حين تنشق الوحدات لا الأفراد.. ماذا يعني انشقاق 280 مقاتلاً عن الدعم السريع؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في عملية وُصفت بالسرية، وصلت إلى الخرطوم في 23 يوليو/تموز 2026 قوة تضم نحو 280 مقاتلاً، بينهم قادة ميدانيون، بعدما شقت طريقها خارج مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع المتمردة، وأعلنت انحيازها إلى الجيش السوداني.

ولم يكن وصول هذه المجموعة مجرد انتقال عسكري من معسكر إلى آخر، بل حمل دلالات تتجاوز عدد أفرادها؛ إذ نُفذت عملية انسحابها بإشراف القوات المسلحة السودانية، قبل نقل عناصرها إلى معسكرات مخصصة تمهيداً لاستيعابهم ضمن صفوف الجيش.

ويأتي هذا الانشقاق في توقيت حساس بالنسبة لمليشيا الدعم السريع التي تواجه ضغوطاً متزايدة على جبهات القتال في كردفان ودارفور، إلى جانب صراعات داخلية على القيادة والنفوذ، وسلسلة من الانشقاقات التي طالت قادة ومجموعات قتالية خلال الأشهر الماضية.

وبينما يقدم الجيش السوداني الحدث بوصفه اختراقاً جديداً للجبهة الداخلية لمليشيا الدعم السريع، يطرح التطور سؤالاً أكبر: هل بدأت هذه المليشيا تتفكك من الداخل، أم أن ما يجري لا يعدو كونه إعادة تموضع تفرضها تحولات الحرب؟

كيف تمت  عملية الانشقاق؟

لم تبدأ رحلة المجموعة المنشقة عند بوابات الخرطوم، بل انطلقت من داخل مناطق خاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع، حيث جرت، بحسب مصادر ميدانية، ترتيبات دقيقة لإخراج نحو 280 مقاتلاً، بينهم قادة ميدانيون، بعيداً عن أعين قيادتهم.

وتولت القوات المسلحة السودانية الإشراف على العملية وتأمين وصول المجموعة إلى العاصمة، قبل إيداع أفرادها في معسكرات منفصلة لاستكمال الإجراءات الأمنية والعسكرية اللازمة، تمهيداً لإدماجهم في الجيش.

وتكشف طريقة تنفيذ الانشقاق أن الجيش السوداني لم يعد يكتفي بمواجهة مليشيا الدعم السريع في ميادين القتال، بل يعمل أيضاً على اختراق بنيتها الداخلية واستقطاب وحداتها وقادتها.

وتشير تقارير سودانية إلى أن المجموعة قدمت من دارفور، ووصلت بكامل عتادها العسكري، بما في ذلك ما بين 30 و32 عربة قتالية.

ويعني خروج قوة بهذا الحجم بصورة منظمة وجود قنوات اتصال فاعلة داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، فضلاً عن القدرة على توفير ممرات آمنة وضمانات للراغبين في مغادرة صفوفها.

وتتضاعف أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى توقيتها؛ إذ تمر مليشيا الدعم السريع بمرحلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع التوترات السياسية داخل تحالف "تأسيس"، والتنافس على النفوذ والمواقع، فضلاً عن تراجع وضوح المشروع السياسي الذي تقاتل باسمه، بحسب تصريحات منشقين سابقين.

وقال الباحث والمحلل السياسي السوداني الأمين عبد الرازق، في حديثه لـ"الاستقلال": إن انشقاق المجموعة التي تضم نحو 280 مقاتلاً عن مليشيا الدعم السريع يحمل دلالات تتجاوز عدد أفرادها، إذ يبعث برسالة إلى بقية المقاتلين بأن مغادرة صفوف الدعم السريع أصبحت خياراً ممكناً، في ظل استعداد الجيش لتأمين ممرات آمنة واستيعاب المنشقين، وهو ما قد يدفع مجموعات أخرى إلى إعادة حساباتها، خاصة إذا تكررت الانشقاقات بصورة جماعية وبصحبة العتاد العسكري.

