رسالة خامنئي والنار الأميركية.. كيف دخلت الحرب منعطفها الأخطر؟

شدوى الصلاح | منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في ظل تسارع وتيرة المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، دخل الصراع الأميركي الإيراني مرحلة غير مسبوقة من كسر العظم، عقب انهيار التفاهمات الدبلوماسية الأخيرة وانتقال الطرفين إلى جولات من القصف المتبادل طالت العمق الإيراني والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، رغم نفي بعض الدول استضافة قواعد أميركية على أراضيها.

وبرزت نقطتا تحول رئيستان في المشهد؛ الأولى تمثلت في البيان المكتوب شديد اللهجة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي الذي توعد فيه واشنطن بـ"دروس لا تُنسى". والثانية إعلان الولايات المتحدة مقتل جنديين وإصابة آخرين في قاعدة عسكرية بالأردن، ما رفع حصيلة قتلاها العسكريين منذ بدء الجولة الحالية من المواجهة.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 18 يوليو/تموز 2026، انتهاء تنفيذ الموجة الثامنة من الغارات الجوية المكثفة داخل العمق الإيراني، والتي استهدفت 140 موقعاً عسكرياً ومنشآت مراقبة تابعة للحرس الثوري في جزيرة قشم وإقليم خوزستان.

وجاءت هذه الضربات عقب هجوم إيراني بطائرات مسيّرة انتحارية استهدف قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأردن، وأسفر عن مقتل جنديين أميركيين وفقدان ثالث، ليرتفع بذلك إجمالي قتلى القوات الأميركية منذ اندلاع الجولة الحالية من التصعيد إلى 16 جندياً.

وأكد البنتاغون أن العمليات العسكرية ستتواصل "لحرمان طهران من القدرات التشغيلية ومنعها من امتلاك سلاح نووي".

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين أن القوات الأميركية في الأردن تعرضت لأربع هجمات خلال خمسة أيام، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، إضافة إلى إصابة عشرات الجنود وإلحاق أضرار جسيمة بعدد من المروحيات.

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، عقب الإعلان عن مقتل الجنديين: إن "تضحياتهم لا تزيدنا إلا عزيمة وإصراراً".

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إن "مقتل الجنود أمر مؤسف، لكنهم لقوا حتفهم؛ لأنهم لا يريدون رؤية إيران تمتلك سلاحاً نووياً، ولا يريدون رؤية الشرق الأوسط يشتعل". مؤكداً صواب قراره بشن الحرب على إيران، رداً على انتقادات نواب ديمقراطيين حملوه مسؤولية مقتل الجنود الأميركيين.

وأضاف ترامب، وفق صحيفة "نيويورك بوست": “هل سألتم يوماً عن عدد الأشخاص الذين ماتوا في فيتنام؟ وهل تساءلتم عن عدد من لقوا حتفهم في أفغانستان خلال يوم واحد في عهد بايدن؟”

وجاءت تصريحات ترامب عقب استهداف الحرس الثوري الإيراني قاعدة الأزرق الجوية في الأردن، ومقتل جنود أميركيين، فيما أعلنت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية أن القوات المسلحة اعترضت أربع طائرات مسيّرة اخترقت المجال الجوي للمملكة.

كما جاءت رداً على انتقادات وجهها أعضاء ديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ، بينهم النائبة نيكي بودزينسكي والنائب هيرب كوناواي، الذين وصفوا الخسائر البشرية بأنها "ثمن حرب غير ضرورية"، وطالبوا ترامب بإنهاء الصراع وسحب القوات الأميركية من المنطقة.

وسبق للحكومة الأردنية أن نفت مراراً، وعلى لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي، وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، مؤكدة أنه لا مبرر للهجمات الإيرانية على المملكة ودول الخليج.

وتؤكد السلطات الأردنية أن الوجود الأميركي يقتصر على جنود ومدربين وخبراء عسكريين يعملون ضمن برامج التعاون الدفاعي والتدريب المشترك، في إطار اتفاقيات ثنائية تحترم سيادة الأردن.

ولم يقتصر التصعيد الأميركي على الجانب العسكري، بل قابله رد سياسي ودبلوماسي حازم من أعلى مستويات القيادة الإيرانية؛ إذ أصدر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، مجتبى خامنئي، بياناً مكتوباً أعلن فيه تعليق مسار الاتفاقيات مع الولايات المتحدة عقب الغارات الأخيرة.

