"جبل الفأس".. الحصن النووي الذي قد يحدد مصير المواجهة الأميركية الإيرانية

داود علي | منذ ١٧ ساعة

12

طباعة

مشاركة

أدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب منشأة نووية إيرانية غامضة إلى صدارة المواجهة مع طهران، عندما توعد، في 14 يوليو/تموز 2026، بتدمير "جبل الفأس"، مؤكدا أن القوات الأميركية تراقب الموقع، وأنه قد يتعرض لضربة قريبة.

ولم يكن التهديد موجها إلى منشأة معلنة بحجم نطنز أو فوردو، بل إلى مجمع أنفاق شديد التحصين شُيّد داخل جبل يقع جنوب نطنز، ولا تزال وظيفته الفعلية محاطة بتساؤلات لم تحسمها عمليات الرصد أو تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتقول إيران: إن الموقع أُنشئ لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وحمايتها من عمليات التخريب، بينما تشتبه تقديرات غربية في أنه قد يتحول إلى منشأة سرية للتخصيب أو مخزن إستراتيجي يضمن استمرار البرنامج النووي بعد تدمير مواقعه المعروفة.

ولهذا، لا تكمن أهمية "جبل الفأس" فيما ثبت وجوده داخله، بل في قدرته المحتملة على إبقاء البرنامج النووي الإيراني حيا تحت مئات الأمتار من الصخور.

من حريق نطنز إلى قلب الجبل

لم يكن "جبل الفأس" جزءا من المشهد النووي الإيراني قبل عام 2020، بل جاء نتيجة مباشرة لإحدى أكثر الضربات إيلاما التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني خلال العقد الأخير.

ففي يوليو/تموز من ذلك العام، دمر انفجار أعقبه حريق مركزَ تجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في منشأة نطنز، وهو المركز المسؤول عن إنتاج الجيل الجديد من أجهزة التخصيب التي تعول عليها طهران لزيادة قدراتها النووية.

وبعد أسابيع قليلة، أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، علي أكبر صالحي، أن إيران بدأت إنشاء منشأة جديدة داخل الجبال المحيطة بنطنز، موضحا أن الهدف يتمثل في نقل المرافق الحساسة إلى موقع أكثر تحصينا يصعب استهدافه.

ومنذ ذلك الإعلان، بدأت صور الأقمار الاصطناعية تكشف تدريجيا عن مشروع يختلف تماما عن المنشآت الإيرانية المعروفة.

ويقع الموقع داخل جبل يعرف محليا باسم "كوه كولانغ غازلا" في محافظة أصفهان، على بعد نحو كيلومترين جنوب منشأة نطنز. ومع أن الاسم المحلي لا يحمل دلالة عسكرية، فإن ترجمته الحرفية إلى الإنجليزية "Pickaxe Mountain"، أو "جبل الفأس"، أصبحت التسمية الأكثر تداولا في التقارير الغربية، قبل أن تتحول لاحقا إلى الاسم الذي استخدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في تهديداته الأخيرة.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية، التي حللتها مراكز أبحاث متخصصة، أن المشروع لم يكن مجرد نفق أو مخزن بديل، بل مجمعا واسعا من الأنفاق المحفورة داخل الكتلة الجبلية، يضم مداخل متعددة، وطرقا جديدة، ومناطق خدمية، وأعمال حفر استمرت سنوات.

كما كشفت التحليلات عن وجود مجمعين منفصلين للأنفاق جنوب نطنز؛ أحدهما أقدم ويعود إلى سنوات سابقة، بينما يمثل "جبل الفأس" المجمع الأحدث والأكبر، الذي بدأ العمل فيه عقب هجوم عام 2020. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الموقع أحد أكثر ملفات البرنامج النووي الإيراني غموضا.

لماذا يخشاه الغرب؟

لا تعود أهمية "جبل الفأس" إلى كونه أكبر منشأة نووية إيرانية، ولا إلى وجود دليل معلن على تشغيله حتى الآن، بل إلى ما يمكن أن يمثله مستقبلا إذا قررت طهران نقل أجزاء حساسة من برنامجها النووي إلى داخله.

