مؤرخ إسرائيلي مختص بالهولوكوست: تداعيات إبادة غزة ستضربنا والعالم بأسره

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تناول المؤرخ والكاتب الإسرائيلي الأميركي عومر بَرتوف، أستاذ جامعة براون وأحد أبرز الباحثين في الهولوكوست والإبادة الجماعية، في مقابلة مع صحيفة "الدياريو" الإسبانية التداعيات التي ستتركها الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، مؤكدا أن آثارها لن تقتصر على الضحايا، بل ستمتد أيضا إلى مرتكبيها وإلى العالم بأسره.

وبارتوف، المولود في إسرائيل والذي نشأ فيها، كرّس جانبًا كبيرًا من أبحاثه لدراسة النازية والحرب العالمية الثانية وتاريخ اليهود. 

ورغم أنه أدان منذ البداية الجرائم الإسرائيلية في غزة، فإنه لم يسارع إلى توصيف ما يجري بحق الفلسطينيين بأنه إبادة جماعية، بل احتاج إلى فترة قبل أن يتبنى هذا التوصيف.

إقرار بالإبادة

وفي تموز/ يوليو 2025، نشر مقالا في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان "أنا باحث في الإبادة الجماعية، وأعرفها حين أراها"، في موقف شكّل تحولا بارزا في النقاش بشأن طبيعة الحرب على غزة. وفي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى الاستنتاج ذاته.

وفي كتابه الأخير "إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث؟"، يبحث بارتوف كيف أمكن لإسرائيل التي تأسست في أعقاب الهولوكوست أن ترتكب إبادة جماعية، وما العوامل التي قادتها إلى ذلك، متناولا تداعيات هذه الأحداث على المجتمع الإسرائيلي والضحايا الفلسطينيين والعالم.

وحول استنتاجه أن غزة تعيش إبادة جماعية، أوضح بارتوف أنه "حذّر منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 من أن تصريحات سياسيين وجنرالات إسرائيليين تشير إلى وجود نية ارتكاب إبادة"، وإن لم يكن مقتنعا آنذاك بأن العمليات العسكرية ترقى إلى إبادة جماعية. 

لكن استمرار الهجوم، وما رافقه من تدمير ممنهج جعل القطاع غير صالح للحياة، دفعه بين حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 2024 إلى تبنّي هذا التوصيف. 

ويرى بارتوف أن "ما أرادته الحكومة الإسرائيلية هو تطهير عرقي في غزة"، غير أن إغلاق الحدود حال دون تهجير السكان، فتحوّل المسار، بحسب تحليله، إلى "إبادة جماعية".

وحول صعوبة اتخاذ هذا القرار، أشار بارتوف إلى أن وصف ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية لم يكن سهلا، لا على المستوى الأكاديمي ولا بصفته مواطنا إسرائيليا. 

فقد أراد التثبت من أن المصطلح ينطبق على ما يحدث، لا أن يستخدمه لمجرد الإدانة أو التعبير عن الغضب، خصوصًا أن العمليات الإسرائيلية السابقة شهدت بدورها مستويات مرتفعة من العنف.

وأوضح أن الاعتراض على هذا التوصيف داخل المجتمع الإسرائيلي يرتبط، جزئيًا، باستحضار الهولوكوست؛ إذ يرى بعض الإسرائيليين أن استخدام كلمة الإبادة الجماعية بحق إسرائيل يعني مساواة ما تفعله بما تعرض له أجدادهم. 

لكنه شدد على أن ما حدث في غزة ليس الهولوكوست، وأن تعريف الإبادة الجماعية لا يقوم على هذه المقارنة. 

وأضاف أن تجربة اليهود التاريخية كان ينبغي أن تجعلهم أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يلحقه أي شعب بالآخرين، بمن فيهم اليهود أنفسهم. 

ورغم إدراكه للكلفة الشخصية والاجتماعية لموقفه، أكد أنها لا تُقارن بمعاناة الضحايا الفلسطينيين.