وأضاف أن قيادة الدعم السريع ستكون مضطرة، في المقابل، إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وإعادة ترتيب قياداتها، وفرض رقابة أكبر على الوحدات الميدانية، وهي خطوات قد تُحدّ من مرونتها العملياتية، وتزيد من حالة الشك وعدم الثقة داخل صفوفها.

وأوضح عبد الرازق أن أهمية هذه المجموعة لا ترتبط بعدد أفرادها فقط، بل أيضاً بخلفيتها الميدانية، فإذا كانت قد خرجت بالفعل من دارفور وشاركت في معارك كردفان، فإنها تمتلك معرفة دقيقة بخطوط الإمداد والممرات التي تربط الإقليمين، وهي شرايين حيوية تعتمد عليها مليشيا الدعم السريع في تحريك المقاتلين والذخائر والوقود.

ولذلك، فإن تكرار مثل هذه الانشقاقات في تلك الجبهات قد ينعكس على القدرات اللوجستية لمليشيا الدعم السريع أكثر من تأثيره المباشر في الخرطوم.

ويرى أن التداعيات لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى البعد السياسي؛ لأن استمرار خروج القادة والمقاتلين يضعف صورة حكومة نيالا بصفتها مظلة سياسية متماسكة لمليشيا الدعم السريع، ويكشف عن وجود تباينات وصراعات داخلية حول القيادة وتقاسم النفوذ والموارد.

لكنه حذر، في الوقت نفسه، من أن استيعاب المنشقين دون آليات واضحة للتحقق والمساءلة قد يثير إشكالات قانونية وسياسية، لا سيما إذا كان بعضهم يواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الحرب.

وختم عبد الرازق بالقول: إن انشقاق مجموعة الـ280 لا يعني بالضرورة أن مليشيا الدعم السريع دخلت مرحلة الانهيار، لكنه يمثل مؤشراً مهماً على انتقال التصدعات من مستوى الأفراد إلى مستوى الوحدات القتالية.

وأكد أن الحكم على الأثر الحقيقي لهذه الخطوة سيظل مرتبطاً بما إذا كانت ستتبعها انشقاقات مماثلة في دارفور وكردفان، وبحجم القيادات والعتاد الذي سيخرج مع تلك المجموعات؛ لأن ذلك وحده سيحدد ما إذا كانت الانشقاقات قد تحولت إلى عامل إستراتيجي في مسار الحرب، أم ستظل مكاسب تكتيكية محدودة.

السافنا والقبة

في 11 مايو/أيار 2026، انشق القائد الميداني البارز في مليشيا الدعم السريع علي رزق الله، المعروف بـ"السافنا".

ولم يكن "السافنا" قائداً ميدانياً عادياً داخل المنظومة القتالية لحميدتي؛ إذ ارتبط اسمه بملفات حساسة، شملت تجنيد مقاتلين أجانب من تشاد والنيجر وجنوب السودان، إلى جانب إدارة مسارات الإمداد والحشد في غرب وشمال كردفان.

كما يتمتع بثقل قبلي داخل فرع المحاميد من قبيلة الرزيقات التي تعد إحدى أبرز الحواضن الاجتماعية التي استندت إليها المليشيا المتمردة في دارفور.

وزاد من وقع هذه الضربة على المليشيا المدعومة إماراتياً أن انشقاقه جاء بعد أسابيع فقط من انشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"القبة"، أحد أبرز قادة الدعم السريع في دارفور، وفي وقت كانت تتحدث فيه تقارير ميدانية عن استسلام مجموعات كاملة من المقاتلين في كردفان ودارفور، وسط تراجع ميداني متواصل وخلافات داخلية تتعلق بالقيادة والنفوذ وتقاسم الموارد.

كيف بدأت موجة الانشقاقات؟

ورغم أن الحرب الأهلية السودانية اندلعت في أبريل/نيسان 2023، فإن الانشقاقات المؤثرة داخل مليشيا الدعم السريع لم تظهر بصورة علنية وواسعة إلا خلال النصف الثاني من عام 2024، بالتزامن مع تغير موازين المعركة وبدء الجيش السوداني استعادة زمام المبادرة في عدد من الجبهات.

