رهانات سانشيز الدولية.. كيف ترسم انتخابات إسبانيا ملامح أوروبا؟

"سانشيز سياسي نجح في تجاوز أزمات سابقة"
خاطر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بكل أوراقه، فدعا إلى انتخابات مبكرة يضع فيها نفسه في مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واليمين الشعبوي، رافعا راية دعم أوكرانيا وإدانة أنظمة الإبادة الجماعية حين صمت آخرون.
وذكر معهد "تشاتام هاوس" البريطاني أن قرار سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنه لا بدَّ شعر بأن خياراته محدودة، فقراره يطلق شارة البدء لعام من الانتخابات الحاسمة والمستقطبة عبر أوروبا.

محفوف بالمخاطر
وأوضح المعهد، في تقرير له، أن الإعلان ليس مفاجئا تماما؛ إذ كان على إسبانيا إجراء انتخابات بحلول أغسطس/آب 2027 على أي حال، كما بدا ائتلاف سانشيز متعدد الأحزاب هشا منذ تشكّله في يوليو/تموز 2023، فلم يُقرّ موازنة كاملة منذ ذلك الحين.
ولفت إلى أن الحكومة أقرّت في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما سوّى أوضاع 500 ألف من المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء، وهي خطوة غير معتادة بين دول الاتحاد الأوروبي الملتزمة عموما بتشديد قيود الهجرة.
وأضاف أن سبتة غرقت، في يوليو/تموز، بموجة من عشرات آلاف المهاجرين، ما أثار انتقادات لسياسة الحكومة من داخل إسبانيا وخارجها، بينهم الرئيس ترامب.
وتابع المعهد أن قضية جديدة برزت مع تصاعد الاحتجاجات على القدرة على تحمل كلفة السكن، فدفعت الحكومة إلى طرح تشريع طارئ، ليرفض البرلمان الإسباني مشروع القانون أخيرا.
وأردف أن هذا منح سانشيز فرصته للدعوة إلى انتخابات عامة، محتجا بأن "القيام بالمزيد يتطلب تجديد دعم الناس وتوسيعه".
ورأى المعهد أن سانشيز سياسي نجح في تجاوز أزمات سابقة، بعدما واجه صعوبات مماثلة عام 2023، لكن الدعوة إلى انتخابات الآن تظل مقامرة، فقد منحت أزمات الصيف خصومه أوراقا كثيرة، فيما تحاصره المتاعب من كل جانب، هو وحزبه، العمال الاشتراكي الإسباني.
وبيّن أن المعارضة اليمينية ستستخدم مرسوم يناير وصور أزمة سبتة لحشد ناخبيها وانتقاد كفاءة الحكومة، فيما سيشير اليسار إلى أن أزمة السكن تفاقمت في عهد سانشيز.
نقاط دولية
وذكر المعهد أن هناك أيضا فضائح الفساد التي تلاحق رئيس الوزراء؛ إذ تورط بعض أقرب حلفائه السياسيين في "قضية كولدو"، وهي تحقيق في فساد عقود مشتريات صحية خلال جائحة كورونا، بينما وُجّهت إلى زوجته في قضية منفصلة تهم الاختلاس والفساد.
وأوضح أن سانشيز سيلجأ للبقاء إلى الأسلوب نفسه الذي نجح معه عام 2023، حين صوّر المنافسة خيارا بين "السانشيزية"، أي نسخته من سياسة الديمقراطية الاجتماعية، وبين يمين متطرف "ينظر إلى الوراء".
وأضاف أن أمله معقود على أن تؤدي معارضة حزب الشعب اليميني، وحزب فوكس المتطرف خصوصا، إلى تعبئة ناخبي اليسار في منافسة شديدة الاستقطاب.
فزعيم فوكس، سانتياغو أباسكال، يتحدث مرارا عن "غزو المهاجرين"، واستند إلى مرسوم يناير للدعوة إلى "عمليات إعادة وترحيل وإعادة هجرة".
ولفت المعهد إلى أن خطاب سانشيز على درج قصر لا مونكلوا، مقر رئيس الوزراء الإسباني، وضع نقاطا دولية في صميم حملته، مقابلا مواقفه بمواقف اليمين، ولا سيما ترامب والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
ونقل عنه قوله: "سعينا إلى بناء عالم أفضل لمواطنينا ولبقية البشرية، بدعم أوكرانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في أحلك لحظاتها، وبإدانة أنظمة الإبادة حين لزم آخرون الصمت".
وأضاف سانشيز: "نحارب الطغاة وأباطرة التكنولوجيا والمضاربين الذين يريدون تدمير مستقبل أبنائنا وبناتنا لملء جيوبهم، ونضاعف مساعداتنا للتعاون الدولي بينما تباهى آخرون بقطعها بمنشارهم، أو على ذلك المذبح العسكري المتمثل في 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي".
وقال المعهد: إن “50 يوما من الحملات المكثفة والمفاوضات بين الأحزاب ستلي الآن، وإن هذه المفاوضات مهمة بسبب النظام الانتخابي الإسباني”.
وأوضح أن إسبانيا تستخدم طريقة "دي هونت" لتوزيع المقاعد في الدوائر الانتخابية الإقليمية، وهي طريقة تضعف فرص الأحزاب التي تحصل على نسب منخفضة من الأصوات.