ولهذا، ينظر إليه خبراء منع الانتشار النووي بصفته مشروعا إستراتيجيا يهدف إلى معالجة نقاط الضعف التي كشفتها الهجمات المتكررة على نطنز خلال السنوات الماضية.

فمنذ تعرض منشآت نطنز لسلسلة من عمليات التخريب والهجمات السيبرانية والضربات التي استهدفت مرافقها فوق الأرض، اتجهت إيران إلى تغيير فلسفة بناء منشآتها النووية.

وبدلا من الاكتفاء بقاعات مدفونة على أعماق محدودة، اختارت نقل المرافق الأكثر حساسية إلى داخل كتلة جبلية صلبة، بحيث تصبح الصخور نفسها جزءا من منظومة الحماية، وليس الخرسانة المسلحة فقط.

وتشير تحليلات صور الأقمار الاصطناعية إلى أن مجمع "جبل الفأس" يقع تحت عشرات، وربما أكثر من مئة متر، من الصخور الغرانيتية، مع شبكة أنفاق ومداخل متعددة تقلل من تأثير استهداف أي مدخل منفرد.

كما أن استمرار أعمال الحفر والتوسعة لعدة سنوات يوحي بأن المشروع صمم لاستيعاب أكثر من منشأة واحدة، وليس مجرد ورشة بديلة لتجميع أجهزة الطرد المركزي.

ومن هنا بدأ التباين بين الروايتين الإيرانية والغربية؛ فطهران تؤكد أن الموقع مخصص لتجميع وتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وأن الهدف الوحيد من نقله إلى داخل الجبل هو حمايته من عمليات التخريب.

أما أجهزة الاستخبارات الغربية، فتعتقد أن حجم المشروع ومستوى تحصينه يتجاوزان احتياجات منشأة تصنيع، وترجح أن يكون المجمع مؤهلا لاستضافة منشأة تخصيب سرية، أو مخازن لليورانيوم المخصب، أو مركز احتياط يسمح باستئناف البرنامج النووي سريعا إذا تعرضت المواقع المعروفة للتدمير.

ولم تقدم أي جهة حتى الآن دليلا قاطعا يحسم هذه الفرضيات، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تعلن أنها دخلت المجمع أو تحققت من محتوياته، كما لم تعلن إيران إدخال مواد نووية إليه.

لكن هذا الغموض نفسه هو ما منح "جبل الفأس" قيمته الإستراتيجية، إذ أصبح الموقع الوحيد تقريبا في البرنامج النووي الإيراني الذي لا يعرف خصوم طهران على وجه اليقين ما الذي يجري خلف جدرانه الصخرية، وما إذا كان يمثل مجرد مصنع محصن، أم احتياطيا إستراتيجيا لبرنامج يمكن إعادة تشغيله حتى بعد تدمير نطنز وفوردو.

حصن تحت الصخور

لم يكن اختيار الموقع داخل جبل صخري قرارا هندسيا فحسب، بل كان جزءا من إستراتيجية إيرانية لتغيير قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فبعد سنوات من استهداف المنشآت النووية بعمليات تخريب وضربات جوية، سعت طهران إلى بناء منشأة لا يكفي الوصول إلى إحداثياتها لتدميرها، بل تتطلب عملية عسكرية معقدة قادرة على اختراق مئات الأطنان من الصخور قبل الوصول إلى قاعاتها الداخلية.

وتشير تقديرات معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، استنادا إلى صور الأقمار الاصطناعية وتحليل التضاريس، إلى أن بعض أجزاء المجمع تقع تحت غطاء صخري يزيد على مئة متر في بعض المواضع، وهو ما يجعله أعمق من معظم المنشآت النووية الإيرانية المعروفة.

ولا تكمن قوة الموقع في عمقه فحسب، بل أيضا في طبيعة الصخور الغرانيتية الصلبة، وتعدد مداخل الأنفاق، وإمكانية توزيع المرافق الحساسة داخل قاعات منفصلة، بما يقلل من تأثير أي ضربة مباشرة.

ولهذا السبب، برزت تساؤلات متكررة داخل الأوساط العسكرية الأميركية بشأن قدرة القنابل الخارقة للتحصينات على تدمير المجمع بالكامل.

