بين كأس العالم وفلسطين.. كيف صنعت السياسة نهائي مونديال 2026؟

شدوى الصلاح | منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

لم يكن تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي يضاف إلى سجله التاريخي، بل حمل أبعاداً تجاوزت حدود المنافسة الكروية، بعدما تداخل الأداء الرياضي مع السياقات السياسية التي أحاطت بالبطولة منذ أيامها الأخيرة.

فقد نجح المنتخب الإسباني في حسم النهائي أمام نظيره الأرجنتيني بهدف دون رد بعد شوطين إضافيين، في مباراة اتسمت بالانضباط التكتيكي والندّية العالية، ليحصد لقبه العالمي الثاني بعد تتويجه الأول في جنوب إفريقيا عام 2010.

وجاء هدف المباراة الوحيد ليمنح "لا روخا" لقباً طال انتظاره، ويؤكد عودة المدرسة الإسبانية إلى قمة كرة القدم العالمية بعد سنوات من إعادة البناء وتجديد الدماء، مع اعتمادها على جيل يجمع بين الخبرة والشباب، ويتميز بالاستحواذ المنظم والضغط العالي والمرونة التكتيكية.

وأعقب صافرة النهاية مشهد التتويج الرسمي الذي شهد تسليم الرئيس الأميركي دونالد ترامب كأس البطولة إلى قائد المنتخب الإسباني، وهو مشهد لم يمر مروراً عادياً على منصات التواصل الاجتماعي، إذ عده كثيرون امتداداً للبعد السياسي الذي رافق البطولة، في ظل التوترات الدولية التي تزامنت مع إقامة المونديال، وما أثارته مشاركة عدد من القادة والمسؤولين في مراسم الختام من قراءات سياسية وإعلامية متباينة.

وفي الداخل الإسباني، تحولت لحظات التتويج إلى احتفالات شعبية واسعة عمت مدريد ومدناً أخرى؛ حيث خرج آلاف المشجعين إلى الساحات والشوارع للاحتفال بالإنجاز، فيما تصدرت صور اللاعبين وعبارات الفخر والتهنئة المنصات الرقمية، لتختلط مشاعر الانتصار الرياضي بإشادات واسعة بما عده كثيرون نجاحاً لإسبانيا في تقديم صورة متكاملة تجمع بين الإنجاز الرياضي والحضور السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية.

ولم يقتصر التفوق الإسباني على إحراز اللقب، بل امتد إلى الجوائز الفردية، بعدما فرض المنتخب هيمنته على أبرز الجوائز التي يمنحها الاتحاد الدولي لكرة القدم، في مؤشر يعكس تميز الأداء الجماعي والفردي طوال مشوار البطولة. 

فقد توج قائد المنتخب رودري بجائزة أفضل لاعب، بينما نال الحارس أوناي سيمون جائزة أفضل حارس، وحصل المدافع الشاب باو كوبارسي على جائزة أفضل لاعب واعد، ليختتم المنتخب الإسباني بطولة استثنائية جمع فيها بين الكأس والتفوق الفني والفردي.

قوة ناعمة

لم تعد البطولات الرياضية الكبرى مجرد منافسات لحصد الألقاب، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي توظفها الدول لتعزيز صورتها الدولية، وصياغة انطباعات الرأي العام العالمي عنها.

فالمباريات النهائية التي يتابعها مئات الملايين لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الإنجاز الرياضي، وإنما باتت تمثّل منصة عالمية تتقاطع فيها السياسة والإعلام والدبلوماسية والثقافة، وهو ما جعل كأس العالم يتجاوز منذ سنوات وظيفته الرياضية التقليدية ليغدو حدثاً سياسياً وإعلامياً بامتياز.

وفي مونديال 2026، بدا هذا التحول أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، بعدما تزامنت البطولة مع أزمات دولية متلاحقة، كان أبرزها الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات المتزايدة بين القوى الكبرى، والانقسامات داخل المعسكر الغربي بشأن عدد من الملفات الدولية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المزاج الشعبي تجاه المنتخبات المشاركة، وعلى طبيعة التفاعل الجماهيري مع المباريات.

