ترتكب الجريمة ثم تمُنّ بالعفو.. الإمارات تصدر عفوًا عن عبد الرحمن القرضاوي

العفو الرئاسي عن نجل القرضاوي لا يمحو أصل جريمة اختطافه وتغييبه
لم تكن فصول مأساة الشاعر والناشط المصري التركي عبد الرحمن يوسف القرضاوي سوى تجسيد حيّ لتوظيف النفوذ الأمني العابر للحدود؛ حيث بدأت فصول قضيته بجريمة خطف مكتملة الأركان خارج إطار القانون من الأراضي اللبنانية، مطلع 2025 وحرمانه من الضمانات القانونية.
وتواصلت عبر إخفاء قسري ومحاكمة صورية افتقرت للشفافية ولأدنى معايير العدالة الدولية، وانتهت بمسرحية "عفو رئاسي" يراد بها غسل سمعة الإمارات وتلميعها من الانتهاكات السياسية وتصوير القمع الممنهج في رداء "المكرمة الإنسانية"، التفافا على الضغوط والمطالبات الحقوقية الدولية.
ففي 4 سبتمبر/أيلول 2026، أصدر رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، عفواً رئاسياً بحق عبد الرحمن القرضاوي، نجل العلامة الراحل يوسف القرضاوي، وذلك بعد أيام من إدانته من قبل دائرة الجرائم الإلكترونية بمحكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية في 27 أغسطس/آب 2026.
وقضت المحكمة بمعاقبته بالسجن لمدة 10 سنوات وتغريمه بمبلغ 200 ألف درهم إماراتي (نحو 54,450 دولاراً أميركياً) بدعوى ارتكابه تهمًا ترتبط بالقيام بأنشطة تهدف إلى تكدير السلم العام وتكدير الأمن الوطني.
وأكّدت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام) أنه جرى فوراً البدء في اتخاذ كل الإجراءات القانونية والدستورية اللازمة لإنهاء محبسه وتفعيل مرسوم العفو الرئاسي لإخلاء سبيله.
وأُوقف عبد الرحمن القرضاوي فور وصوله إلى لبنان عبر معبر المصنع الحدودي عائدا من سوريا في 29 ديسمبر/كانون الأول 2024، وسلّمته السلطات المختصة في لبنان لدولة الإمارات في يناير/كانون الثاني 2025، وسط تنديد حقوقي واسع وتحذيرات أممية من تعرضه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
وجاء التوقيف بناءً على ملاحقة أمنية وطلب تسليم صادر عن الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب -إدارة الملاحقة والبيانات الجنائية- مدفوعاً بطلب من السلطات الإماراتية والمصرية، بدعوى ارتكابه أعمالا من شأنها إثارة وتكدير الأمن العام.
وجاءت محاكمة القرضاوي على خلفية مقطع فيديو نشره على منصات التواصل الاجتماعي، انتقد فيه بوضوح السياسات الداخلية والخارجية لكل من الإمارات، ومصر، والسعودية.
وتزامن قمع هذا النشاط مع تصاعد التوترات الإقليمية والقبضة الأمنية الصارمة التي تفرضها عواصم خليجية وعربية لمنع أي حراك فكري أو سياسي معارض، مستغلة في ذلك نفوذها الأمني واتفاقيات التعاون الاستخباري لتصفية الحسابات السياسية وملاحقة النشطاء خارج حدودها الجغرافية.
ناقد الأنظمة
وعبدالرحمن يوسف القرضاوي شاعر وإعلامي وناشط سياسي مصري (ويحمل الجنسية التركية أيضاً)، وُلِد في سبتمبر عام 1970، وهو نجل المفكر والداعية الإسلامي الراحل الشيخ يوسف القرضاوي.
وحاز على بكالوريوس الشريعة الإسلامية من جامعة قطر، ثم نال درجة الماجستير في مقاصد الشريعة من جامعة القاهرة.
وبرز اسم عبد الرحمن يوسف بقوة في المشهد الثقافي والسياسي العربي عبر دواوينه الشعرية ذات الطابع القومي والسياسي الناقد للأنظمة الاستبدادية، ومقالاته الصحفية، وبرامجه التلفزيونية.
كان أحد الوجوه البارزة في حركة "كفاية" المعارضة في مصر، وشارك بفعالية في ثورة 25 يناير 2011، قبل أن يغادر مصر عقب أحداث الانقلاب 2013 نتيجة ملاحقات قضائية وسياسية واجه خلالها أحكاماً غيابية.
وانتقل عبدالرحمن القرضاوي في منافيه بين عدة دول مواصلاً نشاطه الفكري والسياسي المستقل عبر منصات التواصل الاجتماعي حتى تعرض للتوقيف والتسليم للإمارات مطلع عام 2025.
