كردستان العراق.. خلافات الحزبين تهدد الحكم الذاتي وتفتح الباب أمام التدخلات الإقليمية

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مضى عامان على توجه ناخبي إقليم كردستان شمال العراق إلى صناديق الاقتراع عام 2024، ولم يتوصل "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني"، أكبر حزبين في الإقليم، إلى اتفاق لتشكيل الحكومة الجديدة.

ولا تزال حكومة تصريف أعمال انبثقت عن انتخابات سبتمبر/أيلول 2018 تدير شؤون الإقليم.

ويقود هذا الوضع الإقليم نحو انقسام عميق قد يصبح دائما، بعدما سئم شركاؤه القدامى في أوروبا والولايات المتحدة من الاختلالات القائمة، ولم يعودوا راغبين في أداء دور الحَكَم، ما يجعل الإقليم أكثر عرضة لتدخل القوى الإقليمية.

وفي تقرير له، أوضح معهد "تشاتام هاوس" البريطاني أن العقبة الرئيسة تكمن في انهيار الاتفاق الإستراتيجي المبرم بين الحزبين عام 2006، خلافا لما يُقال أحيانا عن خلافات هامشية بينهما على المناصب الوزارية.

وأضاف المعهد أن الحزبين لم يعودا يتشاطران الرؤية الأساسية نفسها لطريقة إدارة الإقليم، وأن الأطر الرسمية وغير الرسمية التي ربطتهما خلال العقدين الماضيين لم تعد فاعلة.

منطقتا نفوذ

وانقسم الإقليم فعليا إلى منطقتين جغرافيتين، يسيطر على كل منهما أحد الحزبين؛ فالحزب الديمقراطي يحكم محافظتي أربيل ودهوك، بينما يهيمن الاتحاد الوطني على السليمانية وحلبجة.

ولا تنفصل المنطقتان كليا كما كان الحال في حقبة الإدارتين المنقسمتين بين عامي 1998 و2005، لكن التقرير وصف هذا الترتيب بأنه "غير عملي".

وبيّن أن مؤسسات الدولة وقوات الأمن تتلقى توجيهاتها من قادة حزبيين غير منتخبين، وليس من وزارات حكومة الإقليم. وتفيد تقارير بأن إتاوات تُنتزع من سائقي الشاحنات والتجار عند نقاط التفتيش على الحدود بين منطقتي الحزبين.

ويؤكد الحزبان حتى الآن أن الإقليم لا يزال كيانا متماسكا رغم الانقسام الحزبي. وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، دعا رئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، الأحزاب إلى إعادة تفعيل البرلمان، الذي لم يعقد جلسة فعلية منذ أكثر من أربع سنوات.

وقال "بارزاني": "لا أعرف مما يخافون". غير أن المعهد استدرك بأن تغييرات أكبر قد تكون جارية تحت السطح.

مقترح اللامركزية

ويطرح قادة سياسيون من الاتحاد الوطني مقترحا أكثر جذرية، يقضي بنقل السلطة الإدارية والمالية إلى المحافظات ورؤساء البلديات ومديري الأقضية، مع احتفاظ حكومة الإقليم والبرلمان ببعض الصلاحيات.

وبموجب المقترح، تُحال معظم القرارات المهمة المتعلقة بالشؤون اليومية إلى مستويات حكم أدنى. ويستشهد مؤيدوه بالكانتونات السويسرية وإمارات دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفهما نموذجين يُحتذى بهما. ويرون أن الحل الأفضل هو أن يترك كل طرف الآخر وشأنه، مع تفكيك السلطة التنفيذية.

ولفت التقرير إلى أن هذا التغيير، في ظل النفوذ الواسع الذي ينفرد به كل حزب في محافظاته وعلى المستوى المحلي، سيضفي طابعا رسميا على سيطرة الحزبين داخل منطقتي الإقليم، ويمثل أكبر تغيير دستوري منذ جيل.

وأوضح أن المقترح ينقض إحدى الفرضيات الأساسية التي استند إليها بناء السلام بعد الحرب الأهلية الكردية، وهي أن وجود مؤسسات قوية وموحدة ومشتركة ضرورة لتعزيز الحكم الذاتي الكردي. ورأى أن مجرد طرح المقترح يعكس مدى تدهور العلاقات بين الحزبين.

وأشار المعهد إلى أن جوانب كثيرة من الخطة لا تزال غامضة، متسائلا عن تأثيرها في العلاقة بين السلطات المحلية والحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وعن آليات تقاسم الإيرادات؛ إن جرى تقاسمها أصلا، وكيفية اتخاذ القرارات في قطاعات رئيسة، مثل النفط والغاز والكهرباء والتجارة.

ولا يزال المقترح حتى الآن طرحا خاصا بالاتحاد الوطني الكردستاني، فيما يظل مستقبله غير واضح. ويعارضه الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو أحد أسباب تعثر مفاوضات تشكيل الحكومة.

