هل دفعت ملاحقة نتنياهو كريم خان إلى خارج المحكمة الجنائية الدولية؟

يُعد عزل خان أول إقالة لمدعٍ عام في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها عام 2002
في خطوة غير مسبوقة هزّت أركان العدالة الدولية، أُقيل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان الذي سبق أن أصدر مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وسط اتهامات لإسرائيل والولايات المتحدة بالوقوف وراء الحملة التي انتهت بعزله.
وخلال جلسة طارئة واستثنائية لجمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي التي تضم 125 دولة، وعُقدت في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك في 24 يوليو/تموز 2026، صوّتت الدول الأعضاء لصالح عزل كريم خان من منصبه مدعياً عاماً للمحكمة، على خلفية مزاعم بارتكابه سلوكاً جنسياً غير لائق، وهي اتهامات نفاها بشكل قاطع.
وأسفر التصويت السري عن تأييد 82 دولة من أصل 125 دولة عضواً قرار العزل، فيما عارضته 13 دولة، وامتنعت 15 دولة عن التصويت.
وبموجب نظام روما الأساسي، يتطلب عزل المدعي العام الحصول على الأغلبية المطلقة، أي تأييد ما لا يقل عن 63 دولة.
وبذلك، أصبح كريم خان أول مدعٍ عام يُعزل من منصبه منذ تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 2002.
وجاء في البيان الرسمي لرئيسة جمعية الدول الأطراف، بايفي كاوكورانتا، أن قرار العزل استند إلى نتائج تحقيق مطوَّل خلص إلى ثبوت ارتكاب خان "سلوكاً جنسياً غير لائق وإخلالاً جسيماً بالواجبات الوظيفية" بحق موظفة مبتدئة كانت تعمل مساعدة مباشرة له في مكتبه.
ضغوط متصاعدة
تواجه المحكمة الجنائية الدولية ضغوطاً أميركية وإسرائيلية متزايدة منذ إصدارها مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا عضوين في المحكمة، فإن انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي عام 2015 منح المحكمة اختصاصاً بالنظر في الجرائم المرتكبة على الأراضي الفلسطينية، بصرف النظر عن جنسية المتهمين.
وجاء عزل كريم خان عقب تحقيق تناول اتهامات تتعلق بـ"سوء سلوك جنسي" تجاه موظفة كانت تعمل في مكتبه. وكانت هذه الاتهامات قد ظهرت إلى العلن في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وتعلقت بأحداث مزعومة وقعت خلال العام نفسه.
وعلى إثر ذلك، تنحى خان مؤقتاً عن أداء مهامه في مايو/أيار 2025، قبل أن يُوقف رسمياً عن العمل في يونيو/حزيران 2026، إلى حين تصويت الدول الأعضاء على عزله.
وينفي خان، وهو محامٍ بريطاني يبلغ من العمر 56 عاماً، جميع الاتهامات الموجهة إليه. وأكد محاموه أنه لم تربطه بالموظفة "أي علاقة جنسية من أي نوع". مقدرين أن إجراءات عزله تفتقر إلى الأساس القانوني، وتشوبها عيوب إجرائية، ولا تستند إلى أدلة كافية.
ودافع فريقه القانوني عنه بشدة، مؤكداً نفيه القاطع لأي سلوك غير لائق، وواصفاً المسار الذي أفضى إلى عزله بأنه "غير قانوني ومسيّس، وجاء تحت وطأة تهديدات وعقوبات دولية مشددة".
ويُعد عزل خان أول إقالة لمدعٍ عام في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها عام 2002. ومن المقرر أن تبدأ جمعية الدول الأطراف إجراءات اختيار خلف له، وسط توقعات بألا يُنتخب المدعي العام الجديد قبل العام المقبل.
ويرى مراقبون أن قرار العزل لا يمكن فصله عن السياق السياسي والجيوسياسي الحساس الذي تمر به المحكمة. فمنذ إعلان خان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عزمه إصدار مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت، تعرضت المحكمة لحملة ضغوط وترهيب غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات صارمة على خان و11 قاضياً ومسؤولاً في المحكمة، شملت منعهم من دخول الولايات المتحدة وتجميد أصولهم.
وقبل أيام قليلة من التصويت على عزله، أطلق وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حملة دبلوماسية مكثفة دعا فيها إلى "تفكيك" المحكمة، ووصف مسؤوليها بأنهم "مجانين".
