هل تتحول أفغانستان إلى ساحة تنافس بين حلف مكة وخصومه؟

"السؤال الحاسم لم يعد يتعلق بمدى تدهور العلاقات بين طالبان وباكستان"
بهذا العنوان، “اتفاقية مكة ضد طالبان والهند وإسرائيل: هل يتشكل حلف جديد؟” افتتحت صحيفة "8 صبح" الأفغانية تقريرها، مشيرة إلى أن التعاون الإستراتيجي بين تل أبيب ونيودلهي، إلى جانب تصاعد التوتر بين طالبان وإسلام آباد، قد يمهد لما وصفته بـ"حلف سري" يستهدف باكستان.
ورأت الصحيفة المعارضة لحركة طالبان أن اختزال المواجهة الحالية بين باكستان وطالبان الأفغانية في ملف حركة طالبان باكستان "تي تي بي" فقط، من شأنه أن يحجب تطورًا أكثر أهمية، يتمثل في احتمال انقلاب أحد الحسابات الباكستانية الراسخة تجاه أفغانستان بصورة جذرية.

معادلة وتهديد
بعبارة أخرى، تقصد الصحيفة أن "الترتيبات التي كان يفترض أن توفر لباكستان عمقا أمنيا على حدودها الغربية وتحد من نفوذ الهند، باتت تتيح لنيودلهي مساحة أوسع للعودة إلى المعادلة الأفغانية، بالتزامن مع تصاعد تهديد حركة طالبان باكستان".
ومن هذا المنطلق، رأى التقرير أن "السؤال لم يعد يقتصر على كيفية تمكن باكستان من كبح طالبان، بل امتد إلى المدة التي ستظل خلالها إسلام آباد تنظر إلى ميزان القوى الذي تتمحور حوله الحركة بوصفه يصب في مصلحتها".
ولفت إلى أن "هذه التساؤلات تطرح في ظل بيئة إقليمية مختلفة؛ إذ وقعت باكستان والسعودية وتركيا في أغسطس/ آب 2026 "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، ما أدخل التعاون الأمني بين الدول الثلاث مرحلة أكثر تنظيما على المستوى المؤسسي".
وفي المقابل، أشار إلى أن "الهند وإسرائيل رفعتا في فبراير/ شباط من العام نفسه مستوى علاقاتهما إلى "شراكة إستراتيجية خاصة"، مع توسيع التعاون الدفاعي والأمني والسيبراني والتكنولوجي بينهما، بالتزامن مع تعمق الخلاف بين طالبان وباكستان نتيجة تقارب كابول مع نيودلهي".
واستدرك: "هذه العلاقات لم تشكل حتى الآن حلفين متناظرين يتمتعان بقيادة مشتركة، لكنها وضعت الأزمة الأفغانية في بيئة يمكن أن تتشابك فيها المنافسات الإقليمية المتعددة".
ووفق تحليله، "تكمن أهمية هذا التحول بالنسبة إلى معارضي طالبان في طبيعة نظرة إسلام آباد إلى المشكلة، فإذا واصلت باكستان التعامل معها بوصفها مجرد مسألة تتعلق بتعديل سلوك الحركة، فلن يتجاوز دور المعارضين، في أفضل الأحوال، كونهم إحدى أدوات الضغط عليها".
وتابع: "أما إذا توصلت إسلام آباد إلى أن المشكلة تكمن في ميزان القوى نفسه، الذي جعل طالبان القوة المهيمنة بلا منافس في أفغانستان، فإن ظروفا مختلفة قد تنشأ".
وأردف: "إن الفارق بين الضغط لتغيير سلوك طالبان والتحرك نحو تغيير ميزان القوى في أفغانستان يشكل المحور الرئيس لهذا النقاش".

تناقض كامن
وفي تفسيره لأزمة باكستان مع طالبان، يرى التقرير أن "إسلام آباد تواجه أحد التناقضات الكامنة في إستراتيجيتها القديمة تجاه أفغانستان، إذ استفادت لسنوات من بيئة لم تستطع الحدود الرسمية فيها الفصل بصورة كاملة بين الروابط العرقية والقبلية والشبكات الدينية وجغرافيا الحرب".