وحوكم عبد الرحمن يوسف القرضاوي بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية.
ويمنح هذا القانون الأجهزة الأمنية والقضائية في الإمارات سلطات واسعة جداً لتجريم أي شكل من أشكال التعبير الرقمي السلمي، مستخدماً في نصوصه عبارات فضفاضة وغير محددة مثل "إثارة وتكدير الأمن العام"، "الإضرار بمصالح الدولة العليا"، أو "المساس بالسلم الاجتماعي".
وتسمح مواد هذا القانون بفرض عقوبات قاسية تصل إلى السجن لسنوات طويلة والغرامات المالية الباهظة التي تتراوح بين مئات الآلاف والملايين من الدراهم، بالإضافة إلى الإبعاد الوجوبي والترحيل للأجانب والمقيمين.
انتقادات حقوقية
وترى الأوساط الحقوقية الدولية أن صياغة القانون مصممة خصيصاً لتكميم الأفواه، وتحويل أي نقد سياسي أو اقتصادي مشروع للسلطات الحاكمة إلى جناية أمن دولة تُعاقب بأقصى العقوبات.
وتواجه دولة الإمارات انتقادات دولية وحقوقية مستمرة من منظمات كبرى مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، بسبب سجلها الحافل بالانتهاكات المرتبطة بحقوق الإنسان وحرية التعبير الرقمي والسياسي.
وأكدت تقارير حقوقية أن الإمارات تفتقر إلى التعددية السياسية وتمنع تكوين النقابات أو الأحزاب، في حين تمارس الأجهزة الأمنية سياسة تكميم الأفواه والاعتقال التعسفي المنظم ضد أي صوت يحاول ممارسة حقه الطبيعي في النقد.
كما وثقت تقارير الأمم المتحدة أنماطاً متكررة من الانتهاكات داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإماراتية.
وشملت الإخفاء القسري لشهور دون توجيه تهم، والحرمان من التواصل مع المحامين والعائلات، فضلاً عن المحاكمات الجماعية الجائرة مثل قضية "الإمارات 84" التي صدرت فيها أحكام بالسجن المؤبد لمدد طويلة ضد نشطاء طالبوا بإصلاحات ديمقراطية؛ مما يجعل من منظومة العدالة غطاءً للممارسات القمعية.
قمع عابر للقارات
وخارج حدودها، تتبنى الإمارات سياسات إقليمية تصفها مراكز الأبحاث المستقلة بأنها معادية لتطلعات الشعوب الساعية للحرية والديمقراطية.
فقد لعبت أبوظبي دوراً محورياً في دعم الثورات المضادة في دول الربيع العربي، ووظفت إمكانياتها المالية والعسكرية لتقويض النظم الديمقراطية الناشئة ودعم الأنظمة الاستبدادية والعسكرية في المنطقة لضمان بقاء مناخ الديكتاتورية.
وتلاحق الإمارات اتهامات دولية بالضلوع في جرائم حرب وتغذية الصراعات المسلحة في عدة ملفات إقليمية.
وأبرزها دعم المليشيات المسلحة والمرتزقة في ليبيا والسودان، مما تسبب في كوارث إنسانية وتشريد الملايين وسقوط آلاف الضحايا المدنيين؛ سعياً وراء بسط نفوذها الجيوسياسي والسيطرة على الموانئ والموارد الحيوية في المنطقة على حساب أمن واستقرار شعوبها.
ولا تقتصر الملاحقة الإماراتية على الداخل، بل تمتد لملاحقة معارضين ومفكرين أجانب وإماراتيين في الخارج عبر نفوذها الأمني وعلاقاتها الدبلوماسية.
وأبرزهم المفكر العماني غيث مطر، الأكاديمي والباحث الذي عُرف بآرائه الفكرية والسياسية المستقلة، وتمّ توقيفه في مقر إقامته في دولة أخرى واقتياده إلى الإمارات في 2021؛ حيث واجه محاكمة بتهم تتعلق بأمن الدولة والتعبير عن الرأي.
ومنهم أيضا المواطن الإماراتي الذي يحمل الجنسية التركية خلف الرميثي، وهو أحد المحكومين غيابياً في قضية "الإمارات 94"، أوقفته السلطات الأردنية في مطار عمان في 2023، بناءً على مذكرة ملاحقة إماراتية، سلمته إلى أبوظبي خارج إطار إجراءات التقاضي الطبيعية، ليواجه لاحقاً محاكمة جديدة.
قمع داخلي
وداخليا، تعد المحاكمات الجماعية السمة الأبرز لملاحقة المعارضين داخل الدولة؛ حيث جرى استهداف الأكاديميين والمحامين والقضاة الذين طالبوا بإصلاحات ديمقراطية.
