دخول باكستان لمعترك الوساطة لحل أزمة الفرقاء في ليبيا.. ما القصة؟

“نجاح باكستان في تقريب وجهات النظر سيعزز مكانتها كوسيط دولي”
يشهد الملف الليبي دينامية سياسية مستمرة، في ظل انخراط عدد من الدول الإقليمية والقوى الدولية في مساعٍ ووساطات تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، والوصول إلى تسوية تنهي حالة الانقسام وتعيد توحيد مؤسسات الدولة.
وفي هذا الصدد، انضمت باكستان إلى هذه الجهود، وهو ما كشفت عنه وكالة "رويترز" في 7 يوليو/تموز 2026، حيث قال مصدران باكستانيان: إن إسلام أباد بدأت التوسط بين الإدارتين المتنافستين في ليبيا التي تتمركز إحداهما في الغرب وهي الحكومة الشرعية والأخرى في الشرق.
وذكر المصدر أن هذا الجهد الباكستاني يأتي بعد أن تابع مراقبون على مدى أشهر مساعي تقودها الولايات المتحدة لإيجاد حل دبلوماسي في ليبيا منذ اندلاع الحرب الأهلية في السنوات التي أعقبت الانتفاضة الشعبية في 2011 وأطاحت بالراحل معمر القذافي.
ولعبت باكستان دورا محوريا آخر في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أشادت به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارا.
وقال أحد المصدرين الباكستانيين: إن الولايات المتحدة "على علم تام" بالجهود التي تبذلها إسلام آباد بشأن ليبيا.
وأوضحا أن هذه الجهود حظيت أيضا بدعم السعودية التي أبرمت عام 2025 اتفاق دفاع مشترك مع باكستان، وتسعى المملكة منذ فترة طويلة إلى أن يكون لها نفوذ في ليبيا.
وشددا على أن الجهود بدأت أواخر 2025 وأن الطرفين الليبيين طلبا مشاركة باكستان، لكن لم يتضح إلى أي مدى تنسق باكستان جهودها مع الأطراف المعنية الأخرى في المنطقة.

وضع التفاصيل
وأوضحت الوكالة أن نجاح أي خطة لتوحيد ليبيا سيحتاج إلى الموازنة بين مصالح متباينة للغاية لأطراف أجنبية وحل نزاعات تتعلق بالمناصب وقواعد الانتخابات وإيرادات النفط، وهي ملفات عرقلت محاولات سابقة للتوصل إلى تسوية.
ويحدد ملخص لمقترح خطة توحيد ليبيا، اطلعت عليه "رويترز"، فترة لترتيب تقاسم السلطة مدتها 36 شهرا، تحت مظلة هيئة تعرف باسم حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي.
ويؤسس هذا المقترح الذي أشار مصدر باكستاني إلى أنه ما يزال قيد المناقشة التفصيلية، لمرحلة انتقالية يتولى فيها رئيس "حكومة الوحدة الوطنية" الحالي، عبد الحميد الدبيبة.
ويسيطر المحيطون بخليفة حفتر، والد صدام والقائد العام للجيش الانقلابي، على العديد من أكبر حقول النفط والبنية التحتية الحيوية في ليبيا، وستمنحه الخطة المقترحة سلطة التحكم في الميزانية.
وذكر مصدر باكستاني أن إسلام أباد ستلعب "دورا نشطا لضمان استمرار وصمود هذا الترتيب بأكمله"، مشيرا إلى أن العمل "ما يزال جاريا على وضع التفاصيل".
وأوضح مصدران باكستانيان مطلعان أن قطر وكذلك تركيا، وهي من أكبر داعمي حكومة الوحدة الوطنية، كانتا من بين الأطراف التي شجعت باكستان على المشاركة في جهود الوساطة.
