من سوريا إلى إيران.. كيف تعيد روسيا صياغة دورها في الشرق الأوسط؟

"هذا التحول لا يعكس انسحابا كاملا لروسيا من الشرق الأوسط بقدر ما يعبر عن إعادة تعريف الأولويات الجيوسياسية للكرملين"
أفضت التطورات الجيوسياسية خلال العامين الماضيين إلى تحول لافت في السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط، لتدخل بحسب وصف موقع "الدبلوماسية الإيرانية" مرحلة من الغموض والتحول.
فقد فرض سقوط بشار الأسد في دمشق، وتراجع النفوذ الإقليمي لإيران، واستمرار الحرب في أوكرانيا؛ مجموعة من الضغوط المتزامنة والمتناقضة على الكرملين، الأمر الذي "أدى إلى تغيير واضح في نمط الحضور الروسي في الشرق الأوسط".
وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تدخلا عسكريا روسيا مباشرا في سوريا، عكس رغبة موسكو في استعادة موقعها كقوة كبرى، فإن يقدر أن "ملامح سياسة أكثر حذرا وأقل كلفة، تقوم على إدارة الأزمات، باتت اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى".
مع ذلك، يشدد الموقع على أن "هذا التحول لا يعكس انسحابا كاملا لروسيا من الشرق الأوسط بقدر ما يعبر عن إعادة تعريف الأولويات الجيوسياسية للكرملين في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والضغوط الهائلة الناجمة عن العقوبات الغربية".

ترتيب قسري
في هذا السياق، يرى التقرير أن "الحرب في أوكرانيا تمثل العامل الأكثر تأثيرا في تحديد سلوك السياسة الخارجية الروسية".
وعزا ذلك إلى أنه "على خلاف عام 2015، عندما تمكنت موسكو، بالاعتماد على فائض قدراتها العسكرية، من إرسال جزء كبير من قدراتها إلى سوريا، باتت اليوم معظم قدراتها الإستراتيجية واللوجستية والمالية مكرسة لجبهة أوكرانيا".
وفي ظل هذه الظروف، يقدر أن الكرملين "يجد نفسه مضطرا إلى اتخاذ خيارات صعبة بين الحفاظ على نفوذه العالمي وإدارة موارده المحدودة".
وبحسب تعبيره، "تجسد هذه السياسة واقعية باردة، فقد أدركت روسيا أنها لا تستطيع مواجهة جبهتين كبيرتين في الوقت نفسه، إحداهما في أوروبا ضد حلف شمال الأطلسي، والأخرى في الشرق الأوسط في مواجهة الولايات المتحدة".
وبناء على ذلك، أشار إلى أن موسكو "اتجهت إلى تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن في مناطق أخرى من العالم، والاستعاضة عن التدخلات العسكرية المكلفة بدبلوماسية مرنة وقنوات دبلوماسية غير مباشرة".
ومن هذا المنظور، يعتقد أن "رد الفعل الروسي المحدود نسبيا على سقوط حكومة بشار الأسد والهجمات الأميركية والإسرائيلية المتكررة على المصالح الإيرانية لا يعكس عدم أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى موسكو، ولا قصورا في تقديرها".
وإنما يعكس، وفق تقديره، "إعادة ترتيب قسرية لأولويات السياسة الخارجية الروسية، التي باتت فيها الأولوية للحفاظ على الوضع الداخلي وخوض الحرب في أوكرانيا".
وعلى صعيد سوريا، أوضح التقرير أن "التدخل الروسي عام 2015 كان واحدا من أنجح العمليات الخارجية التي نفذها الكرملين منذ انهيار الاتحاد السوفيتي؛ إذ رسخ نفوذ موسكو في شرق البحر المتوسط وأعاد إحياء مكانتها الدولية".
واستدرك: "غير أن الانهيار السريع لبنية السلطة في دمشق عام 2024 أثبت أن النجاحات العسكرية لا تفضي بالضرورة إلى نفوذ سياسي مستدام".
وأضاف: "وبما أن روسيا لم تعد تملك القدرة على تنفيذ تدخل بري واسع النطاق، فإنها سارعت إلى إعادة تعريف إستراتيجيتها، وانخرطت بواقعية كاملة في التواصل مع القوى الجديدة في دمشق".
وبحسب تحليله، "لم يعد هدف الكرملين في هذه المرحلة حماية أشخاص بعينهم، وإنما حماية قواعده العسكرية؛ فقاعدتا طرطوس وحميميم على البحر المتوسط تمثلان النقطتين الوحيدتين اللتين تتيحان لروسيا الانتقال من قوة أوراسية إلى لاعب بحري يتجاوز نطاقه الإقليمي".
وبرأيه، "يكشف هذا التحول السريع أن الكرملين فضل التخلي عن جزء من رصيده السياسي على أن تنقطع صلته العسكرية بالبحر المتوسط".