وجاء التحول الأبرز في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، عندما أعلنت القوات المسلحة السودانية انشقاق القائد أبو عاقلة كيكل، قائد مليشيا الدعم السريع في ولاية الجزيرة، وانضمامه إلى الجيش مع عدد من أفراده.

ووصفت وكالة "رويترز" هذه الخطوة حينها بأنها "أول انشقاق لقائد كبير" داخل مليشيا الدعم السريع منذ اندلاع الحرب.

وكان كيكل، وهو ضابط سابق في الجيش السوداني، يقود قوات "درع السودان" المتحالفة مع الدعم السريع في وسط البلاد، قبل أن يغير ولاءه مع تقدم الجيش في ولايتي سنار والجزيرة.

ووفقاً لتحليل نشره مشروع بيانات النزاعات المسلحة (ACLED)، ومقره ولاية ويسكونسن الأميركية، فإن انشقاق كيكل شكل نقطة تحول مهمة أسهمت في تسريع انهيار مواقع الدعم السريع في ولاية الجزيرة، ومهدت الطريق أمام تقدم الجيش لاحقاً نحو الخرطوم.

ولم يكن رد فعل مليشيا الدعم السريع على انشقاق كيكل عادياً؛ إذ تحدثت "رويترز" ومنظمة العفو الدولية عن هجمات انتقامية نفذتها القوات ضد قرى ومناطق في شرق الجزيرة عقب انشقاقه، في مؤشر على حجم الارتباك الذي أحدثه داخل المنظومة العسكرية للقوات.

سبب الانشقاقات

لكن هذه الانشقاقات لم تكن مجرد رد فعل على الخسائر العسكرية أو تبدل موازين المعركة، بل كشفت أيضاً عن أزمة أعمق ظلت تتشكل بصمت داخل البنية القبلية والتنظيمية لمليشيا الدعم السريع.

فمنذ نشأة هذه المليشيا، اعتمدت بنيتها على تحالفات قبلية معقدة داخل دارفور، لا سيما بين فروع قبيلة الرزيقات، إلا أن الحرب الأخيرة أعادت إحياء تنافسات تاريخية ظلت كامنة لسنوات.

وتشير معطيات ميدانية إلى أن هجوم الدعم السريع على منطقة "مستريحة"، معقل الزعيم القبلي موسى هلال في شمال دارفور، كان من أبرز المحطات التي عمقت الانقسام داخل الحاضنة الاجتماعية للقوات.

فالهجوم الذي أسفر عن سقوط عشرات القتلى، أعاد إلى الواجهة الصراع القديم بين المحاميد، التي ينتمي إليها موسى هلال، والماهرية، التي ينتمي إليها محمد حمدان دقلو "حميدتي" وشقيقه عبد الرحيم.

وبحسب تقارير محلية ومصادر ميدانية، لعب موسى هلال دوراً مهماً خلال الفترة الأخيرة في تحييد عدد من أبناء المحاميد داخل مليشيا الدعم السريع، وإقناع بعض القيادات بمغادرة القوات أو التزام الحياد، وهو ما ظهر بوضوح في انشقاق "القبة" ثم "السافنا".

كما كشفت تسجيلات صوتية وتصريحات أدلى بها بعض القادة المنشقين عن وجود حالة متزايدة من السخط تجاه هيمنة عبد الرحيم دقلو، شقيق حميدتي والرجل الثاني في الدعم السريع، على مفاصل القرار داخل المليشيا، لا سيما ما يتعلق بالتسليح والتمويل والعلاج والمرتبات.

وتشير تقارير نشرتها وسائل إعلام عربية وأجنبية إلى أن عدداً من القيادات الميدانية بات ينظر إلى الدعم السريع بصفته تنظيماً تهيمن عليه دائرة ضيقة، في ظل تراجع نفوذ القيادات المحلية والقبلية التي شكلت ركيزة الانتشار الميداني للقوات في دارفور وكردفان.

ويرى مراقبون أن هذه الخلافات باتت تنعكس بصورة مباشرة على الأرض؛ إذ بدأت بعض المجموعات القبلية تتعامل مع الحرب باعتبارها معركة تخص قيادة بعينها داخل الدعم السريع، لا معركة تمثل جميع مكونات دارفور.