من المظاهرات إلى البرلمان.. كيف أعادت غزة تشكيل الجدل القانوني في ألمانيا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل استمرار المظاهرات المناهضة لحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، يتصاعد في ألمانيا الجدل حول الشعارات التي وصفها موقع “دويتشه فيله” بأنها "تنكر حق إسرائيل في الوجود".

وبحسب التقرير، فإن "هذه الشعارات تتكرر، لا سيما في برلين، سواء على هيئة كتابات على الجدران أو هتافات تردد خلال بعض المظاهرات".

وترى السلطات أن هذه الشعارات لا تقتصر على رفض إسرائيل، بل تتضمن الدعوة إلى زوالها، وراهنا، لا تترتب على مثل هذه الأفعال -في الغالب- أي تبعات جنائية، إلا أن المجلس الاتحادي الألماني، وهو الغرفة الثانية في البرلمان، يدفع حاليا باتجاه سن قانون يجرمها.

تأييد ضمني

وفي آخر جلساته قبل العطلة الصيفية، أقر المجلس مشروع قانون تقدمت به ولاية هيسن، دعا إلى الانتقال من الاكتفاء بإدانة هذه الأفعال إلى اتخاذ إجراءات تشريعية لمواجهتها. 

وقال وزير العدل في الولاية، كريستيان هاينتس المنتمي للاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، قبيل التصويت: "نتقدم بهذا المشروع عن قصد لأن الوقت حان للانتقال من مجرد الحديث إلى العمل التشريعي، أي من عبارة (يجب أن نفعل شيئا)، إلى (نحن نتحرك)".

ويقضي مشروع القانون، الذي أحاله المجلس الاتحادي إلى البرلمان (البوندستاغ)، بمعاقبة “كل من ينكر علنا أو خلال تجمع عام حق إسرائيل في الوجود، أو يدعو إلى القضاء عليها، شريطة أن يتم ذلك بطريقة تشجع على ارتكاب أعمال عنف أو ممارسات تعسفية ذات طابع معاد للسامية”.

ووفق الموقع الألماني، "يؤكد مبررو المشروع أن النصوص الجنائية السارية حاليا، مثل تلك المتعلقة بالتحريض على الكراهية أو استخدام رموز التنظيمات المصنفة إرهابية، لا توفر حماية قانونية كافية في مثل هذه الحالات".

وفي معرض تبريره للمبادرة، قال هاينتس: إن "الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أدى إلى انتقال موجة الكراهية ضد اليهود إلى أنحاء مختلفة من العالم، بما في ذلك ألمانيا".

وأضاف هاينتس: "أصبحت معاداة السامية تمارس علنا في شوارعنا، وباتت  الحشود تردد شعارات معادية لليهود في المدن الألمانية، رغم وجود أحجار شتولبرشتاينه التذكارية التي تخلد ذكرى ضحايا اليهود الذين قتلوا خلال الحقبة النازية".

وفي الوقت نفسه، زعم وزير العدل في ولاية هيسن أن "مشروع القانون لا يستهدف حرية الرأي أو انتقاد الحكومة الإسرائيلية، كما أنه لا يمنع النقاش بشأن التوصل إلى حل سياسي سلمي في الشرق الأوسط"، مدعيا أن "كل ذلك يندرج ضمن مبادئ الديمقراطية الحرة".

وأوضح أن "نص المشروع صيغ عمدا بصورة ضيقة ومحددة، وأنه يستهدف فقط الدعوات التي تمجد العنف أو تحرض على القضاء على إسرائيل"، قائلا إن "دولة القانون يجب أن تحتفظ بقدرتها على التحرك، وألا تقف عاجزة مرة أخرى أمام مظاهر الكراهية ضد اليهود في الشوارع".

ولفت التقرير إلى أنه "خلال مناقشات المجلس الاتحادي، كان هاينتس الوزير الوحيد الذي تحدث بشأن هذا البند".

واستدرك: "إلا أن وزير داخلية ولاية بادن-فورتمبيرغ آنذاك، توماس شتروبل، من الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، كان قد أعلن دعمه المبادرة عندما طرحتها ولاية هيسن لأول مرة في مايو/ أيار 2026، واستشهد حينها صراحة بشعار (من النهر إلى البحر)".

وعند التصويت في يوليو/ تموز 2026، أشار الموقع إلى أن "عدة ولايات أرفقت ملاحظات رسمية دعت فيها الحكومة الاتحادية إلى إعداد صياغة قانونية تتيح للبرلمان إقرار تشريع (متوافق مع الدستور ويوفر قدرا كافيا من اليقين القانوني)".

وهو ما عده التقرير "يعكس في جوهره، تأييدا لمطلب ولاية هيسن بسن تشريع جديد، مع التحفظ على تفاصيل الصياغة المقترحة".

أمر نادر

وقال الموقع: "رغم إحالة مشروع القانون إلى البرلمان الألماني، فإن تحويل المقترحات الصادرة عن المجلس الاتحادي إلى قوانين نافذة يظل أمرا نادرا".

وتابع: "فبعد أن تبدي الحكومة الاتحادية رأيها في أي مشروع يقدمه المجلس، يحال إلى البرلمان لمناقشته، لكن الإحصاءات تظهر أن عددا محدودا فقط من هذه المبادرات ينجح في استكمال مساره التشريعي".

واستشهد التقرير بأحدث الإحصاءات، موضحا أنه "منذ بداية الدورة التشريعية الحادية والعشرين للبرلمان، في ربيع عام 2025، أقر المجلس الاتحادي 45 مشروع قانون وأحالها إلى الحكومة، إلا أن أيا منها لم يتحول حتى الآن إلى قانون نافذ".