تقاطع مؤقت
بالنسبة لإيران، لفت الموقع إلى أن "إحدى أكبر الأخطاء التحليلية في طهران، بل وحتى في بعض الأوساط الغربية، تتمثل في الاعتقاد بوجود تحالف عسكري تقليدي بين إيران وروسيا".
وتابع موضحا: "فعلى الرغم من اتساع نطاق التعاون بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، فإنه لم يقم على أساس معاهدات أمنية متبادلة، مثل المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، وإنما تشكل حول تقاطع مؤقت في المصالح".
ويقدر أن "استجابة موسكو للتوترات بين إيران وإسرائيل كشفت هذه الحقيقة بوضوح؛ فعلى الرغم من إدانة الكرملين للهجمات، فإنه تجنب الانخراط في أي عمل عسكري مباشر، حرصا على ألا تتحول أزمة الشرق الأوسط إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن".
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن موسكو "حافظت على قنوات اتصال مع تل أبيب بهدف إدارة الملفات الإقليمية وضمان عدم توسعها في سوريا، بالتوازي مع تعاونها مع طهران".
واستطرد: "يكشف هذا التعامل مع طرفين في آن واحد الطبيعة النفعية للعلاقات الروسية مع شركائها الإقليميين".
"للوهلة الأولى، قد تبدو التطورات في سوريا وإيران مؤشرا على تراجع النفوذ الجيوسياسي الروسي، لكن هذا لا يمثل سوى جانب واحد من الصورة"، قال الموقع.
وأكمل: "فقد استفادت روسيا من التداعيات الاقتصادية للأزمات في الشرق الأوسط لخدمة حربها؛ إذ أسهم ارتفاع أسعار النفط والغاز، إلى جانب التوتر في أسواق الطاقة الناجم عن الأزمات الإقليمية، في زيادة إيراداتها من العملات الأجنبية، كما ساعد في تخفيف جزء من الضغوط التي تفرضها العقوبات الغربية".
وبعبارة أخرى، "في الوقت الذي فقدت فيه موسكو جزءا من نفوذها السياسي في دمشق، استفادت من حالة عدم الاستقرار في المنطقة لتعزيز قدرتها الاقتصادية بما يساعدها على مواصلة الحرب في أوكرانيا".
وأردف: "إنها إستراتيجية قائمة على تحقيق أقصى مكسب ممكن في ظروف الضغط".
البراغماتية الدفاعية
انطلاقا من ذلك، يرى الموقع أن "أهم درس يمكن استخلاصه من هذه التطورات هو أن لا أحد في النظام الدولي أكثر وفاء لمصالحه الوطنية من نفسه".
وتابع: "فقد أظهرت روسيا في المنعطفات الحساسة أنها ليست مستعدة لتحمل كلفة الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل دفاعا عن شركائها الإقليميين".
وبحسب وجهة نظره، "تكشف هذه التجربة بصورة أوضح ضرورة تنويع السياسة الخارجية الإيرانية، وتقليص الاعتماد على القوى الشرقية، وتعزيز القدرات المستقلة للردع".
ومع ذلك، نوه إلى أن "التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة والنقل العابر ومواجهة السياسات الأميركية الأحادية الجانب لا يزال ضروريا".
"لكن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على أساس توازن القوى، لا على افتراض وجود تحالف إستراتيجي مطلق"، وفق تقديره.
في المحصلة، يعتقد التقرير أن "روسيا دخلت مرحلة من البراغماتية الدفاعية، بات الحفاظ فيها على الوضع القائم والحد الأدنى من النفوذ يحظى بأولوية تفوق توسيع هذا النفوذ".
وعليه، توقع أن "يرتبط مستقبل حضورها في الشرق الأوسط ارتباطا مباشرا بمآلات الحرب في أوكرانيا".
ومن ثم، خلص إلى أن "السياسة الروسية الحالية لا تمثل انسحابا كاملا، ولا تعني نهاية عصر الحضور الروسي في الشرق الأوسط، وإنما تعكس إدارة ذكية للقيود المفروضة على موسكو".
واستدرك: "لكن في المقابل، فإن تراجع قدرة روسيا على دعم حلفائها يضع مصداقيتها الجيوسياسية أمام تحد جدي، ويطرح أمام الأطراف الإقليمية سؤالا أساسيا: هل لا تزال روسيا قادرة على أداء دور قوة ضامنة للأمن، أم أنها أصبحت مجرد لاعب يحاول، بيد ضعيفة، الدفاع عما تبقى من أوراقه في مواجهة العواصف الجيوسياسية؟"
واستطرد: "ستتحدد الإجابة عن هذا السؤال في ضوء معادلات ساحة المعركة في أوروبا، ومدى مرونة الجهاز الدبلوماسي للكرملين في التعامل مع أزمات المنطقة".


