ولذلك لم يكن التعاطف الشعبي مع المنتخب الإسباني، في قطاعات واسعة من العالم العربي والإسلامي، قائماً على التقديرات الفنية وحدها، بقدر ما ارتبط بالصورة السياسية التي رسمتها مدريد لنفسها خلال الأشهر الماضية، بعدما تبنت مواقف أكثر وضوحا في انتقاد الحرب على غزة، ودعت إلى احترام القانون الدولي، وساندت بصورة علنية جهود الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي مواقف منحتها زخماً شعبياً تجاوز حدود القارة الأوروبية.

وفي المقابل، لم تستطع الأرجنتين عزل منتخبها الوطني عن الجدل السياسي الذي رافق الدعم الذي تلقاه من شخصيات إسرائيلية بارزة، الأمر الذي دفع جزءاً من الرأي العام إلى التعامل مع النهائي باعتباره مواجهة رمزية بين صورتين سياسيتين، وليس فقط بين مدرستين كرويتين.

وتعكس هذه الظاهرة اتجاهاً متنامياً في العلاقات الدولية، يتمثل في تراجع قدرة الحكومات على الفصل بين سياساتها الخارجية وصورتها لدى الشعوب، بعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تنقل المواقف السياسية بصورة لحظية إلى مئات الملايين، وتربط بينها وبين كل ما يمثل الدولة، بما في ذلك منتخباتها الوطنية ورياضييها ومؤسساتها الثقافية.

وسائل التواصل... اللاعب رقم 12

ولعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل هذا المشهد، بعدما تحولت إلى ساحة موازية للمباراة، بل ربما أكثر تأثيراً من أرض الملعب نفسها. فقبل ساعات من النهائي، تصدرت وسوم مرتبطة بإسبانيا والأرجنتين وفلسطين وغزة وإسرائيل قوائم التداول في عشرات الدول، بينما تجاوز النقاش حدود الأداء الفني ليتركز على مواقف الحكومات والتحالفات الدولية.

ولم يكن لافتاً حجم التفاعل فحسب، وإنما طبيعة الخطاب المتداول؛ إذ انقسم المستخدمون بين من رأى أن دعم منتخب معين يمثل تعبيراً عن موقف أخلاقي، ومن رأى أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن الحسابات السياسية. غير أن الحجم الكبير للمشاركات والتعليقات أظهر أن هذا الفصل أصبح أكثر صعوبة في عصر الإعلام الرقمي، الذي جعل كل حدث عالمي مرتبطاً تلقائياً بالسياقات السياسية المحيطة به.

كما أسهمت المنصات الرقمية في إعادة تشكيل مفهوم "الجمهور الرياضي"، فلم يعد التشجيع مقتصراً على الانتماء الوطني أو الإعجاب بالنجوم، بل بات كثير من المتابعين يحددون مواقفهم وفق تقديرات سياسية أو إنسانية، وهو ما ظهر في الانتشار الواسع للرسائل التي ربطت بين دعم إسبانيا ومواقف حكومتها، وبين انتقاد بعض السياسات المرتبطة بالأرجنتين وحلفائها السياسيين.

ويؤكد ذلك أن وسائل التواصل لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث، وإنما أصبحت فاعلاً رئيساً في تشكيل الرأي العام العالمي، وصناعة السرديات السياسية الموازية للأحداث الرياضية، بما يمنح البطولات الكبرى بعداً يتجاوز كثيراً حدود المنافسة التقليدية.

تعاطف شعبي

لم يأتِ التعاطف الشعبي الواسع مع المنتخب الإسباني من فراغ، بل ارتبط بصورة مباشرة بالمواقف التي تبنتها الحكومة الإسبانية خلال الأشهر الأخيرة، والتي عدها كثيرون من أكثر المواقف الأوروبية تقدماً تجاه القضايا الإنسانية، وفي مقدمتها الحرب على قطاع غزة.

فقد تبنت مدريد خطاباً سياسياً أكثر وضوحاً مقارنة بعدد من العواصم الغربية، داعية إلى وقف الحرب، ومطالبة باحترام القانون الدولي، وهو ما منحها حضوراً مختلفاً في الوعي الشعبي العربي والإسلامي.

