من العلمين إلى نيقوسيا.. كيف توازن مصر بين تركيا واليونان وقبرص؟

"ظهور جنود مصريين في العرض سيكون أكثر من مجرد لفتة بروتوكولية"
"سادت حالة من الذعر في إسرائيل أخيرا إزاء تشكيل تحالف مكة، غير أن التطورات ميدانيا اتخذت منحى مغايرًا بعد صدور توجيهات مباشرة من عبد الفتاح السيسي للجيش".
بهذه المقدمة، استهلّت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرها لافتة إلى أنه "للمرة الأولى، ستشارك قوة مصرية في الاستعراض العسكري السنوي بمناسبة عيد استقلال قبرص".
وبحسب التقرير العبري، "تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية التركية تحسنًا، لكنّها في المقابل تؤكد استمرار القاهرة في تعميق تعاونها الأمني مع نيقوسيا وأثينا".

مختلفة تمامًا
وذكرت الصحيفة أنه "للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين مصر وقبرص، من المقرر أن تشارك قوة من الجيش المصري في العرض العسكري الذي سيقام في نيقوسيا مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بمناسبة عيد استقلال جمهورية قبرص".
وأضافت: "سيسير الجنود المصريون إلى جانب أفراد الحرس الوطني القبرصي والقوات اليونانية المتمركزة في الجزيرة، في خطوة توصف في قبرص بأنها ذات دلالة رمزية خاصة، وتعكس مزيدا من تعميق التعاون الأمني بين القاهرة ونيقوسيا".
ونوَّهت إلى أن "هذه الخطوة تأتي في توقيت حساس بمنطقة شرق البحر المتوسط، على خلفية تحسن العلاقات بين مصر وتركيا والنقاش الإقليمي حول ما يعرف باتفاق مكة".
ومن ثمّ، تقدر أنه "رغم مساعي أنقرة للتقارب مع القاهرة وتوسيع نطاق التعاون معها، يؤكّد العرض العسكري في قبرص أن مصر لا تتخلى عن محورها القائم مع قبرص واليونان".
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن "مصادر قبرصية وصفت مشاركة القوة المصرية بأنّها خطوة تتجاوز دلالتها حدود المراسم نفسها".
وشدَّدت على أن "مجرد الوجود العسكري المصري في عرض عيد الاستقلال يعكس مستوى الثقة بين البلدين، إلى جانب تعميق العلاقات الأمنية والإستراتيجية بينهما بصورة مستمرة".
وأوضحت الصحيفة أنَّ "المشاركة المصرية تأتي بعد نحو 49 عامًا من إحدى أكثر المحطات تدهورا في العلاقات بين البلدين، وهي العملية الفاشلة التي نفذتها قوة كوماندوز مصرية في مطار لارنكا في فبراير/ شباط 1978".
عندما أرسلت القاهرة قوة من القوات الخاصة لتحرير رهائن احتجزهم مسلحون عقب اغتيال الكاتب والصحفي المصري يوسف السباعي.
لكن غياب التنسيق مع السلطات القبرصية أدى إلى اشتباك مع الحرس الوطني القبرصي أسفر عن مقتل 15 عسكريًا مصريًا وتدمير طائرة النقل المصرية، وأدّى لاحقًا إلى أزمة وقطيعة دبلوماسية بين البلدين استمرَّت عدة سنوات.
وأردفت: "ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات بين القاهرة ونيقوسيا تحولا عميقا؛ إذ تقدم الدولتان اليوم نفسيهما بوصفهما شريكين تربطهما علاقات أمنية وسياسية وثيقة".
في هذا الصدد، ذكر التقرير أنّه "في أبريل/ نيسان 2026، اتفقت قبرص ومصر على توسيع نطاق التعاون الأمني، بما يشمل تعزيز العلاقات بين القوات المسلحة، وتبادل الوفود بين الكليات العسكرية، والتعاون بين الصناعات الدفاعية، وإنشاء لجنة مشتركة تتولى بحث التحديات الأمنية والتعاون العسكري".
واستطرد: "كما تجري الدولتان خلال السنوات الأخيرة تدريبات عسكرية مشتركة، إلا أن نيقوسيا تشدد على أن مشاركة قوة مصرية في الحدث الوطني الرئيس للبلاد تحمل دلالة سياسية ورمزية مختلفة تماما".
ركن ثابت
وربطت الصحيفة بين هذا القرار وبين اجتماع العلمين الأخيرة، قائلة: "أعلن عن هذه الخطوة بعد وقت قصير من اجتماع ثلاثي غير رسمي عُقد في العلمين بين الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، والسيسي، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس".
وفي ختام اللقاء، أصدر الثلاثة بيانا مشتركا ركز على التعاون في شرق البحر المتوسط، وضرورة الحفاظ على التنسيق المستمر بين الدول الثلاث.
وبحسب تقديرها، "تمثلت الرسالة الرئيسة في أن التقارب بين مصر وتركيا لا يأتي على حساب المحور القبرصي اليوناني المصري".
في المقابل، تعتقد الصحيفة أن "قبرص رأت في هذا الموقف رسالة واضحة مفادها أن القاهرة، حتى مع تحسين علاقاتها مع أنقرة، تواصل النظر إلى الشراكة مع نيقوسيا وأثينا بوصفها ركنا إستراتيجيا ثابتا في سياستها الإقليمية".
في هذا الإطار، قالت الصحيفة إنه "من بين اللحظات التي حظيت باهتمام خلال الزيارة، ما حدث في المعرض الجوي بالعلمين، عندما غادر أفراد الوفد التركي جناحهم أثناء مرور خريستودوليدس والسيسي بالقرب منه".
ووفقا لها، "حظي هذا الحدث في قبرص بقراءة رمزية إضافية في ظل العلاقات المعقدة مع تركيا".
علاوة على ذلك، "جددت الدول الثلاث في البيان المشترك على موقفها من النزاع القبرصي، وأعرب خريستودوليدس والسيسي وميتسوتاكيس عن دعمهم لاستمرار جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي للتوصل إلى تسوية شاملة في إطار الأمم المتحدة، وعلى أساس قرارات مجلس الأمن".
وبحسب البيان، فإن التوصل إلى حل نهائي للقضية القبرصية من شأنه أن يسهم بشكل كبير في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وعقّبت الصحيفة: "تكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل كون تركيا القوة الرئيسة الداعمة للكيان التركي في شمال الجزيرة (جمهورية شمال قبرص التركية)، الذي لا يحظى باعتراف معظم المجتمع الدولي".