ووصف خامنئي توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرات التفاهم السابقة بأنه "عديم القيمة والمصداقية". مؤكداً أن "البلطجة والوحشية جزء لا يتجزأ من السياسة الأميركية".

وتوعد المرشد الإيراني بأن "جبهة المقاومة والشعب الإيراني سيلقنان الولايات المتحدة دروساً لا تُنسى"، داعياً في الوقت نفسه إلى الحفاظ على الوحدة الداخلية وتجنب الانقسامات.

وجدد وصف الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، مقدرا أن نقض الاتفاق مجدداً أثبت أن "توقيع الرئيس الأميركي بلا قيمة".

وأكد أن "الغطرسة والوحشية جزء لا يتجزأ من العقلية الأميركية". مشيراً إلى أن الشعب الإيراني سيواصل دعم مؤسسات الدولة، وسيبقى حاضراً في الميدان للدفاع عن المصالح الوطنية.

وشدد على أن الولايات المتحدة يجب أن تدرك أنه إذا واصلت "التحريض على الحرب"، فإن إيران و"محور المقاومة" سيوجهان لها "دروساً لا تُنسى".

ويأتي هذا التصعيد بعد أسابيع قليلة من انهيار مذكرة التفاهم التي توصلت إليها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع القيادة الإيرانية الجديدة برئاسة مجتبى خامنئي.

وكانت المذكرة تهدف إلى خفض التصعيد، ورفع جزئي للعقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، إلا أنها انهارت سريعاً وسط تبادل الاتهامات بنقض الالتزامات، ما دفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية، وردت واشنطن بفرض حصار بحري مشدد بمشاركة قوات القيادة المركزية الأميركية.

ويمثل التصعيد الحالي أول مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة النطاق بين الجيش الأميركي والحرس الثوري الإيراني، بعدما ارتفعت حصيلة قتلى القوات الأميركية إلى 16 جندياً، وهو ما يضع إدارة ترامب تحت ضغوط داخلية متزايدة من الكونغرس، بين الدعوات إلى حسم المعركة أو الانسحاب من الصراع.

في المقابل، يواجه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي تحدي ترسيخ شرعيته وإحكام قبضته على السلطة بعد رحيل والده، وسط تقارير استخباراتية أميركية تتحدث عن إصابته وغيابه عن الظهور العلني، وهو ما يفسر لجوءه إلى إصدار بيانات مكتوبة في القضايا المصيرية.

"الشيطان الأكبر"

وأثار البيان المكتوب للمرشد الإيراني الجديد الذي وصف فيه الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، وأعلن أن التفاهمات الموقعة مع الرئيس الأميركي "بلا قيمة"، واتهم واشنطن بنقض الاتفاقيات، ردود فعل متباينة على منصات التواصل الاجتماعي، عكست حجم الانقسام السياسي والأيديولوجي في المنطقة.

وركز مؤيدو النظام الإيراني، عبر منشوراتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركاتهم في وسوم عدة، أبرزها #مجتبى_خامنئي و#المرشد_الأعلى و#إيران و#أميركا و#الأردن و#الحرس_الثوري، على ما وصفوه بقوة البيان ودلالاته الإستراتيجية، مقدرين أنه رسالة حازمة تؤكد استمرار نهج "المقاومة" ورفض ما سموه الهيمنة الأميركية.

ووصف ناشطون البيان بأنه "حكيم" و"داعم للوحدة الوطنية"، مع تركيز واسع على انتقاد ما عدوه "الغطرسة الأميركية". كما جرى تداول نص البيان على نطاق واسع، فيما أعاد آخرون نشر مقاطع منه، كان أبرزها وصف الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، وتأكيده أن "العدو الأميركي يسعى إلى إشعال الحروب، ولن يجني سوى مزيد من الخسائر والخزي".

رسائل مزدوجة

وقدم محللون وباحثون تحليلات متعددة للبيان ركزت على دلالاته السياسية والإستراتيجية مثل تأكيده على رفض الهيمنة الأميركية، دعوته للوحدة الداخلية، وتهديداته بفتح جبهات جديدة، عادّين البيان رسالة تصعيدية ومحاولة لتعزيز الشرعية الداخلية وسط شائعات الغياب أو الضعف. 