وأوضح أن "هذا الترابط العابر للحدود منح حركة طالبان الأفغانية في مرحلة سابقة عمقا إستراتيجيا وفرصا للبقاء، لكنه بات اليوم يجعل الفصل بينها وبين حركة طالبان باكستان أكثر صعوبة بالنسبة إلى إسلام آباد".
وبحسب الصحيفة، "يزيد خط دوراند الحدودي هذا التناقض تعقيدا، فرغم أن طالبان الأفغانية وحركة طالبان باكستان تنظيمان منفصلان، فإنهما تنشطان على جانبي حدود ظلت شرعيتها موضع نزاع منذ زمن طويل، وارتبطت في الذاكرة السياسية للبشتون بمطلب إنشاء (بشتونستان)".
وأضافت: "مع سنوات من القتال المشترك والروابط القبلية والتقارب الأيديولوجي، لم تعد مشكلة باكستان تقتصر على إقناع قيادة طالبان بكبح جماح تنظيم خارجي، بل باتت إسلام آباد تطالب فعليا بتفكيك شبكة تشكل جانب من قوة الحركة في إطارها".
ومن هنا، نوهت إلى أن "حدود الضغوط الباكستانية تصبح أكثر وضوحا، إذ إنه حتى لو أدركت قيادة طالبان كلفة المواجهة مع إسلام آباد، فإن الاستجابة الكاملة لمطالبها بشأن حركة طالبان باكستان قد تضعها في مواجهة جانب من البيئة الاجتماعية والقتالية التي تشكلت إلى جانبها على مدى سنوات".
بصورة أوضح، "إن المشكلة لا تتعلق بالضرورة بإرادة قيادة طالبان وحدها، بل قد تمتد إلى قدرتها على قطع صلاتها بشبكة يصعب تفكيكها دون دفع أثمان داخلية".
ويعتقد التقرير أن "هذه القيود أفرزت حلقة من التصعيد المتبادل، إذ أدى عجز طالبان عن قطع صلاتها بحركة طالبان باكستان أو عدم رغبتها في ذلك إلى زيادة الضغوط الباكستانية، بينما تقاربت الحركة الأفغانية مع الهند بالتزامن مع تصاعد هذه الضغوط، ما منحها هامشا أوسع للمناورة في مواجهة إسلام آباد".
وفي المقابل، يقدر أن "الهند تستفيد من هذا الخلاف لتوسيع نفوذها في أفغانستان، وهو ما يزيد المخاوف الأمنية لدى باكستان ويدفعها إلى تشديد الضغط على طالبان".
وهكذا، شدد التقرير أن "الضغوط التي يفترض أن تكبح طالبان قد تدفعها إلى مزيد من التقارب مع الهند، وتعزز النتيجة نفسها التي صممت إستراتيجية باكستان التاريخية في أفغانستان لمنع حدوثها".
ومن هذا المنطلق، رأى أن "السؤال الحاسم لم يعد يتعلق بمدى تدهور العلاقات بين طالبان وباكستان، بل بالمدة التي ستظل خلالها إسلام آباد ترى إمكانية معالجة هذا التناقض عبر "تعديل سلوك طالبان"، والوقت الذي قد تبدأ فيه بالنظر إلى المشكلة بوصفها مرتبطة بميزان القوى نفسه الذي ساعدت سابقا على تشكيله".

حليفان متقابلان
وفي ضوء هذه التطورات، طرح التقرير "فرضية تشكل اصطفاف إقليمي أوسع، لكنه نبه إلى أن وجود حلفين متقابلين لم يثبت بعد".
وأوضح مقصده: "فرغم أن اتفاق مكة بين باكستان والسعودية وتركيا أصبح واقعا رسميا، وأن الشراكة الإستراتيجية بين الهند وإسرائيل باتت راسخة، فإن ذلك لا يثبت أن هذه الدول تشكل كتلتين إقليميتين متماسكتين، أو أن أيا من هذين الترتيبين نشأ لمواجهة الآخر".
وذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، طارحا احتمال أن "تكون هذه التطورات جزءا من اصطفاف إقليمي أوسع، تسعى فيه إسرائيل بالتعاون مع الهند، ومن خلال طالبان، إلى إشغال إسلام آباد بأزمة داخلية تحد من قدرتها على تقديم الدعم العسكري للسعودية".
