من سد النهضة إلى ميناء عصب.. طموحات إثيوبيا تدفع جيرانها إلى الاصطفاف

"مشكلات المنطقة تحتاج إلى حوار لا مواجهة"
خرجت القاهرة من “قمة العلمين” بتكتل رباعي يهدف إلى مواجهة الطموحات الإثيوبية في حوض النيل والبحر الأحمر، لكن الإعلان المشترك لم يتضمن أي التزام بالدفاع المتبادل أو إنشاء قيادة عسكرية موحدة.
ورصد موقع "ذا ميديا لاين" الأميركي ما يراه نجاحا مصريا في جمع السودان وإريتريا والصومال ضمن اصطفاف دبلوماسي جديد، قبل أيام من تصعيد عسكري بين إثيوبيا وإريتريا هدد بتوسيع رقعة الصراع في القرن الإفريقي.
وأشار الموقع، في تقرير له، إلى تصاعد المخاوف من اندلاع حرب أوسع، بعدما استهدفت مسيّرات إثيوبية قوات إريترية داخل شمال إثيوبيا.
في المقابل، اتهمت أديس أبابا أسمرة بغزو أراضيها، مؤكدة أن القوات الإريترية توغلت لمسافة 60 كيلومترا.
ونفى وزير الإعلام الإريتري، يماني غبرماسكيل، الاتهامات، قائلا: إن أديس أبابا تبحث عن ذريعة للحرب، بعد رسالة وجهها وزير الخارجية الإثيوبي، غيديون تيموثيوس، إلى مجلس الأمن في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويهدد هذا الصدام بزعزعة منطقة تعاني أصلا من الانقسامات بشأن مياه النيل، والوصول إلى البحر الأحمر، والسيطرة على الممرات البحرية الإستراتيجية.

إعلان العلمين
وتسيطر إريتريا على شريط إستراتيجي من الساحل الغربي للبحر الأحمر، فيما تسعى جارتها إثيوبيا إلى منفذ على الممر المائي الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر مضيق باب المندب وقناة السويس.
وزادت أهمية شحنات النفط الخليجي المارة بالبحر الأحمر مع تقييد الحرب مع إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، ويمكن لصراع أوسع تشارك فيه إريتريا أن يعرّض قطاعا آخر من الممر لتهديدات عسكرية.
واجتمع المسؤولون الأربعة بمدينة العلمين الجديدة المصرية، في 4 أكتوبر 2026، وأصدروا إعلانا مشتركا رفض الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، الذي اعترفت به إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وأكد الإعلان أن إدارة البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه، وساند مصر والسودان في رفض الإجراءات الأحادية المؤثرة على مياه النيل، وأنشأ آلية للتشاور المستمر.
ونقل الموقع عن محلل أمني في أبو ظبي، تحدث مشترطا عدم ذكر اسمه، أن الدول الأربع اتفقت على مواصلة التشاور، دون التزام بالدفاع عن بعضها، ودون إنشاء قيادة عسكرية مشتركة.
بدورها، قالت خبيرة شرق إفريقيا في مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة "أكليد"، جلالي غيتاتشو بيرو: إنها تعتقد أن لا مصلحة لمصر والسودان في التدخل المباشر في الصراع.
وعزز رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، هذا الموقف من سيول، خلال إعلانه رفع مستوى العلاقات مع كوريا الجنوبية إلى شراكة إستراتيجية، إذ رفض ترتيبات للنفاذ البحري تمس سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر.
وأضاف السيسي، إلى جانب الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ، أن المسؤولية الأساسية عن أمن البحر الأحمر وإدارة ملاحته تقع بصورة مباشرة وحصرية على عاتق دوله الساحلية.
النيل والمنفذ البحري
وأوضح المحلل الأمني المصري هاني الأعصر، أن القاهرة تريد تعزيز حضورها الإقليمي في فنائها الخلفي الذي يمثله السودان، وفي القرن الإفريقي.
ولفت إلى أن القاهرة قلقة على الملاحة في قناة السويس وعلى مواردها المائية معا؛ إذ تعتمد على النيل اعتمادا شبه كامل.
وشيدت إثيوبيا في أعلى مجرى النيل الأزرق سد النهضة الإثيوبي الكبير، أكبر منشأة لتوليد الكهرباء من المياه في إفريقيا.
وأشار الأعصر إلى أن إثيوبيا تبنت سياسات تعدها القاهرة معادية صراحة، وأن أطرافا منافسة ومعادية تسعى إلى السيطرة في المنطقة، ولو عبر وكلاء مثل إثيوبيا.
من جانبه، رأى الخبير في الشؤون الإفريقية والشرق أوسطية المقيم في واشنطن، يوري تاديسي، أن القمة وجهت ضد إثيوبيا، لكنه حمّل قيادتها مسؤولية العزلة الدبلوماسية المتنامية.
وقال تاديسي: "أنا لا ألوم هذه الدول الأربع، بل ألوم آبي أحمد تحديدا". مشيرا إلى اتفاق عام 2024 الذي عرض فيه رئيس الوزراء الإثيوبي الاعتراف بأرض الصومال مقابل منفذ بحري.
وعدّ ذلك العرض خطأ دبلوماسيا تاريخيا هائلا، دفع الجيران جميعا إلى التكتل ضد إثيوبيا.
وأوضح تاديسي أن مصدر القلق الأكبر لمصر هو تنامي النفوذ الإثيوبي. مشيرا إلى أن القاهرة لن تفقد أي حصة من مياه النيل حتى بعد اكتمال سد النهضة، وأن مخاوفها الحقيقية تتمثل في احتمال تحول إثيوبيا إلى القوة المهيمنة في القرن الإفريقي.
وأغلقت إثيوبيا سفارتها في إريتريا مطلع أكتوبر وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، فقطعت أسمرة علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا.
وتبادلت إثيوبيا ومصر طرد الدبلوماسيين كذلك، وتتهم أديس أبابا القاهرة وأسمرة والخرطوم بدعم تحالف معارض تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وتنفي العواصم الثلاث هذه الاتهامات.
وأعلنت الخارجية الإثيوبية، في 5 أكتوبر، أن أي نقاش بشأن البحر الأحمر يجب أن يراعي مصالح بلادها المشروعة، بعدما قال آبي أحمد: إن استعادة ميناء عصب الإريتري مسألة وقت.
وعرض الصومال على إثيوبيا طريقا آخر إلى البحر، وقال رئيسه حسن شيخ محمود قبل القمة: إن مقديشو لا تعترض على استخدام أديس أبابا الموانئ الصومالية للتجارة، شرط موافقتها على الترتيبات.