وأبرز هذه المحاكمات، المحاكمة الجماعية الأولى (الإمارات 94) التي بدأت في 2012 واستهدفت نشطاء ومفكرين وقعوا على "عريضة مارس" التي طالبت بانتخابات لمجلس وطني تشريعي كامل الصلاحيات، وحكم على العشرات منهم بالسجن لمدد تصل لـ10 سنوات.
وقضية "الإمارات 84" (يوليو 2024)، التي أثارت تنديداً دولياً واسعاً؛ حيث أعادت السلطات محاكمة 84 شخصاً (من بينهم معتقلون قضوا محكوميتهم السابقة بالفعل ونشطاء في الخارج) بتهم جديدة تتعلق بتأسيس وإدارة "تنظيم سري بغرض ارتكاب أعمال عنف".
وأصدرت محكمة استئناف أبوظبي أحكاماً بالسجن المؤبد بحق 43 متهماً، وأحكاماً بالسجن بين 10 إلى 15 عاماً لآخرين، وأبرزهم المحامي والحقوقي البارز محمد الركن، وسلطان بن كايث السويدي، والأكاديمي ناصر بن غيث.
واستهدفت السلطات الإماراتية أيضا أي صوت مستقل يوثق الانتهاكات أو يطالب بتحسين الوضع الحقوقي، ومنهم الشاعر والمهندس أحمد منصور الحائز على جائزة "مارتن تينالز" الدولية للمدافعين عن حقوق الإنسان.
واعتُقل منصور عام 2017 وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات وغرامة مليون درهم بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيها انتهاكات حقوق الإنسان، ويقبع منذ سنوات في زنزانة انفرادية معزولة.
اختطاف قسري
وأكد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي أن العفو الرئاسي عن نجل القرضاوي لا يمحو أصل جريمة اختطافه وتغييبه، عادّين عملية اعتقاله وتسليمه من لبنان إلى الإمارات بلطجة واعتقالاً تعسفياً وترحيلاً قسرياً في جنح الليل، مقابل صفقات أو ضغوط، دون أساس قانوني سليم.
وشددوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #عبدالرحمن_يوسف_القرضاوي، #الإمارات، #أبو_ظبي، #محمد_بن_زايد، وغيرها، على أن ما حدث جريمة نكراء وتغييب قسري عابر للحدود، وأن العودة عنها لا تسقط الحق في المساءلة أمام المحاكم الدولية.
تلميع صورة
وركز ناشطون على تفكيك دلالة "العفو الرئاسي" الصادر بحق عبدالرحمن القرضاوي، عادين إياه عفوا مثيرا للقلق جاء بعد قرابة العامين على اختطافه، كما عدّوه عفوا مريبا ومحاولة مفضوحة لتسويق صورة "التسامح" الإماراتي.
وأكدوا أن هذا النمط ليس تعبيراً حقيقياً عن التسامح أو الرحمة، بل هو بروباغندا سياسية تهدف إلى تحسين الصورة الخارجية وتخفيف الضغوط، مع الإبقاء على الرواية الرسمية التي تبرّر الإجراءات السابقة، ملمحين إلى أنه تعرض لتعذيب وقهر داخل سجون الإمارات.
وأشار ناشطون إلى أن إصدار حكم جائر بالسجن 10 سنوات ثم إلغاءه بعد أيام عبر "مكرمة" هو سلوك مكرر يهدف إلى إظهار السلطة بمظهر الرحيم، بينما الحقيقة هي أن الاحتجاز والملف بأكمله يفتقران للشرعية القانونية منذ اللحظة الأولى بدءاً من التسليم من لبنان وصولاً إلى المحاكمة في دائرة الجرائم الإلكترونية.
خشية التسليم
وأعربت منظمات حقوقية وحقوقيون وناشطون عن خشيتهم صراحة من احتمال تسليم عبدالرحمن القرضاوي إلى مصر بعد العفو الإماراتي المزعوم. مشيرين إلى أن العفو عنه لا يعني بالضرورة الإفراج الآمن أو الخروج الحر، بل يفتح الباب أمام احتمال الترحيل إلى مصر حيث يواجه أحكاماً غيابية وقضايا أمنية.
ودعوا لاستمرار الضغط الحقوقي والإعلامي، ووصفوا مصر في عهد رئيسها الانقلابي الحالي عبدالفتاح السيسي بأنها "دولة قمعية"، محذرين من أن تسليم القرضاوي سيُعرضه لانتقام ممنهج وسجون معروفة بالقسوة، مستشهدين بحالات سابقة مشابهة، عادين الترويج للعفو كإنجاز مضخم بينما الواقع لا يزال غامضاً بشأن مصيره.

