وأردف: "وهو ما يعني أن باكستان والسعودية وتركيا تقف في جانب، مقابل طالبان والهند وإسرائيل في الجانب الآخر".
واستدرك: "لا تتوقف القيمة التحليلية لهذه الفرضية بالضرورة على إثبات وجود حلف سري، لأن الأطراف المختلفة لا تحتاج دائما إلى قيادة موحدة كي تسهم تحركاتها في تحقيق نتيجة مشتركة".
وفي تفصيل ذلك، أشار إلى أن "الهند قد تسعى إلى توسيع نفوذها في أفغانستان، بينما تحاول طالبان تقليل اعتمادها على باكستان".
وتابع: "في الوقت ذاته، تسعى حركة طالبان باكستان إلى تحقيق أهدافها داخل الأراضي الباكستانية، في حين تعمل إسرائيل على خدمة مصالحها المستقلة من خلال شراكتها الإستراتيجية مع الهند".
وأضاف: "إن تقارب اتجاهات هذه المصالح قد يزيد الضغوط على باكستان في جبهات متعددة، حتى دون وجود مركز قيادة مشترك بين الأطراف المعنية".
ومن هذا المنظور، يرى التقرير أن "السؤال الأهم ليس ما إذا كانت طالبان والهند وإسرائيل قد أقامت حلفا رسميا، بل ما إذا كان تقارب مصالحها قادرا على تغيير البيئة الأمنية لباكستان، بحيث لا تعود إسلام آباد تنظر إلى حركة طالبان باكستان وطالبان الأفغانية وتنامي النفوذ الهندي في أفغانستان بوصفها ثلاث مشكلات منفصلة، وإنما عناصر مترابطة في قضية أمنية واحدة".
وشدد على "أهمية هذا التحول في إدراك التهديدات"، موضحا أن "الدول لا تستجيب بالضرورة للمصدر الحقيقي والموحد لأي تهديد، بل للصورة التي ترسمها أجهزتها الأمنية عن مجموع التهديدات التي تواجهها".
أما بشأن الدور الإسرائيلي المحتمل، فدعا التقرير إلى "التعامل معه بمزيد من الحذر، إذ إن التعاون الدفاعي والتكنولوجي والأمني بين الهند وإسرائيل واسع وموثق، كما أن تقارب الهند مع طالبان منح نيودلهي قدرة أكبر على الوصول إلى الساحة الأفغانية".
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن "الهند قد تشكل، من الناحية النظرية، حلقة يمكن من خلالها وصول موارد أو معارف أو قدرات خارجية إلى أفغانستان".
مع ذلك، لفت إلى أن "غياب أدلة مستقلة على انتقال هذه الموارد أو القدرات إلى طالبان الأفغانية أو حركة طالبان باكستان يمنع التعامل مع هذا الاحتمال بوصفه آلية عملياتية قائمة بين إسرائيل والهند وطالبان".
وبحسب تحليله، فإن "تحويل هذا الاحتمال النظري إلى ادعاء بوجود آلية عملياتية مشتركة بين الأطراف الثلاثة يتجاوز حدود التحليل المستند إلى الأدلة".
رغم ذلك، يرى التقرير أن "محدودية الأدلة لا تغير الفرضية الأساسية، إذ ليس من الضروري أن تثبت باكستان وجود غرفة عمليات مشتركة بين خصومها حتى تعيد النظر في حساباتها الإستراتيجية".
ووفق تقديره، "قد يكفي لتغيير حسابات إسلام آباد أن تخلص أجهزتها الأمنية إلى أن تحركات الأطراف المختلفة تصب في اتجاه واحد، فحركة طالبان باكستان تزيد الضغوط الداخلية، بينما تعجز طالبان الأفغانية عن احتواء هذا التهديد أو لا ترغب في ذلك بالمستوى الذي تتوقعه باكستان، فيما تستغل الهند الخلاف القائم لتوسيع نفوذها في أفغانستان".
وعندئذ، لن تكمن المشكلة، من وجهة نظره، في "وجود مصدر واحد للتهديد، بل في التأثير التراكمي لهذه التهديدات على الأمن الباكستاني".