وكان قائد الجيش الباكستاني عاصم منير التقى في يونيو/حزيران 2026 بصدام حفتر في مدينة روالبندي، وهو لقاء أعقبته بعد أيام زيارة حفتر إلى واشنطن؛ حيث التقى بوزير الخارجية ماركو روبيو.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية حينها: إن روبيو رحّب بجهود القادة الليبيين لتجاوز الانقسامات، مجددا التأكيد على دعم الولايات المتحدة لوحدة ليبيا.
ورغم أن المحللين ينظرون إلى باكستان بصفتها "طرفا ثانويا" في ليبيا؛ حيث تتنافس الولايات المتحدة والإمارات وتركيا ومصر منذ سنوات على النفوذ، فإن إسلام آباد حافظت على علاقات مع الطرفين، وهي ميزة تفتقر إليها أطراف أخرى.
وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساما بين حكومتين متنافستين، الأولى "حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة الدبيبة في طرابلس، معترف بها دوليا، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من حفتر.
تحركات جدية
في قراءته لهذه المبادرة الجديدة، قال المحلل السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر: إن الحديث عن وجود مبادرة باكستانية في الملف الليبي لم يعد مجرد تسريبات أو تكهنات سياسية بل أصبح مؤشرا على وجود تحرك دبلوماسي حقيقي يستهدف استكشاف فرصة جديدة لكسر حالة الجمود التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وذكر الأصيفر لـ"الاستقلال" أن تفاصيل المبادرة قد لا تكون واضحة حتى الآن، لكن المؤكد أن دخول باكستان على خط الأزمة يعكس قناعة لدى عدد من الأطراف بأن المسارات التقليدية وصلت إلى مرحلة من الإنهاك، وأن البحث عن وسيط جديد أصبح خيارا مطروحا.
ورأى أن أهمية هذه المبادرة "لا تكمن في هوية الدولة التي تقودها بقدر ما تكمن في الظروف التي جاءت فيها".
ولفت إلى أن الملف الليبي شهد خلال الأعوام الماضية عددا كبيرا من المبادرات والمؤتمرات والحوارات، لكن معظمها تعثر لأن الخلاف لم يكن على شكل السلطة بقدر ما كان على النفوذ والضمانات وآليات تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
وعليه، يقول المحلل السياسي، قد تكون باكستان قادرة على لعب دور مختلف إذا نجحت في الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف واستثمرت علاقاتها الإقليمية والدولية لدفع الجميع نحو تسوية واقعية.
وشدد على أن عدم ارتباط باكستان المباشر بتاريخ الصراع الليبي قد يمنحها مساحة للتحرك لا تتوافر لوسطاء آخرين ارتبطت أسماؤهم بمواقف أو اصطفافات سابقة.
ومع ذلك، يستدرك الأصيفر، فإن التفاؤل وحده لا يكفي، فنجاح أي مبادرة سيظل مرهونا بمدى استعداد القوى الليبية لتقديم تنازلات متبادلة وبوجود توافق دولي يحمي أي اتفاق من الانهيار عند أول خلاف.
وأشار إلى أن "هذه هي العقدة التي واجهت كل المبادرات السابقة وليس نقص الأفكار أو غياب الوسطاء".

قراءة سياسية
أكد الإعلامي والمحلل السياسي إدريس احميد، أن الحديث عن دور باكستاني محتمل في الوساطة بين الأطراف الليبية يأتي في سياق تتواصل فيه الجهود الأميركية والأممية لإيجاد تسوية تنهي الانقسام وتوحد مؤسسات الدولة.
وشدد أحميد في تحليل نشره عبر موقع "ليبيا24" في 13 يوليو 2026، أن التحركات الحالية ما تزال في إطار الاتصالات واستكشاف فرص التقارب، دون الإعلان عن مسار تفاوضي رسمي.
وأشار إلى أن باكستان لم تكن طرفا مباشرا في الملف الليبي منذ عام 2011، إلا أنها حافظت على موقف يدعم وحدة ليبيا وسيادتها والحل السياسي، وهو ما قد يمنحها مساحة للتحرك كوسيط يحظى بقدر من القبول لدى مختلف الأطراف.
