الإعلامي والشعبي، ومواصلة التفاوض بدل إنهاء التحرك والعودة فورًا.

تكتسب هذه العقبات معناها من دوافع المشاركين أنفسهم؛ إذ يقول الفرنسي سيباستيان ميشولوت، القادم من مدينة ديجون، إن استمرار الإبادة بغزة واتساع الاستيطان في الضفة دفعاه إلى الاستجابة لنداء فلسطين والانضمام إلى التحرك الميداني، بعد سنوات من الارتباط بالقضية والتضامن معها.

وأضاف لـ"الاستقلال": “قلبي مع غزة منذ وقت طويل، ولذلك أشعر بأن عليّ أن أكرس نفسي أكثر لهذه القضية وأن أنضم إلى الحراك والعمل. علينا أن نصمد من أجل فلسطين، لأنها بحاجة إلينا”.

وفي ظل توقعهم إجهاض المبادرة، يقيس المنظمون أثر الرحلة بما تجمعه من مشاركين وما تخلقه من ظهور علني على امتداد الطريق حتى لو تعذر الوصول إلى الوجهة النهائية.