الحشيش أم الإتاوة؟ تناقض الروايات في قضية "بائع مدينة نصر وزوجته" يثير جدلا واسعا

شدوى الصلاح | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بين صرخة استغاثة رقمية أطلقتها امرأة عبر شاشات الهواتف المحمولة، وبيان رسمي حازم صادر عن أروقة وزارة الداخلية المصرية، تحولت استغاثة دينا عزت زوجة شاب معتقل من واقعة ضبط إلى قضية رأي عام تختزل صراع الروايات، وتخلّف مشهدا ضبابيا تتأرجح فيه الحقيقة بين النفي والإثبات.

فبينما كانت مقاطع الفيديو التي نشرتها دينا على منصات التواصل تبث تفاصيل مأساوية عن اقتحام مسكنها وسرقة متعلقاتها واعتقال زوجها تعسفياً، جاء بيان وزارة الداخلية ليرسم صورة مغايرة تماماً لتاجر مخدرات ضُبط متلبساً بالحشيش والآيس، ما يبرز تناقض سردية الاستغاثة وسردية الضبط القانوني.

قالت دينا في مقطع فيديو: "أنا بناشد المسؤولين وبناشد كل واحد عنده ضمير يلحقني. يوم 26 يوليو، دخلت قوة أمنية تابعة لقسم شرطة أول مدينة نصر شقتي، وكسروا الباب وأخدوا جوزي. هما مش واخدينه عشان عامل حاجة، هما واخدينه عشان رفض يدفع "إتاوة" لبعض أفراد القوة الأمنية اللي بتضايقه في أكل عيشه كبائع متجول. 

وأضافت: "مش بس كدة، القوة اللي اقتحمت البيت استولت على مبالغ مالية كانت شقانا وتحويشة العمر، وسرقوا مشغولات ذهبية تخصني من الشقة.. جوزي بريء ولبسوه قضية مفيش ليها أي أساس من الصحة، وأنا مهددة وبطلب الحماية".

في المقابل، كذبت وزارة الداخلية المصرية رواية دينا، قائلة إن الحقيقة تعود إلى 26 يوليو 2026؛ حيث ضبطت قوة الزوج (بائع متجول) متلبسًا بتعاطي مواد مخدرة وعثر بحوزته على حشيش، واعترف بالاتجار وأرشد عن كميات أخرى (آيس وحشيش) ومبالغ وسلاح أبيض داخل المسكن. 

وأكدت أنه عُثر بداخل المنزل عقب تقنين الإجراءات على كمية من مخدر "الآيس"، وكمية إضافية من الحشيش، ومبالغ مالية من متحصلات البيع، وسلاح أبيض، وقد عُرض المتهم على النيابة العامة في حينه والتي قررت حبسه على ذمة التحقيقات. 

وأضافت الداخلية المصرية أن قيام الزوجة بنشر تلك الفيديوهات بعد مرور شهرين من الواقعة يعد محاولة يائسة للتأثير على سير التحقيقات القضائية والتشكيك في الإجراءات القانونية".

وفي 22 سبتمبر/أيلول 2026، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على دينا زوجة المتهم، ونشر محاميها بيانا قال فيه: إن نشرها الفيديوهات فعل طائش من فتاة صغيرة (23 عامًا) لم يمر على زواجها سوى 3 أشهر، بسبب حرقة قلبها على زوجها، وتم تقديم ما يفيد بطلان القبض والتفتيش. 

وأشارت إلى أن  الزوج (يوسف عبد السميع الشهير بيوسف السوري) معروض منذ 26 يوليو 2026 في القضية رقم 11561 لسنة 2026، لافتا إلى أن دينا توجهت برفقة محاميها مصطفى غريب وسُلمت طواعية.

وجاء توضيح المحامي لأن دينا سلمت نفسها طواعية، عقب تداول مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي يقول عارضوها إنها تم سحلها أثناء القبض عليها.

ويظهر التناقض الجذري في هذه القضية من خلال نقطتين أساسيتين، الأولى هي طبيعة الضبط ورواية دينا التي تقول فيها إنها (تلفيق انتقامي بسبب إتاوة ضد بائع متجول) مقابل رواية الداخلية (ضبط متلبس بالشارع بالصدفة ثم تفتيش قانوني للمنزل).

أما التناقض الثاني فكان حول المفقودات والمضبوطات؛ إذ قالت دينا: إنه تم (سرقة مشغولات ذهبية وأموال من قبل الشرطة) في مقابل تأكيد الداخلية إنها تم (تحريز أموال مخدرات وسلاح أبيض ومخدر الآيس والحشيش كأدلة جريمة).

ملاذ أخير

وركز ناشطو منصات التواصل، على الجانب الإنساني في صوت دينا عزت المليء بالبكاء والخوف، ورأوا في نبرتها دليلاً على حالة يأس عميق دفعت امرأة مصرية بسيطة إلى اللجوء للبث المباشر واستدعاء الرأي العام، بعدما شعرت بعجزها عن مواجهة نفوذ بعض أفراد الشرطة محلياً.

وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #دينا_عزت، #الداخلية_المصرية، وغيرها، أن تصرفها  يعكس انسداد السبل الرسمية أمامها، وأن نشر الفيديوهات جاء كملاذ أخير للبحث عن حماية مجتمعية.

روايات متناقضة

وسلط ناشطون وحركات ثورية الضوء على  التناقض بين رواية دينا عزت، وبين بيان وزارة الداخلية المصرية (الذي أكد ضبط زوجها متلبساً بمخدرات وسلاح في يوليو الماضي، ونفى صحة ادعاءاتها، ثم اتهمها بنشر أخبار كاذبة)، معربين عن تضامنهم معها.

