العراق.. دعوة لتعديل الدستور تثير الجدل بشأن المحاصصة ومستقبل النظام السياسي

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أعادت دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان، إلى تعديل بعض أحكام دستور عام 2005، الجدل بشأن مستقبل النظام السياسي القائم، وإمكانية معالجة الاختلالات الدستورية التي أسهمت في تعطيل الاستحقاقات السياسية في مرات عديدة.

وتأتي دعوة زيدان بعد 21 عاما على الاستفتاء على الدستور الدائم للبلاد الذي كُتب عقب الاحتلال الأميركي عام 2003، وسط تساؤلات عن استعداد القوى النافذة لمراجعة القواعد التي تحكم تشكيل الحكومات وانتخاب الرئاسات.

وتتركز أبرز الإشكالات المطروحة حول تفسير مفهوم الكتلة النيابية الأكبر المعنية بتشكيل الحكومة، وأغلبية الثلثين المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية داخل البرلمان، والالتزام بالمواعيد الدستورية.

وبينما يرى مؤيدون أن التعديل قد يحد من الانسداد السياسي، يحذر آخرون من استغلاله لتكريس المحاصصة أو منح الممارسات القائمة غطاء دستوريا، في ظل تعثر محاولات المراجعة السابقة.

اختبار التعديل

تضع دعوة زيدان الدستور في قلب نقاش متجدد بشأن أسباب تعثر تشكيل الحكومات وانتخاب الرئاسات الثلاث (البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية)، ومدى ارتباط الأزمات السياسية بعيوب النصوص أو بطريقة تطبيقها.

وتعيد الدعوة طرح مسؤولية البرلمان والقوى السياسية عن معالجة الإشكالات الدستورية، خصوصا أن مراجعات سابقة لم تنجح في تحقيق تغييرات جوهرية، رغم تكرار المطالبات بالإصلاح.

وتنص المادة 142 على تشكيل لجنة نيابية للتعديلات الدستورية تراعي تمثيل مكونات الشعب العراقي، على أن تقدم مقترحاتها للتصويت البرلماني قبل عرضها على الاستفتاء الشعبي.

وسبق أن تشكلت لجنة عام 2007، ثم لجنة أخرى عقب احتجاجات تشرين عام 2019، لكنهما لم تتمكنا من إنجاز تعديلات جوهرية، فيما بقيت مشاريع أعدتها جهات رسمية داخل أدراج المؤسسات المعنية.

وبحسب خبراء، فإن نحو 30 بالمئة من النصوص الدستورية تعرضت للتعطيل، ما يعزز التساؤلات بشأن ما إذا كانت المشكلة تكمن في النصوص ذاتها أم في غياب الالتزام السياسي بتطبيقها. فوجود آليات دستورية للتعديل لا يعني بالضرورة أن القوى النافذة مستعدة لاستخدامها بطريقة تؤدي إلى تغيير قواعد توزيع السلطة وممارسة النفوذ.

وقال كاظم ياور، رئيس مؤسسة "دستورنامه" للدراسات الديمقراطية في العراق، لـ"الاستقلال": إن الدستور العراقي يتضمن مواد تتيح إجراء تعديلات عليه، لكن وفق آليات معقدة.

وأضاف ياور أن العملية السياسية القائمة على الدستور الحالي واجهت مشكلات دستورية عديدة على مستوى تطبيق القوانين وتفسير النصوص الدستورية، لا سيما ما يتعلق بصلاحيات الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان والبرلمان ومجلس القضاء الأعلى وبقية مؤسسات الدولة.

وأوضح ياور أن هذه الإشكالات أسهمت في تكوين قناعة بضرورة تغيير الدستور أو تعديله في مرحلة ما، إلا أن الجهات التي تدعو إلى ذلك تختلف في أهدافها وغاياتها.

وأشار إلى أن بعض الأطراف تسعى إلى كسب المزيد من المواقع والمناصب السياسية، فيما تحاول أطراف أخرى إضفاء شرعية على الممارسات الخاطئة في تطبيق الدستور، والتي أدت إلى تكريس الانقسامات الطائفية داخل مؤسسات الدولة العراقية، بما فيها المؤسسات القضائية.

ولفت ياور إلى أن المحاصصة الطائفية والحزبية، حتى وإن لم تُذكر صراحة في القوانين، ما زالت تؤثر في توزيع المناصب ورئاسات المؤسسات القضائية وغيرها من مؤسسات الدولة؛ إذ تحكم هذه العملية حسابات سياسية وطائفية ضيقة يصعب تجاوزها في مراحل مختلفة.