فلسطين في الصدارة

وفي تقييمه للوضع بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، رأى عومر بارتوف أن "هجوم السابع من أكتوبر 2023 أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعدما تراجعت أهميتها". 

وفي المقابل، تحوّلت غزة، بحسب وصفه، "إلى ركام، مع خسائر بشرية هائلة تشمل القتلى والجرحى وضحايا الظروف المعيشية الكارثية".

وحذّر بارتوف من أن "تداعيات الإبادة الجماعية لا تقتصر على الضحايا، بل تمتد إلى المجتمع الذي يرتكبها، لا سيما حين يصمت أفراده ومؤسساته عن الانتهاكات".

ورأى أن ما يجري "يسهم في تقويض ما تبقى من الديمقراطية الإسرائيلية والقيم الليبرالية وسيادة القانون". 

كما رأى أن بنيامين نتنياهو "يحتاج إلى استمرار الحرب والعنف، ما أسهم في تحويل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع يعيش في حالة صراع وطوارئ دائمة، الأمر الذي يترك آثارا عميقة على بنيته السياسية والاجتماعية".

وفيما يتعلق بإمكانية حدوث تغيير في إسرائيل عقب انتخابات 27 تشرين الأول/ أكتوبر، رأى عومر بارتوف أن إعادة انتخاب بنيامين نتنياهو ستغلق الباب أمام أي تحول ديمقراطي، وتسرّع تآكل سيادة القانون، مرجحا أن تدفع الأوضاع مزيدا من الإسرائيليين إلى مغادرة البلاد. 

أما فوز المعارضة، فلا يتوقع أن يحدث تغييرا جوهريا، وإن كان قد يبطئ تراجع الديمقراطية، وربما يفضي إلى تحسن محدود في أوضاع المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل. 

وأشار إلى أن قوى المعارضة تفتقر إلى رؤية واضحة للمستقبل، ويضم بعضها تيارات من اليمين المتطرف.

ورأى بارتوف أن التغيير الحقيقي لن ينبع من داخل إسرائيل، بل من ضغوط خارجية، موضحا أن المجتمع الإسرائيلي شهد تحولات عميقة في تركيبته ومواقفه. 

ودعا إلى فرض عقوبات صارمة على إسرائيل، بما يجعل المواطنين يشعرون بتكلفة سياسات حكومتهم في حياتهم اليومية، معتبرًا أن مثل هذا الضغط قد يشكل صدمة ضرورية لوقف مسار التدهور السياسي والقانوني.

تحويل المعاناة لمصدر للربح

وفي حديثه عن مستقبل الفلسطينيين في غزة، حذر عومر بارتوف من سيناريو وصفه بالكارثي، يتمثل في تحويل القطاع إلى مشروع عقاري ضخم يستقطب الاستثمارات الخليجية والشركات العقارية الغربية، في إطار تصور لغزة مخصصة للأثرياء، بينما يُحاصر الفلسطينيون في ما يسمى "المدن الإنسانية"، ويُجبرون على العمل في مشاريع البناء بأجور زهيدة، وسط قيود تحدّ من حريتهم في التنقل. 

ويرى بارتوف أن هذا السيناريو قد يحوّل معاناة الفلسطينيين إلى مصدر للربح، فيما يُعاد إعمار القطاع على أنقاض ما دُمّر، دون ضمان حقوق سكانه الأصليين.

وفي تقييمه لجذور العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، رأى عومر بارتوف أن "الصهيونية حملت منذ نشأتها بذور هذا العنف، بوصفها حركة قومية إثنية سعت إلى إقامة دولة ذات أغلبية يهودية"، وهو ما ينطوي، بحسب تحليله، "على نزعة إقصائية". 

وأوضح أن إقامة دولة يهودية في أرض مأهولة أصلا بالفلسطينيين أفضت إلى صراع له بُعدين متداخلين: الاستعمار الاستيطاني والصراع القومي، خصوصا مع تطور الحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاستيطان اليهودي.