انتخابات أوروبا
ويمكن للأحزاب الصغيرة الحد من هذا الأثر عبر الترشح معا ضمن قائمة انتخابية مشتركة، لكن التجارب السابقة لهذا الخيار حققت نتائج متباينة.
وذكر أن تحالف "سومار" أكبر هذه التجمعات، ورغم افتقاره إلى زعيم، أطلق "الجبهة العريضة" لمحاولة حشد الدعم. والكثير سيتوقف على النائب المفوّه غابرييل روفيان، الذي يُنظر إليه موحِّدا محتملا للأحزاب المفككة على يسار العمال الاشتراكي.
واستدرك المعهد بأن روفيان لا ينتمي إلى "سومار"، وأن السياسات الداخلية والشخصيات اعتادت إفساد المواثيق الانتخابية في إسبانيا. فحزب "بوديموس"، شريك العمال الاشتراكي في الائتلاف، انضم إلى قائمة "سومار" عام 2023 ثم انشق عنها في غضون أشهر.
وبيّن أن ما يحدث على يسار سانشيز يهمه أكثر من أي وقت مضى، ولذلك ينبغي أن يكون خطابه مزدوجا. ومن المتوقع أن يستخدم ترامب وميلي وفلافيو بولسونارو، المتقدم في سباق الرئاسة البرازيلية بعد الجولة الأولى، فزّاعات لشحذ مواقف الناخبين حتى قبل طباعة بطاقات الاقتراع.
وأردف أن حزب الشعب اليميني سيتبع على الأرجح ما وصفه بـ "إستراتيجية مزهرية مينغ"، أي محاولة تجاوز الأيام الخمسين المقبلة من دون ارتكاب أخطاء كبيرة أو التعرض لأزمات مفاجئة، لكن نجاح هذه الإستراتيجية ليس مضمونا.
وأضاف أن الأسئلة بشأن شكل أي ائتلاف محتمل مع "فوكس" ستلاحق زعيم حزب الشعب ألبرتو فيخو، وأن عجزه عن تقديم إجابات واضحة عنها في انتخابات 2023 ربما كلفه الفوز.
ولاحظ المعهد أن تصويت إسبانيا سيكون الأول في سلسلة انتخابات أوروبية حاسمة، فتختار فرنسا رئيسا جديدا في ربيع 2027، فيما ستتوجه إيطاليا وبولندا وفنلندا واليونان إلى صناديق الاقتراع قبل نهاية العام.
وتابع أن كثيرا من هذه المنافسات سيشبه الانتخابات الإسبانية؛ إذ تواجه ائتلافات يسارية هشة يمينا واثقا ومتصاعدا.
وختم المعهد بأن تداعيات هذه النتائج ستتجاوز السياسة الداخلية؛ إذ إن استمرار مطالبة الولايات المتحدة الدول الأوروبية بتحمل قدر أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة سيجعل الانتخابات المضطربة من الصعب معها إحراز تقدم نحو نهج أوروبي مشترك وأكثر تماسكا للأمن.
وستُتابَع هذه الحملة عن كثب عبر القارة ومن خلف الأطلسي؛ إذ يسعى الساسة إلى إتقان خطابهم في أزمنة يتصاعد فيها الاستقطاب.