وتمتلك الولايات المتحدة قنبلة GBU-57 Massive Ordnance Penetrator، وهي أكبر قنبلة تقليدية خارقة للتحصينات في ترسانتها، وصممت لاختراق المنشآت المدفونة قبل الانفجار.

إلا أن خبراء عسكريين يرون أن فاعلية هذه القنبلة تعتمد على عوامل عدة، من بينها سماكة الغطاء الصخري، ونوع التربة، وزاوية الإصابة، وعدد الضربات المتتالية على النقطة نفسها، وليس على وزن القنبلة وحده.

ويذهب عدد من المحللين إلى أن تدمير "جبل الفأس" قد لا يعني بالضرورة اختراق قاعاته الداخلية، بل قد يقتصر على استهداف مداخل الأنفاق، وأنظمة التهوية، وشبكات الكهرباء، وطرق الإمداد، بما يؤدي إلى تعطيل المنشأة أو عزلها لفترة طويلة.

أما الوصول إلى المرافق الموجودة في عمق الجبل، فيظل سيناريو أكثر تعقيدا، خصوصا في ظل غياب معلومات دقيقة عن التصميم الداخلي للأنفاق أو توزيع القاعات.

ويفسر ذلك جانبا من تصريحات ترامب الذي لم يكتف بالحديث عن مراقبة الموقع، بل خصه بالاسم في تهديداته الأخيرة، في إشارة إلى أن واشنطن تنظر إليه بوصفه أحد أكثر الأهداف تعقيدا في أي مواجهة محتملة مع إيران. فالمعضلة الأميركية لم تعد تقتصر على معرفة مكان المنشأة، بل أصبحت تتعلق بالقدرة على ضمان تدميرها إذا صدر قرار باستهدافها.

من يحرس "جبل الفأس"؟

لم يعد "جبل الفأس" مجرد مشروع هندسي تشرف عليه منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بل تحول إلى أحد أكثر المواقع حساسية ضمن منظومة الأمن القومي الإيراني.

وجاءت البداية مع إعلان رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، علي أكبر صالحي، أن طهران قررت بناء منشأة جديدة "في قلب الجبل" قرب نطنز، بهدف حماية البنية الصناعية للبرنامج النووي من أي عمليات تخريب جديدة.

وبعد انتقال رئاسة المنظمة إلى محمد إسلامي عام 2021، استمرت أعمال الحفر والتوسعة، بينما بقيت التفاصيل الفنية للمشروع طي الكتمان، ولم تكشف إيران أسماء العلماء أو المهندسين المشرفين عليه، خلافا لما جرت عليه العادة في بعض منشآتها النووية الأخرى.

وفي مارس/آذار 2022، اتخذت طهران خطوة لافتة بإنشاء قيادة الحماية والأمن النووي التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي تشكيل جديد أُنشئ عقب سلسلة الهجمات التي استهدفت منشآت نطنز وفوردو وعمليات اغتيال علماء نوويين.

وأُسندت قيادة هذا التشكيل إلى اللواء أحمد حق طلب، الذي أعلن لاحقا أن حماية المنشآت النووية أصبحت جزءا من منظومة الردع الإيرانية، وأن الحرس الثوري يتولى تأمينها ضد الهجمات العسكرية وعمليات التخريب والاختراق الاستخباراتي.

ولا توجد معلومات معلنة عن عدد القوات المنتشرة في "جبل الفأس" أو الوحدات المكلفة بحراسته، إلا أن صور الأقمار الاصطناعية أظهرت، خلال السنوات الأخيرة، تشييد سياج أمني يطوق المنطقة، وإنشاء طرق للمراقبة، وتحصين مداخل الأنفاق، وإضافة سواتر ومنشآت دفاعية جديدة، في مؤشرات تعكس انتقال الموقع من مرحلة البناء إلى مرحلة التأمين طويل الأمد.

ويعكس هذا التداخل بين منظمة الطاقة الذرية والحرس الثوري طبيعة البرنامج النووي الإيراني نفسه؛ فبينما تتولى المنظمة الإدارة الفنية والعلمية، يتكفل الحرس الثوري بحماية المنشآت وتأمينها، ما يجعل أي استهداف لـ"جبل الفأس" لا يمس منشأة نووية فحسب، بل أحد المواقع التي أصبحت جزءا من البنية الأمنية والعسكرية الإيرانية.