وذكر أنه لا يمكن النظر إلى باكستان بصفتها دولة هامشية، فهي قوة نووية، وتمتلك مؤسسة عسكرية وأجهزة أمنية ذات خبرة واسعة، كما ترتبط بعلاقات متوازنة مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، الأمر الذي يمنحها قدرة على التواصل مع أطراف مختلفة في الأزمات الدولية.
والأقرب إلى الواقع، يقول احميد إن أي دور لباكستان سيكون أكثر فاعلية إذا جاء مكملا للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار والحفاظ على وحدة ليبيا، وليس منافسا لها.
واسترسل: "خاصة أن الأزمة الليبية أصبحت جزءا من توازنات إقليمية ودولية معقدة، وأن أي مبادرة جديدة تحتاج إلى الانسجام مع المسارات القائمة بدلا من خلق مسارات موازية قد تزيد المشهد تعقيدا".
وأبرز المحلل السياسي أن نجاح باكستان في الإسهام بتقريب وجهات النظر بين الليبيين سيعزز مكانتها كوسيط دولي، وسيؤكد أن القوى الإقليمية الصاعدة أصبحت قادرة على أداء أدوار مؤثرة في دعم الاستقرار.
وأردف، كما أن علاقاتها المتوازنة مع عدد من الدول، وانتماءها إلى العالم الإسلامي، قد يمنحانها مساحة من الثقة، شريطة أن تلتزم باحترام سيادة ليبيا، وأن تجعل المصلحة الوطنية الليبية أساسا لأي تحرك.
أفق مستقبلي
من جهته، يرى رئيس حزب "التجديد" الليبي، سليمان البيوضي، أن "التحرك الباكستاني جاء لإنقاذ المبادرة الأميركية التي تم الإعلان عنها لحل الأزمة الليبية".
وذكر البيوضي لموقع "أخبار ليبيا" في 12 يوليو، أن الاستعانة بثقل إقليمي مثل باكستان جاءت لتدارك الموقف بعد تنامي الرفض الشعبي والمجتمعي للمبادرة، رغم ما رافقها من ضغوط وحملات ترويج.
واستبعد استمرار باكستان في مهمة الوساطة في ليبيا، مرجعا ذلك إلى "تعقيدات الأزمة، والرفض الواسع الذي واجهته تحركات مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس في الغرب الليبي، لا سيما طرابلس ومصراتة".
وتقوم "المبادرة الأميركية" على توحيد المؤسسات والتمهيد للانتخابات، وسط تسريبات بشأن منح صدام حفتر، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مقابل بقاء الدبيبة رئيسا لحكومة موحدة، وهو ما أثار رفض البعض لها، ووصفها بأنها صفقة لـ"تقاسم السلطة".
على المستوى المنظور، أكد المحلل السياسي الأصيفر، أن فرص نجاح المبادرة الباكستانية “موجودة لكنها ليست مضمونة”.
وشدد الأصيفر لـ"الاستقلال" على أن باكستان إذا استطاعت أن تبني أرضية مشتركة بين الأطراف الليبية وتوفر ضمانات حقيقية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه فقد تشكل بداية لمسار سياسي جديد.
واستدرك: “أما إذا اقتصرت على تقريب وجهات النظر دون معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة فإنها ستواجه المصير نفسه الذي واجهته مبادرات كثيرة سبقتها”.
وتابع: "في النهاية لا أعتقد أن ليبيا تحتاج إلى وسيط جديد بقدر ما تحتاج إلى توافق ليبي حقيقي، فالوسيط يستطيع أن يقرب المسافات وأن يقدم الضمانات وأن يسهل الحوار لكنه لا يستطيع أن يصنع إرادة سياسية غائبة".
ولهذا، يقول الأصيفر، فإن "نجاح المبادرة سيقاس بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية على الأرض وليس بعدد الاجتماعات أو البيانات التي ستصدر عنها".


