وأبرزوا أن الروايتين متناقضتان جذرياً في التفاصيل الأساسية: التوقيت، طبيعة الواقعة، وجود سرقة أم ضبط قانوني، وما إذا كانت الاتهامات تلفيقاً أم حقيقة مثبتة بالتحريات والاعترافات.

وعد ناشطون رواية دينا دليلاً على تجاوزات أمنية متكررة وانتهاك حرمة المنازل، بينما رأى آخرون أنها محاولة لتبرئة زوجها المتهم بالاتجار، وأن التناقضات في كلامها (حول مصادر الأموال والذهب والوضع المعيشي) تضعف روايتها أمام الرواية الرسمية.

مطالبات بالتحقيق

وطالب ناشطون بإطلاق سراح دينا عزت وفتح تحقيق مستقل ومحايد من النيابة العامة في واقعة مداهمة منزلها، وتداولوا مقاطع فيديو توثق لحظة اقتحام قوة الداخلية للمنزل، مقدرين أن اتهامات الإتاوة والاستيلاء على أموال ومشغولات ذهبية لا يمكن تجاهلها أو الاكتفاء ببيان رسمي.

وشددوا على ضرورة فحص كاميرات المراقبة المحيطة بالمنزل لتوثيق سلوك القوة الأمنية أثناء الاقتحام، والتأكد من وجود إذن نيابة أو حالة تلبس تبرر التفتيش، وتحدث آخرون عن الإجراءات القانونية وعدم سلامتها.

كما تداولوا  فيديو يُظهر لحظة اعتقال أو سحل سيدة، وربطه عدد من الحسابات الشخصية بدينا عزت، عادين المشهد دليلا على "بلطجة" و"انتهاك" و"انتقام" من امرأة فضحت تجاوزات رجال الشرطة، ووصفوا الداخلية بـ"عصابة" أو "وزارة الإرهاب".

في المقابل، أكد آخرون أن المقطع مفبرك وقديم وأن دينا عزت سلّمت نفسها برفقة محاميها دون سحل أو تجاوزات، وأن الاتهامات الأصلية تتعلق بنشر أخبار كاذبة بعد ضبط زوجها في قضية مخدرات، إلا أنهم طالبوا بإيضاحات حول حقيقة الفيديو المتداول وهوية السيدة المسحولة.

خالد جديد

واستحضر ناشطون سيناريو الأحداث مع خالد سعيد عام 2010، وربطوه بطريقة تعامل الأجهزة الأمنية في مصر مع شكاوى المواطنين؛ حيث تتحول الشكوى إلى طعن في سمعة الضحية أو أسرته واتهامه بالمخدرات.

ورأوا أن الفيديوهات التي نشرتها دينا عزت عن اقتحام منزلها والقبض على زوجها وتلفيق قضية مخدرات له، وما تلاها من حملة تشويه واتهامات بنشر أخبار كاذبة ثم القبض عليها، يذكر بسيناريو خالد سعيد.

وخالد محمد سعيد شاب مصري من الإسكندرية وُلد عام 1982، قُتل في 6 يونيو 2010 بعد أن اقتاده مخبران من قسم شرطة سيدي جابر من مقهى إنترنت وضرباه حتى الموت أمام شهود، وفق روايات عائلته وشهود عيان. 

وادعت الشرطة المصرية أنه توفي اختناقاً بعد ابتلاع لفافة مخدرات، وأنه كان مطلوباً في قضايا سابقة، بينما أكدت العائلة ومنظمات حقوقية أنه تعرض للتعذيب. 

وأثارت صور جثته المشوهة غضباً شعبياً واسعاً، وأدت إلى إنشاء صفحة "كلنا خالد سعيد" على فيسبوك التي أسهمت في حشد الاحتجاجات التي سبقت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وحكمت محكمة جنايات الإسكندرية لاحقاً على الضابطين بالسجن سبع سنوات ثم رفعت العقوبة إلى عشر سنوات بعد إعادة المحاكمة، وأُيد الحكم نهائياً. 

وأصبحت القضية رمزاً لانتهاكات الشرطة في ظل قانون الطوارئ، وأحد الشرارات الرئيسة التي أشعلت الثورة المصرية. 

قانون حاتم

واستخدم ناشطون في تعليقهم على واقعة دينا عزت وزوجها العبارات الشهيرة من فيلم "هي فوضى" ومنها "قانون حاتم"، "مفيش حاتم بيتحاكم"، "أنا القانون" وغيرها، عادين أن ما حدث يعيد إنتاج صورة أمين الشرطة المستبد الذي يفرض إرادته دون محاسبة.

وفيلم "هي فوضى" (2007) من إخراج يوسف شاهين وخالد يوسف وكتابة ناصر عبد الرحمن، يدور حول أمين شرطة يُدعى حاتم (أداء خالد صالح) في حي شعبي، يستغل منصبه للرشوة والابتزاز والتعذيب والقمع الجنسي والسياسي، مردداً عبارات مثل "اللي مالوش خير في حاتم مالوش خير في مصر" و"ما فيش قانون هنا غير قانون حاتم". 

وتمثل الشخصية نموذج الفساد البوليسي في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وتنتهي الأحداث بثورة أهل الحي على القسم وقتل حاتم، في إسقاطٍ تنبّأ بأحداث لاحقة. 

وأصبح "حاتم" رمزاً متكرراً في الخطاب الشعبي للإشارة إلى أي تجاوز أمني يُنظر إليه على أنه بلا رادع.