وأضاف الباحث أن بعض الجهات تحاول، من خلال الدعوة إلى تعديل الدستور، إضفاء غطاء دستوري على هذه الممارسات التي استمرت لأكثر من 20 عاما، رغم ما تسببت به من مشكلات سياسية واقتصادية وبنيوية داخل مؤسسات الدولة العراقية.

وأكد ياور أنه إذا انطلقت الدعوات إلى تعديل الدستور من هذه الرغبات، فإنها ستؤدي إلى ظهور مشكلات جديدة، ولن تفضي إلى نتائج يرضى عنها الشعب العراقي أو تحقق تطلعاته.

وختم ياور بالقول: إن تعديل الدستور يمكن أن يكون خطوة صحيحة إذا جرى وفق آليات رصينة، بعيدا عن المصالح السياسية الضيقة ومحاولات إضفاء الشرعية على ممارسات تتعارض مع أحكام الدستور. لكنه حذّر من أن إسناد هذه المهمة إلى المؤسسات الخاضعة للمحاصصة، مثل البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية، لن يؤدي إلى تعديلات تحظى بقبول الشعب العراقي أو تسهم في تحسين قواعد العملية السياسية وتغييرها نحو الأفضل.

معضلة التوازن

تتصل الإشكالات الدستورية بمفاصل أساسية في تشكيل السلطات، وفي مقدمتها تفسير المادة 76 المتعلقة بتكليف رئيس الوزراء. فقد أثار تفسير المحكمة الاتحادية الصادر عام 2010 جدلا بشأن المقصود بالكتلة النيابية الأكبر، وما إذا كانت القائمة الفائزة بالانتخابات أو التحالف الذي يتشكل داخل البرلمان بعد إعلان النتائج.

وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي، في تصريح لوكالة "شفق نيوز" العراقية في 22 أكتوبر/ تشرين الأول: إن "التفسير القضائي لعام 2010 حرف مفهوم الكتلة الأكبر من القائمة الفائزة بالانتخابات إلى الكتلة التي تتشكل بعدها داخل البرلمان، مما كرس هيمنة المكون الواحد وجعل العملية السياسية تدور في دوامة مفرغة".

وأضاف الفيلي أن النظام السياسي بحاجة إلى تعديل يتيح انقسام القوى النيابية إلى أغلبية حاكمة ومعارضة، كما طرح زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر. ودعا كذلك إلى معالجة شرط تصويت ثلثي البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية، الذي قال إنه أوجد ما يشبه "الثلث المعطل" في لبنان.

ورأى الفيلي أن الطموح إلى تغيير شكل النظام يصطدم بغياب الثقة ورغبة بعض الأطراف في إقحام فقرات لحظية أثرت على مسار التوافق. ويشير هذا الطرح إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بتعديل صياغة المواد، بل بتأثيرها في قدرة الأطراف السياسية على تشكيل الحكومات وحسم المناصب، وطبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان.

وفي مقابلة تلفزيونية بتاريخ 17 أكتوبر/ تشرين الأول، رأى المحلل السياسي علي ناصر أن بعض القوى تستفيد من استمرار الدستور بصيغته الحالية، خصوصا في ظل غياب الجزاءات الواضحة عند تجاوز المدد الدستورية لتشكيل الحكومات وحسم المناصب. ورأى أن التنافس على الوزارات والمواقع السياسية، وتغليب التوافقات الحزبية، يضعفان فرص إنجاز التعديلات.

واستبعد ناصر تحقيق تقدم ملموس خلال المرحلة الحالية، رغم الحاجة إلى مراجعة دستورية حقيقية. ويضع هذا التقدير جدية الدعوة أمام اختبار سياسي يتمثل في مدى استعداد القوى المستفيدة من الآليات الحالية لقبول قواعد جديدة قد تحد من قدرتها على تعطيل الاستحقاقات أو التحكم في توزيع المناصب.

وتبقى معضلة التوازن حاضرة عند التفكير في تعديل المواد المتعلقة بالكتلة الأكبر وانتخاب رئيس الجمهورية والأغلبية البرلمانية. لذلك، فإن التغييرات التي تهدف إلى تسريع تشكيل السلطات تحتاج إلى مراعاة ضمانات مشاركة المكونات العراقية، وتفادي تحويل الأغلبية إلى وسيلة لإقصاء الأطراف الأخرى.