واشنطن وإسرائيل
وأعفت وزارة الخارجية الأميركية مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 320 مليون دولار من شروط حقوق الإنسان، وعزت ذلك إلى دور القاهرة في جهود معالجة الصراع مع إيران.
ورفعت وزارة الخزانة الأميركية في 18 سبتمبر/أيلول 2026 عقوبات كانت فرضتها على الحزب الحاكم والجيش في إريتريا وأفراد مرتبطين بهما خلال حرب تيغراي السابقة.
وكان كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب وإفريقيا، مسعد بولس، نفى في أغسطس/آب دعم واشنطن تحالفا معاديا لإثيوبيا، وقال: إن إدارته تواصل السعي إلى سلام إقليمي عبر مصر وإريتريا وإثيوبيا.
وبيّنت الخبيرة بيرو أن الإدارة الأميركية الحالية تنظر إلى تطورات القرن الإفريقي من زاوية مصلحتها في البحر الأحمر، ووافقها "تاديسي" بقوله: إن واشنطن تحتاج إلى ذلك الممر المائي ولا تحرك ساكنا إلا لمصلحتها.
من جهته، دعا الأعصر واشنطن إلى إطلاق محادثات بين إثيوبيا وإريتريا تفاديا للحرب، وإلى دعم عسكري للسعودية ضد الحوثيين، ولو كان محدودا.
واستدرك بأن سكان المنطقة يرون الموقف الأميركي الحالي تخليا عن المملكة، واستخداما لهذا التخلي للضغط عليها نحو التطبيع مع إسرائيل.
وأثار التوسع الدبلوماسي الإسرائيلي في القرن الإفريقي قلقا خاصا في القاهرة، فقد اعترفت إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر/كانون الأول 2025 وعيّنت مبعوثا لديها.
وأعلن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نيغوسي، في 10 سبتمبر تأييد دولة الاحتلال مساعي أديس أبابا لتأمين منفذ بحري، قائلا: "إسرائيل تقف خلف إثيوبيا في هذا الجهد، وهذه سياسة إسرائيلية واضحة".
ورفض وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الدعم الإسرائيلي للطموحات البحرية الإثيوبية.
ووثق تحقيق لصحيفة "لوموند" الفرنسية، في يوليو/تموز، تطوير بنية عسكرية في مطار بربرة يمكن أن تستخدمها قوات إسرائيلية وأميركية وإماراتية، دون تأكيد علني لانتشار عسكري إسرائيلي دائم.
وحذّر الأعصر من أن وجودا عسكريا إسرائيليا في أرض الصومال يخلق تطويقا لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما تعده مصر أمرا إستراتيجيا حيويا، واصفا الدعم الإسرائيلي للإقليم بأنه "مزعزع للاستقرار".
وساند إعلان العلمين مؤسسات السودان الوطنية ورفض "الكيانات الموازية" في إشارة إلى الدعم السريع، فيما استضاف السيسي على هامش القمة بولس، وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
وتضغط واشنطن على الجيش السوداني و"الدعم السريع" لقبول هدنة إنسانية مدتها 90 يوما، وتقول الحكومة التي يقودها الجيش: إنها قدمت ملاحظات على المقترح دون أن ترفضه.
وأوردت وكالة "رويترز"، في فبراير/شباط، أن إثيوبيا تستضيف معسكرا سريا لتدريب آلاف من مليشيا "الدعم السريع"، وهو ما تنفيه أديس أبابا، ويعكس تشابك الصراعين الإثيوبي والسوداني.
وقال السيسي قبل القمة: إن مشكلات المنطقة تحتاج إلى حوار لا مواجهة، ووافقه "تاديسي" بقوله: إن ثمة طريقا يحفظ مصلحة مصر ومصلحة إثيوبيا معا، وختم بدعوة الطرفين إلى طاولة واحدة.

