ومع انتقال هذا المزاج إلى أجواء كأس العالم، وجد كثير من المتابعين أنفسهم يشجعون المنتخب الإسباني بصفته ممثلاً لدولة اتخذت مواقف أكثر انسجاماً مع تطلعاتهم، وليس فقط بسبب مستواه الفني.

ويرى مراقبون أن هذا التفاعل يكشف مدى تأثير السياسة الخارجية في تشكيل الصورة الذهنية للدول، حتى في المجالات التي يفترض أنها بعيدة عن السياسة، مثل الرياضة والثقافة والفنون.

كما يعكس تنامي تأثير ما يعرف بـ"القوة الناعمة"؛ حيث لم تعد القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها هي التي تحدد مكانة الدول، بل أصبحت المواقف السياسية والإنسانية عاملاً أساسياً في بناء صورتها لدى الرأي العام العالمي.

الرياضة والسياسة

ورغم أن الجدل الذي رافق نهائي مونديال 2026 بدا استثنائياً، فإن العلاقة بين كرة القدم والسياسة ليست جديدة، بل تمتد لعقود طويلة؛ فقد ارتبطت بطولة كأس العالم في مناسبات عديدة بالسياقات السياسية التي كانت تمر بها الدول المستضيفة أو المنتخبات المشاركة.

ويستحضر كثير من الباحثين كأس العالم 1978 في الأرجنتين الذي أقيم في ظل الحكم العسكري، عندما حاولت السلطة آنذاك توظيف البطولة لتحسين صورتها الخارجية. كما شكل مونديال جنوب إفريقيا عام 2010 مناسبة لتقديم نموذج الدولة الخارجة من إرث الفصل العنصري، فيما تحول مونديال قطر 2022 إلى منصة عالمية للنقاش حول الهوية والثقافة وحقوق الإنسان، إلى جانب المنافسة الرياضية.

أما نسخة 2026، فقد أضافت بعداً جديداً لهذا المسار؛ إذ لم تعد الحكومات وحدها هي من يوظف الرياضة، بل أصبحت الشعوب نفسها تستخدم البطولات الكبرى للتعبير عن مواقفها السياسية والأخلاقية، مستفيدة من الفضاء الرقمي الذي أتاح لها التأثير في النقاش العالمي بصورة غير مسبوقة.

ورأى ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي أن فوز إسبانيا على الأرجنتين في نهائي كأس العالم 2026 لم يكن مجرد حدث رياضي، بل تحول إلى رمز سياسي وإنساني، واصفين الفوز بأنه "نصر" أخلاقي و"بشارة" للقضية الفلسطينية، ويعكس وقوف الشعوب مع "الحق" ضد "الظلم".

وربطوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #كاس_العالم_٢٠٢٦، #الارجنتين_إسبانيا، #إسبانيا، وغيرها الفرحة الكروية بمواقف إسبانيا المؤيدة لفلسطين وغزة (مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانتقاد الاحتلال).

وتداولوا صورا ومقاطع فيديو لاحتفالات في غزة والضفة بفوز إسبانيا برفع علم فلسطين، مع تعليقات ترى في النتيجة "هزيمة" للتحالف "الصهيوني-الأرجنتيني" وتأكيداً على أن فلسطين لا تزال في وجدان الشعوب رغم كل الضغوط. 

وأكد ناشطون أن المباراة تجاوزت الرياضة لتصبح "معركة ضمير" عالمية؛ حيث شجع ملايين العرب والمسلمين إسبانيا كرمز للوقوف مع غزة، وربطوا الفرحة بـ"شماتة" في خسارة من يُرتبطون بدعم الاحتلال، كما أبرزوا رفع علم فلسطين في الاحتفالات الإسبانية كدليل على التضامن الحقيقي. 

مواجهة سياسية

ورأى ناشطون فوز إسبانيا "انتصاراً رمزياً" أو "نكاية" في رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته، مقدرين أن المباراة تحولت إلى مواجهة سياسية بسبب تصريحاته.