بدائل النظام

لا ينحصر النقاش في تعديل مواد محددة، بل يمتد إلى طبيعة النظام السياسي وقدرته على تجاوز الأزمات المتكررة. وفي هذا السياق، يشير الخبير القانوني علي التميمي إلى أن التجربة أثبتت عجز النظام البرلماني بصيغته الحالية، ويدعو إلى تبني النظام المختلط، على غرار النموذج الفرنسي، بوصفه خيارا أكثر واقعية.

ويقترح التميمي، خلال تصريح صحفي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول، انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب ومنحه صلاحيات واسعة، بما يتطلب تعديل المادة 73، على أن يتولى رئيس الوزراء المكلف من البرلمان إدارة الحكومة.

كما يدعو إلى معالجة المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها التي انتهت مهلتها عام 2007. ويطرح هذا التصور تغييرا أوسع من مجرد إصلاح آليات تشكيل الحكومات، لكنه لا يحسم مدى استعداد القوى السياسية لتبنيه.

ويثير طرح النظام المختلط سؤالا بشأن ما إذا كان تعثر النظام البرلماني ناتجا عن طبيعة تصميمه، أم عن عدم الالتزام بالنصوص القائمة واستخدام التوافقات الحزبية لتعطيل الاستحقاقات. فالتوجه نحو نظام رئاسي أو مختلط يتطلب بدوره إعادة تحديد الصلاحيات وضمانات المشاركة والمساءلة، ولا يكفي وحده لضمان إنهاء الخلافات السياسية.

وقال الكاتب نوري حمدان: إن دعوة زيدان تستحق أن تتحول إلى نقاش جاد، لكنه شدد على أن وزنها لن يقاس بعدد بيانات التأييد، بل بظهور مقترحات محددة، وإعلان مسؤوليات المؤسسات ومواعيد عملها، وإتاحة الوثائق للجمهور، وإشراك المختصين والمجتمع المدني، ثم الالتزام بالاستفتاء حيث يُوجِبُه الدستور.

وأضاف حمدان، خلال مقال نشرته صحيفة "العالم الجديد" العراقية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول، أن المراجعة التي تصنعها تفاهمات مغلقة ستواجه من جديد سؤال المشاركة الذي صاحب الولادة الأولى.

ودعا حمدان البرلمان إلى توضيح مصير المراجعات السابقة، متسائلا عن المواد التي نوقشت، وما بقي مختلفا عليه، وما إذا كانت المقترحات قد حُسمت وفق المسار المقرر.

ورأى الكاتب أن هذه الأسئلة ليست إغراقا في الماضي، بل شرط لفهم نقطة البداية القانونية والسياسية لأي محاولة جديدة، مؤكدا صعوبة إقناع المواطن بوعد إصلاح آخر ما دامت نتائج الوعد السابق بعيدة عن اطلاعه.

وشدد حمدان على أن قيمة الدستور لا تنحصر في تنظيم مواعيد توزيع المناصب، بل تشمل تحديد كيفية استمداد السلطة شرعيتها ومحاسبتها، وحماية المواطن عندما تختلف مصالحه مع مصالح الحاكم.

ودعا إلى السؤال عن أثر كل تعديل في قدرة الناس على الاختيار والرقابة والاعتراض، وعن تأثيره في استقلال المؤسسات والعدالة في إدارة الموارد، مقدرا أنها معايير للحكم على الإصلاح أيا كانت الجهة التي تقترحه.

وأضاف أن دستور عام 2005 ليس خارج النقد، وأن ذاكرة الخوف التي رافقت صياغته لا تجعل تسوياته معصومة. لكنه أكد أن إصلاحه يتطلب صدقية في الإجراءات، وضمانا للحقوق، وقدرة على بناء ثقة تتجاوز مساومات المواقع.

وخلص الكاتب إلى أنه بعد أكثر من عقدين، فإن العراقيين يستحقون معرفة أسباب تعثر وعد المراجعة، وما الذي سيجعل المحاولة المقبلة مختلفة في نتائجها، مشددا على ضرورة أن يشارك الشعب في فهم التعديلات ومناقشتها، وأن تتوافر لديه أسباب موثوقة للاعتقاد بأن صوته سيُحترم.