أسقف مهددة تقتل ساكنيها.. لماذا يعيش آلاف الغزيين في بيوت آيلة للسقوط؟

76 بالمئة من الوحدات السكنية في قطاع غزة تعرضت للضرر أو التدمير
يمتد الخطر الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي على غزة إلى المباني التي بَقِيت واقفة بعد القصف، بعد أن عادت آلاف الأسر إلى بيوت فقدت جدرانها وأسقفها، فيما قدّرت وزارة الأشغال العامة والإسكان في 19 سبتمبر/أيلول 2026 عدد المنشآت التي تحتاج إلى تدخل عاجل بأكثر من 3 آلاف مبنى.
وجاء انهيار عمارة السعادة في مدينة غزة في 16 سبتمبر ليكشف الكلفة المباشرة لهذا الخطر؛ إذ كانت العائلات التي تقيم فيها تعرف أن المبنى متضرر لكنها بقيت بعدما ضاقت أمامها بدائل الإيواء، قبل أن ينهار ويستشهد 21 فلسطينيًا.
وبعد يومين انهار سقف مبنى آخر عقب مطر قصير وأصيب أربعة أطفال، بينما يقترب موسم الأمطار وآلاف المباني تحتاج إلى فحص أو تدعيم أو هدم، وسط نقص حاد في المأوى والمعدات ومواد الإصلاح التي يحتاجها القطاع لمواجهة الدمار الذي خلّفه الاحتلال.

آلاف المباني متضررة
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، خلال تقرير نشره في 4 سبتمبر بأن منظمتين شريكتين في قطاع المأوى أجرتا منذ يناير/كانون الثاني فحصًا ميدانيًا تفصيليًا لـ38,240 مبنى تضم 178,632 وحدة سكنية.
وصُنفت 70,691 وحدة، أي 40 بالمئة، على أنها قابلة للسكن أو ذات ضرر طفيف إلى متوسط، فيما كانت 107,941 وحدة، أي 60 بالمئة، شديدة الضرر أو مدمرة أو غير صالحة للسكن لأسباب أخرى.
ويقدّر تقرير أصدره "تجمع المأوى"، إطار تنسيق الجهات الإنسانية العاملة في الإيواء، بالتعاون مع المجلس النرويجي للاجئين، عدد الوحدات السكنية المتضررة بنحو 320,181 وحدة تمس حياة قرابة 1.7 مليون شخص.
فيما قدّر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026 أن 76 بالمئة من الوحدات السكنية في القطاع تعرضت للضرر أو التدمير.
ونهاية 2025، أطلقت نقابة المهندسين في قطاع غزة مبادرة تتيح للسكان طلب فحص منازلهم المتضررة، على أن تزورها طواقم تضم مهندسين وأصحاب اختصاصات مختلفة لمعاينة المبنى وتقييم سلامته ثم تقديم توصية فنية لأصحابه، مع استهداف الأسر التي تعجز عن تحمل تكلفة مهندس خاص.
وفي تقييم ميداني أجراه تجمع المأوى ونشر نتائجه في أغسطس/آب، شارك مهندسون إنشائيون إلى جانب الباحثين في تقييم حالة المآوى ضمن عينة شملت 1,951 أسرة في شمال القطاع ومدينة غزة ودير البلح وخان يونس.
وصُنفت حالة المباني بين غياب الضرر والضرر الطفيف والمتوسط والشديد والانهيار الجزئي، بعد تدريب الباحثين وإخضاع العمل لإشراف ميداني ومراجعة يومية.
وتتولى نقابة المهندسين معاينات فنية للمنازل، فيما تحصر وزارة الأشغال المنشآت الأعلى خطورة التي تحتاج إلى تدخل عاجل. وبقيت آلية التصنيف موزعة بين هذه المسارات من دون بروتوكول فلسطيني موحد يحدد بمعايير رقمية قرار السكن أو التدعيم أو الإخلاء أو الهدم.
ويرتبط الحكم الهندسي بدرجة الضرر الذي وصل إلى العناصر الحاملة؛ إذ قال مدير شركة “إتقان للاستشارات الهندسية” المهندس سامر فرج: إن معاينات ميدانية بغزة رصدت تصدعات في الأساسات والجدران الحاملة وفقدان أجزاء من الأسقف وعناصر خرسانية معلقة وأضرارًا في الدعم الهيكلي الأساسي.
وأوضح لموقع "حفريات" العربي أن بعض المباني يمكن تثبيتها سريعًا ثم إصلاح عناصرها الحاملة، فيما يصل التلف في مبانٍ أخرى إلى درجة تستدعي الهدم الآمن. وقدّر أن ما بين 60 و70 بالمئة من المباني التي يصنفها ضمن فئة "المباني الخطرة" تحتاج إلى هدم.
وبعد انهيار عمارة السعادة، قال عضو مجلس إدارة هيئة المكاتب والشركات الهندسية الفلسطينية المهندس عبد الله ثابت: إن حديد التسليح المكشوف والجدران أو الواجهات المائلة والعناصر المعلقة والأضرار المحيطة بالأساسات تعد من أبرز إشارات الخطر.