وذهب البعض إلى أن دعوة المرشد الإيراني الابن المواطنين الإيرانيين والمسؤولين إلى "تجنب الانقسام والصراع" والاختلافات السياسية، تعكس حجم الأزمة الداخلية وتهديدها للنظام، إلى حدٍّ دفع برأس الدولة السياسي والديني للتحذير منها علناً.

تشكيك وارتياب

وأعرب ناشطون معارضون للنظام الإيراني وآخرون من دول خليجية عن تشكك كبير في مصداقية بيان مجتبى خامنئي، عادّين إياه تصعيدًا لفظيًا فارغًا لا يعكس قوة حقيقية بل محاولة يائسة للتغطية على ضعف النظام وانقساماته الداخلية. 

وسخر البعض من غياب مجتبى العلني المستمر، مستخدمين لقب "مختبى" بدلاً من "مجتبى"، وربطوا البيان بـ"استمرار السياسات الفاشلة" التي أدت إلى عزلة إيران دوليًا واقتصاديًا، مع الإشارة إلى شائعات "الانقلاب الناعم" أو سيطرة الحرس الثوري على الرسائل المنسوبة إليه.

ضربة قوية

وقدم باحثون وناشطون قراءات متنوعة لحادث قصف الحرس الثوري الإيراني لقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن الذي أسفر عن مقتل جنديين أميركيين وفقدان ثالث وإصابات أخرى، وأعقبه بيان مجتبى خامنئي وتصريحات الرئيس الأميركي وتصعيد الضربات على إيران.

وركزوا  على دلالات الضربة كدليل على قدرة إيران العسكرية والاستخباراتية المتقدمة في اختراق الدفاعات (مثل الثاد) واستهداف قواعد أميركية بدقة، رغم موقعها في دولة حليفة للولايات المتحدة، ووصفوها بأنها "من أقوى الضربات" في سياق الحرب الجارية منذ فبراير 2026.

وتوقعوا تصعيدًا أميركيًا (غارات إضافية، استدعاء مقاتلات) قد يؤدي إلى حرب أوسع أو مفاوضات تحت الضغط، منتقدين الوجود الأميركي في المنطقة وطالبوا بطرده، معربين عن قلقهم من التداعيات على الاستقرار الإقليمي، وتداولوا صورا ومقاطع فيديو مما أسفر عنه الاستهداف الإيراني للقاعدة الأميركية بالأردن.

أكاذيب الأردن

وبرز حديث قوي على منصات التواصل يذكّر بنفي الأردن المتكرر وجود قواعد عسكرية أميركية على أرضها، مركزين على التناقض بين نفي المسؤولين الأردنيين (مثل تصريحات وزير الخارجية أو المتحدثين الرسميين قبل ساعات أو أيام) وبين إعلان القيادة المركزية الأميركية مقتل وإصابة جنود أميركيين وتدمير معدات في قواعد داخل الأردن جراء هجمات إيرانية.

ووصف ناشطون ذلك بـ"الكذب" أو "التضليل" على الشعوب، واتهموا النظام الأردني بعدم الشفافية أو "الخيانة" للأمة، مع سخرية من الادعاء بأن الوجود الأميركي "تعاون تدريبي" فقط أو أن القواعد "أردنية صرفة"، متسائلين عن أسباب وجود هذه الأعداد الضخمة من الجنود والمعدات بالأردن.

في المقابل، دافع البعض ووضح الفرق بين "قواعد" و"جنود"، لكن الغالبية ترى في الإعلان الأميركي دليلاً قاطعاً على وجود قواعد فعلية.

منعطف خطير

وحذر خبراء ومحللون من أن مآلات التصعيد الأميركي الإيراني عقب الاستهداف الإيراني الأخير للقواعد الأميركية في الأردن تضع المنطقة أمام منعطف بالغ الخطورة، وتمثل مبررًا قويًا لإدارة ترامب للانتقال من مرحلة "الضربات المحدودة" إلى توسيع دائرة العمليات العسكرية.

وتوقعوا استهداف العمق الإيراني والبنية التحتية الحيوية مثل محطات الطاقة والجسور، كما رأوا أن فرص العودة للمفاوضات باتت ضئيلة وقاتمة للغاية عقب انهيار مذكرات التفاهم السابقة المبرمة بين الطرفين.