ورجّح التقرير أن يعارض كثير من الناخبين الأكراد تعزيز سلطتي الحزبين الحاكمين دون ضوابط حقيقية؛ فرغم خيبة أملهم من الأوضاع الراهنة، يدرك الناخبون جيدا المخاطر التي تنطوي عليها الخطة بالنسبة إلى الوضع الدستوري الهش للإقليم داخل العراق.

وذكر المعهد أن الحكومة الاتحادية العراقية أضعفت تدريجيا، على مدى السنوات الخمس الماضية، قدرة حكومة الإقليم على إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية، مستفيدة من الانقسام بين الحزبين.

حسابات الجوار

ونبّه التقرير إلى أن احتمال انقسام الإقليم يأتي في توقيت جيوسياسي غير مناسب؛ فالحرب الأميركية الإيرانية أوجدت حالة واسعة من عدم الاستقرار، فيما ينشغل الشركاء الأجانب بمشكلاتهم الداخلية، وتعمل الدول على إعادة فرض نفوذها على الفاعلين من غير الدول.

وتراجع الحضور الأميركي في الإقليم مقارنة بالماضي؛ فقد أكملت الولايات المتحدة انسحابها العسكري في نهاية سبتمبر/أيلول 2026، بعد 12 عاما من المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة.

كما تعطل النشاط الدبلوماسي في أربيل خلال معظم عام 2026 بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالحرب.

ورصد المعهد إحباط الدبلوماسيين الأميركيين والأوروبيين من عجزهم عن جمع الحزبين، رغم حثهما المتواصل على تشكيل الحكومة، معتبرا ذلك مؤشرا على تراجع النفوذ الغربي لدى كبار القادة الأكراد.

وتوقع التقرير أن يتفاقم هذا التراجع إذا اضطر الدبلوماسيون إلى التعامل مع مسؤولين محليين يتمتعون بصلاحيات واسعة، لكنهم يخضعون أساسا لقيادتي الحزبين.

وأشار إلى أن جيران الإقليم المباشرين، تركيا وإيران، أكثر قدرة بكثير على التكيف مع إقليم منقسم ومفكك؛ إذ يمكنهم التحرك على المدى الطويل والتأثير محليا من خلال الروابط الاقتصادية والاجتماعية والدينية.

ويختلف هذا النهج عن الأسلوب العسكري والسياسي الذي تتبعه الولايات المتحدة وأوروبا من أعلى إلى أسفل، فيما لا تمثل وحدة الحزبين أهمية تذكر في حسابات أنقرة وطهران.

وتسعى تركيا، في المقام الأول، إلى ضمان استمرار مسارها السياسي الكردي الذي يتضمن نزع سلاح حزب العمال الكردستاني. وقد دعم الحزبان هذا المسار بقوة، وأسهمَا بدور مهم في تسهيله.

كما أيد الحزبان دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ذات القيادة الكردية، في الدولة السورية الجديدة.

ورغم استبعاد المعهد ابتعاد الحزبين كثيرا عن هذا المسار في المدى القريب، فإنه حذر من أن تعمق الانقسام الداخلي قد يؤدي إلى تشتت مواقفهما بشأن القضايا خارج حدود الإقليم. وقد يدفع ذلك أنقرة إلى الانحياز إلى أحدهما، بما يفضي إلى مزيد من عدم الاستقرار.

أما إيران، فتتمثل أولويتها في ضمان عدم انخراط الجماعات الكردية في حربها مع الولايات المتحدة. وحتى الآن، يتفق الحزبان على تجنب إعطاء انطباع بأنهما قد يتدخلان ضد طهران.

وتسعى طهران، في المقام الثاني، إلى الحد من أنشطة الجماعات الكردية المسلحة التابعة لها، وصولا إلى المطالبة بطردها من الإقليم. وبحسب التقرير، تجعل المؤسسات الضعيفة والمنقسمة في الإقليم تحقيق هذا الهدف أمرا صعبا، ما يزيد احتمال تدخل إيران بنفسها.

وفي غياب الوجود الأمني الأميركي، قد يدفع تدخل الجيران القادة العراقيين في بغداد إلى الانخراط بصورة أكبر ومباشرة في شؤون الإقليم. ويرى التقرير أن ذلك سيضر بالحكم الذاتي الكردي، ومن المرجح أن يزيد التوترات السياسية بين الحزبين.

وخلص المعهد إلى أن استمرار الجمود بين الحزبين يهدد بتفكيك الأطر التي أتاحت الحكم الذاتي الكردي خلال العقدين الماضيين، على نحو قد يصعب التراجع عنه.

وأكد التقرير ضرورة بحث قادة الحزبين عن حلول مبتكرة، شريطة ألا تعمق الانقسام أو تضعف المؤسسات المشتركة أو تقوض المبادئ الديمقراطية. وإلا فقد يتحول الإقليم إلى ساحة تتقاسم أطراف أخرى النفوذ فيها على حساب الحكم الذاتي الكردي.