ودعا إلى تشكيل فرق هندسية طارئة لمسح الأبنية وتصنيفها بحسب درجة الخطورة، مع تدعيم الحالات الممكنة بدعامات فولاذية أو خشبية ووضع إشارات تحذير ومنطقة عازلة حول المنشآت شديدة الخطورة.

لماذا يقيمون فيها؟
في وسط قطاع غزة، عاد أبو مازن الأشقر مع زوجته وأطفاله إلى منزلهم المتضرر بعدما أنهكهم النزوح، ويقول لـ"الاستقلال" إن مهندسًا عاين المبنى وحذر الأسرة من حالته بعدما لحقت أضرار بالأعمدة والسقف وظهر ميل في أرضية المنزل.
ويضيف أن أفراد الأسرة يستطيعون ملاحظة الميل عندما ينسكب الماء على الأرض ويتحرك باتجاه واحد، فيما يتسرب المطر من السقف وتبقى الشقوق ظاهرة في الجدران والعناصر الخرسانية.
ويوضح أبو مازن أن الأسرة جمعت حجارة من محيط المنزل واستخدمت ألواح الزينكو والشوادر والستائر لإغلاق الفراغات وإعادة جزء من البيت إلى حالة تسمح بالسكن، بينما بقي إصلاح الأعمدة والسقف خارج قدرتها المالية.
ولفت إلى أن العودة إلى الخيمة تعني الدخول في دورة نزوح جديدة، فيما لا يستطيع دفع إيجار منزل آخر، لذلك بقي مع أسرته داخل المبنى رغم معرفته بالخطر، على أمل إصلاحه أو الحصول على مأوى أكثر أمانًا.
وتتخذ أسر كثيرة قرار العودة بعد 3 سنوات من النزوح المتكرر، فقد وجد مسح تجمع المأوى والمجلس النرويجي للاجئين، أن 77 بالمئة ممن شملهم ظلوا نازحين، فيما عاد 22 بالمئة بعد النزوح، وقال 45 بالمئة: إنهم اضطروا إلى النزوح سبع مرات أو أكثر.
كما يحتاج نحو 1.98 مليون شخص، أي قرابة 94 بالمئة من سكان غزة، إلى دعم في المأوى والمواد المنزلية الأساسية، فيما تتعقد العودة إلى مأوى آخر بسبب كلفة إصلاح البيت وشح البدائل؛ إذ قال 71 بالمئة من الأسر المقيمة في مبان متضررة: إنها عاجزة عن تحمل تكلفة المواد اللازمة للإصلاح، بينما كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح يعيش في خيام أو منشآت مرتجلة، وأكثر من نصف مستخدمي الخيام أمضوا في الخيمة نفسها أكثر من عام.
وقالت المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين “شاينا لو”: إن بعض السكان يتمسكون بالمباني الخطرة؛ لأن الخيمة قد تكون خيارًا أسوأ، في ظل نقص مستلزمات الإيواء ودخولها بكميات تقل عن حجم الاحتياج.
وتحمل الخيمة نفسها مخاطرها مع الشتاء؛ فقد أبلغ 54 بالمئة من الأسر التي شملها المسح عن تسرب مياه الأمطار إلى المأوى، وقال 71 بالمئة إنها تعرضت للفيضانات منذ الشتاء السابق، فيما أوضحت أكثر من نصف الأسر التي تضررت من الفيضانات أن المياه ألحقت أضرارًا إضافية بمأواها.
ومع تآكل الخيام بفعل الشمس والرياح والأمطار وطول استخدامها، تصبح العودة إلى جدران متصدعة بالنسبة إلى بعض الأسر وسيلة لاستعادة سقف وخصوصية ومكان ثابت بعد شهور من النزوح.
ووصلت أزمة غياب القدرة المالية إلى نهايتها الأكثر قسوة في عمارة السعادة؛ حيث كانت نحو ست أسر نازحة تقيم داخل المبنى مع معرفتها بعدم استقرار هيكله.
وقال عبود مجدلاوي، أحد عناصر الدفاع المدني الفلسطيني المشاركين في الإنقاذ، لـ"أسوشيتد برس": إن غياب الخيارات والبدائل أبقى السكان داخله، فيما قال الناجي نادر العجلة: إن عائلته انتقلت إلى المبنى بعدما عجزت عن العثور على مأوى آخر، ثم وجد بعد الانهيار أفرادًا من عائلته بين الركام.
وعملت فرق الدفاع المدني وسط نقص في الحفارات والوقود، واضطر بعض المنقذين إلى الحفر بأيديهم للوصول إلى العالقين.

المعاناة مع الشتاء
سجل الشتاء السابق سلسلة انهيارات في مبان سبق أن تضررت، ففي 14 يناير 2026 قال مكتب "أوتشا": إن 25 شخصًا بينهم أطفال، استشهدوا منذ منتصف ديسمبر نتيجة انهيار مبانٍ مرتبطة بالأحوال الجوية.