صورة ملموسة
بالإضافة إلى ذلك، ذكر التقرير أن "القادة الثلاثة خصصوا جانبا مهما من بيانهم لقضية القانون البحري التي تعد إحدى أبرز نقاط الخلاف في المنطقة".
وأكدوا أن "الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المتعلقة بترسيم مناطق الولاية البحرية يجب أن تبرم بما يتوافق مع القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار".
وعلق التقرير: "ينسجم هذا الموقف مع مواقف قبرص واليونان ومصر التي تبنتها على مدار السنوات الماضية في مواجهة التحركات التركية في شرق البحر المتوسط، ولا سيما فيما يتعلق بترسيم المناطق الاقتصادية والحقوق المرتبطة بالتنقيب عن مصادر الطاقة واستخراجها".
ووصف خريستودوليدس التعاون الثلاثي بأنه إطار يقوم على الثقة المتبادلة والأهداف والتطلعات المشتركة، وقال: إنه اكتسب على مدار السنوات "عمقا إستراتيجيا".
وأضاف أن هذا النموذج يستند إلى أربعة ركائز هي الاستقرار والربط والتواصل والأمن والتعاون الإقليمي.
من جانبه، قال السيسي: إن الدول الثلاث تتشارك مبادئ وقيما مشتركة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي.
كما ناقش الاجتماع سبل توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية، ومشروع الربط الكهربائي بين الدول الثلاث، والتعاون في مجالات الصناعة والابتكار والبنية التحتية، إلى جانب توسيع نطاق التعاون الأمني والعسكري.
بدوره، شدد ميتسوتاكيس على أن الآلية الثلاثية تمثّل "ركيزة للأمن"، لكنه حرص على توضيح أنها لا تستهدف أي دولة أخرى، وإنما تهدف إلى تعزيز أجندة إيجابية قائمة على الاستقرار والتعاون.
في المحصلة، ترى "يديعوت أحرونوت" أن "الدلالة الأوسع لهذه الخطوة تتمثل في أن التقارب بين مصر وتركيا لا يلغي شبكة العلاقات التي بنتها القاهرة خلال العقد الأخير مع قبرص واليونان".
بالنسبة إلى إسرائيل، انتقدت الصحيفة "الأصوات التي سارعت إلى تفسير التطورات الأخيرة في العلاقات بين تركيا ومصر ودول أخرى في المنطقة بوصفها تهديدا للترتيبات الإستراتيجية القائمة في شرق البحر المتوسط".
فوفقا لها، "يأتي قرار مصر إرسال قوة عسكرية للمشاركة في العرض العسكري القبرصي ليقدم صورة أكثر تعقيدا؛ إذ تواصل القاهرة الحوار مع أنقرة، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على شراكتها الأمنية مع نيقوسيا وأثينا وتعمل على تعميقها".
وبهذا المعنى، خلصت إلى أنّ "ظهور جنود مصريين في عرض عيد الاستقلال القبرصي سيكون أكثر من مجرد لفتة بروتوكولية".
واستطردت: "إذ سيقدم صورة ملموسة عن موازين القوى الجديدة في المنطقة؛ حيث تسعى مصر إلى الحفاظ على هامش من حرية الحركة في علاقاتها مع جميع الأطراف، دون التخلي عن التحالفات التي سبق أن أرستها".

