وكتب البعض عبارات توضح ذلك، منها مبروك إسبانيا نكاية في نتنياهو" أو "خيبة أمل نتنياهو تسعدنا"، عادّين الخسارة "لعنة" أو "غيظاً" للاحتلال الإسرائيلي وتنغيصا على كيان العدوان ودليلا على عزلة تل أبيب.

وأشاروا إلى أن نتنياهو حوّل الرياضة إلى سياسة، فأصبح التشجيع واجباً ضد "الصهيونية" أو "الشيطان"، خاصة مع ذكر لاعبين أو رموز، لافتين إلى أن فوز إسبانيا يعكس "عدلاً إلهياً" أو توازناً ضد "الظلم". 

وكان نتنياهو قد التقى بسفير الأرجنتين في إسرائيل (الحاخام شمعون أكسل وانيش) قبل المباراة النهائية، حيث تلقى قميصاً أرجنتينياً وكرة، وأعلن صراحة دعمه للأرجنتين. 

وقال إنه يريد فوز الأرجنتين، وذكر علاقته الجيدة مع الرئيس خافيير ميلي، وأشار إلى أن معظم الإسرائيليين يشجعون الأرجنتين، كما أجرى اتصالاً مع ميلي حول المباراة. 

وأعرب بعض المسؤولين الإسرائيليين الآخرين مثل وزير الأمن القومي لدى الاحتلال إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعمهم العلني للأرجنتين أيضاً، مما حوّل المباراة إلى رمز سياسي لدى الكثيرين.

فرحة غزة

وربط ناشطون بين فوز إسبانيا بكأس العالم 2026 ضد الأرجنتين بتوترات سياسية حادة بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ودونالد ترامب؛ إذ ركزوا على الجانب الرمزي: ترامب يُضطر لتسليم الكأس (أو الحضور) لسانشيز رغم خلافاتهما، عادين ذلك "إذلالاً" أو "انتقاماً إلهياً" أو بشارة سياسية. 

وأبرزوا مواقف إسبانيا الداعمة لفلسطين وغزة (وصف الحرب الإسرائيلية على القطاع بـ"إبادة جماعية")، رفض استخدام القواعد العسكرية الإسبانية لضرب إيران، وانتقادات ترامب لإنفاق إسبانيا العسكري في الناتو. 

ووصف ناشطون الفوز بأنه "هزيمة" لترامب أمام "عدوه السياسي" سانشيز الذي انتقد حروب ترامب (خاصة على إيران) ودعم القضية الفلسطينية، ورأوا في تسليم الكأس من ترامب للاعبين الإسبان (الذين تجاهلوه جزئياً) دليلاً على "ذل" الرئيس الأميركي رغم قوته. 

تجاهل ترامب

وركز ناشطون بشكل أساسي على رفض اللاعبين الإسبانيين (خاصة بورخا إيجليسياس) لمصافحة ترامب أو تجاهلهم السريع له، عادين ذلك تعبيراً عن موقف سياسي وأخلاقي، خاصة بسبب تصريحات اللاعب بورخا إيجليسياس السابقة التي أعرب فيها عن عدم ارتياحه للمصافحة وتمنيه أن تمر بسرعة حتى ينساها. 

كما أبرزوا صيحات الاستهجان من الجماهير، ومحاولة ترامب البقاء في الصورة أثناء رفع الكأس (مع تدخل إنفانتينو لإبعاده)، وربطوا ذلك بدعم إسبانيا للقضية الفلسطينية ومعاداتها لسياسات ترامب، فوصفوا المشهد بـ"الإذلال" أو "الانتصار الأخلاقي" لإسبانيا، مع عبارات مثل "#شكرا_إسبانيا" ومدح اللاعبين كـ"شجعان" يرفضون الظهور معه. 

قوة ناعمة

واتفق خبراء وباحثون على أن هذا الفوز ليس مجرد إنجاز رياضي، بل يحمل دلالات سياسية أوسع حول قوة الدبلوماسية الشعبية، تأثير وسائل التواصل في تشكيل الرأي العام، وكيف أصبحت الرياضة أداة ناعمة في الصراعات الدولية.