واستطرد: "خلال الدورة التشريعية السابقة بين عامي 2021 و2025، قدم المجلس 49 مشروع قانون، لم ينجح منها سوى مشروعين في استكمال إجراءات الإقرار".

واسترسل: "أما خلال الفترة بين عامي 2017 و2021، فقد طرح 66 مشروع قانون، أصبح سبعة منها فقط قوانين نافذة، مقارنة بإجمالي 542 قانونا دخلت حيز التنفيذ خلال تلك الفترة".

ورغم ذلك، أشار إلى "تواصل الدعوات المطالبة بإقرار تشريع يجرم إنكار حق إسرائيل في الوجود"، وهنا يخص الموقع بالذكر، المجلس المركزي لليهود في ألمانيا الذي يعد من أبرز الجهات الداعمة لهذا التوجه. 

وقال رئيس المجلس، جوزيف شوستر، في مقابلة مع "دويتشه فيله" منتصف يونيو/ حزيران 2026: إن انتقاد الحكومة الإسرائيلية “أمر مشروع تماما”.

لكن شوستر شدد على أن "الأمر يفقد شرعيته عندما يجري التشكيك في حق إسرائيل في الوجود أو شيطنة الدولة".

جدل قانوني

في المقابل، أوضح الموقع أن "مشروع القانون واجه اعتراضات قانونية مبكرة، ففي خطوة غير معتادة، أصدر نحو 30 أستاذا في القانون بيانا قبل جلسة المجلس الاتحادي، رأوا فيه أن المشروع يتعارض مع الدستور".

ورغم "إقرار الموقعين بوجود مخاوف مبررة من تصاعد معاداة السامية وأعمال العنف المرتبطة بها"، إلا أنهم أكدوا أن "ذلك لا يبرر حظر رأي معين من خلال قانون عام"، بحسب التقرير.

فضلا عن ذلك، "أثار تقرير صادر عن دائرة الأبحاث التابعة للبرلمان الألماني شكوكا بشأن مدى توافق المشروع مع أحكام الدستور، وهو ما عزز الجدل القانوني الدائر حوله".

على الصعيد السياسي، أشار التقرير إلى أن الانتقادات امتدت أيضا إلى شخصيات بارزة؛ إذ وصف الألماني الفرنسي دانيال كوهن-بنديت، وهو يهودي وعضو سابق في البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر، مشروع القانون بأنه "خاطئ تماما"، وذلك في مقابلة أجرتها معه صحيفة “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” تعليقا على مبادرة حكومة ولاية هيسن.

وقال كوهن-بنديت إن "هناك كثيرين يوجهون انتقادات حادة إلى إسرائيل، بمن فيهم إسرائيليون، لكن هذا لا يعني أنهم جميعا معادون للسامية".

واستشهد كوهن-بنديت بالفيلسوفة جوديث بتلر، المؤيدة لحركة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (BDS)، موضحا أنه يعد مواقف الحركة “خاطئة تماما من الناحية الأيديولوجية وغير حكيمة”، لكنه "لا يرى أن ذلك يجعل بتلر معادية للسامية".

في المحصلة، يرى الموقع الألماني أن "الخلاف، في جوهره، يتمحور حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير ومكافحة معاداة السامية".

وتابع: "فالدستور الألماني ينص، في مادته الخامسة، على أن حرية الرأي لا يجوز تقييدها إلا بموجب (قوانين عامة)، أي قوانين لا تستهدف رأيا بعينه".

من هنا، أوضح الموقع أن "معارضي المشروع يرون في المقترح مخالفة لهذا المبدأ، لأنه يجرم حصرا إنكار حق إسرائيل في الوجود، بينما لا يفرض العقوبة نفسها على من ينكر حق أي دولة أخرى في الوجود".

من جانبه، رد وزير العدل في ولاية هيسن، كريستيان هاينتس، على هذه الانتقادات، مستندا إلى حكم استثنائي أصدرته المحكمة الدستورية الاتحادية عام 2009، والمعروف باسم (حكم فونزيدل).

وأقرت فيه دستورية نص قانوني يجرم تمجيد النظام النازي، استنادا إلى المسؤولية التاريخية الخاصة التي تتحملها ألمانيا، وذلك رغم الحماية الواسعة التي يكفلها الدستور لحرية التعبير.

وقال الموقع: "انطلاقا من هذا الحكم، تجادل ولاية هيسن أن المنطق القانوني نفسه يمكن تطبيقه على القضية الحالية، استنادا إلى أن هناك ارتباطا تاريخيا وسياسيا بين الحكم النازي، والمحرقة، وقيام دولة إسرائيل، وإنكار حقها في الوجود".

وأكمل: "في ضوء ذلك، تؤكد الولاية أن حق إسرائيل في الوجود يمثل جزءا من (مصلحة الدولة) الألمانية، وأن إنكار هذا الحق يعد، في الوقت نفسه، مساسا بالهوية الدستورية لألمانيا".

واختتم التقرير حديثه قائلا: "في جميع الأحوال، يبدو أن الجدل السياسي والقانوني حول مشروع القانون سيستمر أشهرا طويلة، بل لا يُستبعد أن ينتهي المطاف بالنزاع -في ظل ارتباطه بحقوق أساسية يكفلها الدستور- أمام المحكمة الدستورية الاتحادية للفصل في مدى دستوريته".