وكان مبنى من أربعة طوابق في مخيم المغازي قد انهار في 5 يناير واستشهد رجل وابنه البالغ ثماني سنوات وأصيب خمسة آخرون. وبحلول 13 يناير كان تجمع المأوى قد حدد 67 مبنى مأهولًا معرضًا للانهيار في مدينة غزة، فيما تعثر إجلاء سكانها بسبب غياب أماكن بديلة آمنة يمكن نقلهم إليها.
وفي 18 سبتمبر، بعد يومين من انهيار عمارة السعادة، أعقب مطر قصير انهيار سقف في مبنى بمدينة غزة وإصابة أربعة أطفال، فيما تصاعدت التحذيرات من تأثير موسم المطر في المباني التي أضعفها القصف.
وفي تقرير نشره "أوتشا" في 11 سبتمبر، قالت الجهات الإنسانية: إن نقص التمويل والمواد والمعدات يعرقل تحسين تصريف المياه وتدعيم المآوي وصيانة الممرات.
ووصل شح المواد إلى إعادة استخدام منصات خشبية وأكياس دقيق فارغة معبأة بالرمل للحد من أضرار الفيضانات، فيما يدخل القطاع موسمًا جديدًا بعد شتاء تعرض فيه 71 بالمئة من الأسر التي شملها مسح “تجمع المأوى” للفيضانات، وأبلغ 54 بالمئة منها عن تسرب مياه الأمطار إلى أماكنهم.
وتواجه عمليات التدعيم والهدم عجزًا كبيرًا في المعدات؛ إذ قال المهندس عادل أبو حماد، من شركة "فريد بارود–كيان للمقاولات" العاملة في قطاع المقاولات بغزة: إن شركته تلقت فجرًا طلبًا عاجلًا من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لنقل معدات من خان يونس إلى موقع انهيار عمارة السعادة.
لكن الوصول استلزم فتح الطرق المملوءة بالركام، ولم يكن يعمل في الموقع حتى الفجر سوى حفارتين ثقيلتين تقريبًا، فيما عرقلت ندرة ناقلات المعدات وصول آليات إضافية.
وقال عضو مجلس إدارة اتحاد المقاولين الفلسطينيين في غزة المهندس عارف أبو عودة: إنّ الآليات المتبقية تعاني نقص زيوت المحركات وقطع الغيار والإطارات، ما أخرج معدات عدد من المقاولين من الخدمة.
وقدر الاتحاد أن معالجة المخاطر وإزالة الركام بوتيرة فعالة خلال نحو عامين تحتاج إلى قرابة مئة حفارة، وما بين 200 و250 جرافة تحميل، وما بين 400 و500 شاحنة.
وقالت رئيسة فريق إعادة إعمار غزة في وزارة الأشغال العامة والإسكان رقية أبو الرب: إن كفاءة تشغيل المعدات المتاحة انخفضت بأكثر من 55 بالمئة نتيجة الاستهلاك ونقص الصيانة والزيوت وقطع الغيار، مع الحاجة إلى معدات الهدم الدقيق للمباني المرتفعة والمطارق والمقصات الهيدروليكية.
وتزيد قيود الاحتلال على إدخال المواد والمستلزمات من صعوبة تجهيز المساكن قبل الشتاء؛ إذ أعادت المنظمة الدولية للهجرة في سبتمبر 2026 تقديم طلب لإدخال نحو 37 ألف قطعة من الأخشاب و660 مجموعة مأوى طارئ بعدما رفضت سلطات الاحتلال الطلب مرتين “لأسباب أمنية”.
وبين مطلع مارس/آذار و11 سبتمبر صدرت موافقات إسرائيلية على 13,445 لترًا من زيوت المحركات، بينما بقي 92,778 لترًا في انتظار الموافقة ودخل فعليًا 12,175 لترًا، وهي مواد تحتاجها المركبات والآليات الثقيلة العاملة في إزالة الركام وفتح الطرق.
وسجل الدفاع المدني الفلسطيني ووزارة الأشغال والمنظمات الإنسانية نقصًا في الحفارات والوقود ومواد التدعيم وقطع الغيار، وتراجعت قدرة المعدات الموجودة على العمل بفعل الدمار الواسع والحصار الإسرائيلي ونقص مستلزمات الصيانة.
المصادر
- War-damaged Gaza building collapses, killing 20 people sheltering inside
- Rescue efforts end after 21 die in collapse of bomb-damaged building in Gaza; 45 saved from rubble
- بيان صادر عن الدكتور رميز ألاكباروف، المنسق الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلّة، بشأن انهيار مبنى في غزة
- Shelter Severity and Household Needs Across Accessible Areas of Gaza
- Gaza: 94 per cent of households in need of shelter aid
- Fatal building collapse highlights dangers plaguing Gaza nearly a year after ceasefire
- تقرير الحالة الإنسانية | 11 أيلول/سبتمبر 2026


