ودفعت هذه التطورات المتزامنة كثيراً من المراقبين إلى عدّ ملف "سوء السلوك" أداة سياسية استُخدمت لمعاقبة خان، وإرسال رسالة تحذير إلى أي مدعٍ عام مستقبلي من مغبة تجاوز ما يصفونه بـ"الخطوط الحمراء" التي تضعها الولايات المتحدة وإسرائيل.
توظيف واستغلال
احتفت تل أبيب بقرار إقالة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، فيما زعم وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن كريم خان سعى إلى إصدار مذكرتي اعتقال بحق قادة إسرائيليين لصرف الأنظار عن الاتهامات الموجهة إليه، وفق ادعائه.
وأضاف ساعر أن المذكرتين "مسيسّتان ومشينتان"، مدعياً أنه ما كان ينبغي للمحكمة إصدار أوامر اعتقال بحق مسؤولين في دولة ليست عضواً فيها، مطالباً بإلغائهما فوراً.
غير أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد أقرت سابقاً بأن اختصاصها الإقليمي في الحالة الفلسطينية يشمل الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وهي قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وذلك بعد انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي.
كما رفضت الدائرة التمهيدية الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 اعتراضات إسرائيل على اختصاص المحكمة، قبل إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت.
من جانبه، هاجم مندوب الاحتلال الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، عبر منصة "إكس"، المدعي العام المعزول، قائلاً: إن "ملاحقته السياسية لإسرائيل لم تنقذه من المحاسبة".
واستغل دانون القرار أيضاً لمهاجمة عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، قائلاً: "انتبه، استخدام إسرائيل كسلاح سياسي لن يحميك من المساءلة"، من دون أن يوضح طبيعة المساءلة التي يقصدها.
وجاءت تصريحاته بعد أيام من مطالبة ممداني الحكومة الأميركية بتنفيذ مذكرة اعتقال نتنياهو في حال زيارته نيويورك، رغم تأكيده أن سلطات المدينة لا تملك الصلاحية القانونية لاعتقاله.
وفي السياق ذاته، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول إسرائيلي قوله: إن ساعر والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية كثفوا خلال الأيام التي سبقت التصويت اتصالاتهم مع عدد من الدول، لحشد أكبر تأييد ممكن لقرار عزل كريم خان، أو دفع بعض الدول إلى الامتناع عن التصويت.
انسحاب فنزويلا
وبعد ساعات من إعلان عزل كريم خان، أعلن وزير الخارجية الفنزويلي، فيليكس بلاسينسيا، أن بلاده قررت الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. معزياً الخطوة إلى ما وصفه بـ"التحيز" الذي تنتهجه المحكمة.
وقال بلاسينسيا: إن كاراكاس أبلغت الأمم المتحدة بـ"قرارها الحازم وغير القابل للتراجع" بالانسحاب من المحكمة، مشيراً إلى أن الرئيسة بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي تولت السلطة عقب إطاحة القوات الأميركية بالرئيس نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني 2026، هي من وجّهت باتخاذ هذا القرار.
وأضاف أن فنزويلا ترى أن "تصرفات المحكمة تعكس تحيزاً جغرافياً واضحاً؛ إذ تركز بصورة غير متناسبة على دول إفريقيا وأميركا اللاتينية".
في المقابل، أكدت المحكمة الجنائية الدولية أنها لم تتلقَّ حتى الآن إخطاراً رسمياً بانسحاب فنزويلا.
وأعربت المحكمة عن أسفها “لأي قرار يقضي بالانسحاب من الجهد الجماعي الرامي إلى وضع حد للإفلات من العقاب على أخطر الجرائم الدولية”. موضحة أن الانسحاب الرسمي لا يصبح نافذاً إلا بعد مرور عام على تقديم الإخطار.
وتجري المحكمة التي تتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها، تحقيقاً في مزاعم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال حملات قمع الاحتجاجات التي شهدتها فنزويلا منذ عام 2014.
استنكار وتنديد
واستنكر ناشطون على منصات التواصل عزل خان، مؤكدين أن التوقيت الذي جاء بعد إصدارة مذكرات التوقيف بحق نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، يثبت وقوف مخابرات الاحتلال واللوبيات الصهيونية وراء تحريك وتلفيق القضية.
وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #كريم_خان، #الجنائية_الدولية، #نتنياهو، #غزة، وغيرها، أن الاتهامات بسوء السلوك الجنسي (التي ينفيها خان) مجرد ذريعة لعملية "اغتيال معنوي وسياسي" مدبرة، تقف خلفها ضغوط أميركية وإسرائيلية ولوبيات صهيونية ومخابرات الاحتلال.
وأوضحوا أن ذلك يستهدف إضعاف المحكمة الجنائية الدولية وإسكات أي محاسبة لجرائم الاحتلال، ورأوا في ذلك دليلاً على تسييس العدالة الدولية وازدواجية المعايير؛ حيث يُحمى مجرمو الحرب بينما يُطارد من يحاول محاسبتهم.
سقوط للعدالة
وعبر قطاع واسع من الناشطين عن إحباطهم الشديد وصدمتهم من رضوخ 82 دولة للضغوط الأميركية والإسرائيلية، مقدرين أن عزل خان يمثل "شهادة وفاة" للقانون الدولي والعدالة الإنسانية، ونهاية مصداقية المحكمة ودليل على سيطرة القوى الكبرى على المؤسسات الدولية.
وأشاروا إلى أن القوى الغربية أثبتت مجدداً حمايتها المطلقة للاحتلال وازدواجية معاييرها، مؤكدين أن "نظام روما الأساسي" بات يطبق فقط على دول العالم الثالث والقادة الأفارقة والروس، بينما تظل إسرائيل وحلفاؤها فوق أي محاسبة.
ثمن الموقف
وخصص ناشطون منشوراتهم للتعريف بكريم خان وسيرته، مع التركيز على شجاعته في إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو وآخرين بتهم جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، مؤكدين أنه يدفع ثمن مواقفه المناهضة للاحتلال والمناصرة للقضية الفلسطينية، وسط حملات الضغط والتهديدات الأميركية والإسرائيلية.
وأبرزوا سيرة كريم خان كمدعي عام شجاع للمحكمة الجنائية الدولية الذي تحول من مطارد لقادة مثل بوتين إلى هدف بعدما أصدر مذكرات توقيف بحق نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين بتهم الإبادة والجرائم في غزة، مؤكدين أن التهمة الموجهة له تم تلفيقها لعزلة كعقاب مباشر على جرأته في ملاحقة قادة الكيان وسعيه لإنصاف ضحايا قطاع غزة.
وأشار ناشطون إلى أن خان تلقى تهديدات صريحة من أعضاء في الكونغرس الأميركي، وعقوبات مالية وحظر سفر، وأنه "خسر كل شيء" لوقوفه على "الجانب الصحيح من التاريخ"، مقدرين عزله اليوم ثمناً باهظاً لمناصرته غزة وتحديه للاحتلال، مستنكرين نجاح الاحتلال في عزلة.
وكريم أسعد أحمد خان محامٍ بريطاني متخصص في القانون الجنائي الدولي وقانون حقوق الإنسان، ولد في 30 مارس 1970 في إدنبرة بأسكتلندا لعائلة مهاجرة من باكستان تنتمي إلى الطائفة الأحمدية.
وحصل على درجة البكالوريوس في القانون من كلية كينغز بلندن، وتابع دراساته العليا في جامعة أكسفورد وكامبريدج.
ويتمتع خان بخبرة تزيد عن 30 عاماً كمدعٍ ومحامٍ دفاع ومستشار للضحايا في محاكم دولية عديدة، مثل محاكم يوغوسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون ولبنان. وقد شغل منصب رئيس فريق تحقيق الأمم المتحدة لجرائم داعش في العراق (UNITAD) قبل انتخابه مدعيا عاما للمحكمة الجنائية الدولية.
وانتُخب خان مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) في فبراير 2021 وتولى المنصب رسمياً في يونيو من العام نفسه لمدة 9 سنوات، خلفاً لفاتو بنسودا.
واشتهر بتوجيه اتهامات ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب جرائم في أوكرانيا، وكذلك بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت (ومسؤولين في حماس) بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية محتملة في غزة.
عمل سابقاً مدعيا عاما للتاج في بريطانيا، ودافع عن متهمين بارزين مثل تشارلز تايلور ووليام روتو وسيف الإسلام القذافي.
وأثار عمل خان جدلاً دولياً كبيراً بسبب استقلاله؛ إذ واجه ضغوطاً وتهديدات وعقوبات أميركية بعد تحركه ضد مسؤولين إسرائيليين.


















