تحركات روسية في طبرق مرصودة بطائرات استطلاع إيطالية وأميركية.. ما القصة؟

"هذه الشبكة من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى في شمال إفريقيا"
يشكل وصول السفن الروسية "أناستاسيا" و"يوري أرشينيفسكي" و"ألكسندر شابالين" إلى ميناء طبرق الليبي، وفق صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية، ما يتجاوز مجرد تسليم شاحنات ومركبات مدرعة إلى قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.
إذ يعد خطوة جديدة في مسار إنشاء شبكة عسكرية تربط روسيا بشرق البحر المتوسط وليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي والسودان.
وأضاف تقرير الصحيفة أن التحركات الروسية تحظى بمتابعة دقيقة، وهو ما تظهره عمليات المراقبة التي نفذتها بداية طائرة إيطالية من طراز "بي-72 إيه"، أعقبتها طائرة استطلاع إلكتروني أميركية.

حلقة وصل
وأوضح أنه "بالنسبة للغرب، لا تكمن المشكلة في كمية المعدات المنقولة فحسب، بل في المقام الأول في ضمان استمرارية خط الإمداد اللوجستي".
وتابع: "لا تكتفي روسيا بمغادرة سوريا لإعادة الانتشار في إفريقيا، بل تعيد توزيع قواتها وأسلحتها ووظائفها اللوجستية بين طرطوس وحميميم وشرق ليبيا".
ورغم أنه شدد على أن "القواعد الروسية في سوريا لا تزال تحتفظ بأهميتها، إذ تتيح لموسكو مواصلة وجودها العسكري في شرق البحر المتوسط"، غير أنه لفت أن "طبرق توفر مزايا أخرى، أبرزها قربها من جنوب أوروبا، وإمكانية الوصول منها إلى وسط البحر المتوسط، فضلا عن ارتباطها بطرق برية تؤدي إلى إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى".
وبذلك، يرى أن "ليبيا تتحول إلى حلقة وصل بين منظومتين عسكريتين، تتمثل الأولى في شبكة انتشار بمنطقة البحر المتوسط تعتمد على خطوط الملاحة البحرية القادمة من روسيا وسوريا، بينما ترتكز الثانية على شبكة إفريقية تضم المطارات والطرق الصحراوية وخطوط الاتصال الممتدة نحو تشاد والسودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو".
وفي هذا السياق، أوضحت الصحيفة أن "ميناء طبرق يمثل نقطة الارتكاز البحرية لهذه الشبكة العسكرية الروسية، بينما تشكل قاعدة الجفرة وسط ليبيا مركزها الرئيس، في حين تتيح قاعدتا تمنهنت وبراك الشاطئ جنوبي البلاد الوصول إلى إقليم فزان، فيما توفر قاعدة معطن السارة، الواقعة في أقصى جنوب شرق ليبيا، منفذا إلى المنطقة الحدودية بين ليبيا ومصر والسودان".
ومن ثم، خلصت إلى أن "موسكو لا تحتاج بالضرورة إلى إنشاء قاعدة بحرية كبيرة تحمل الصفة الروسية رسميا، إذ يكفيها ضمان القدرة على استخدام الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرة حليف محلي بصورة مستدامة".
من جانبه، نقل موقع "كورييه إنترناسيونال" الفرنسي عن صحيفة "إل فوليو" الإيطالية قولها: إن "الإمارات اشترت معدات عسكرية من روسيا بهدف تسليمها إلى قوات خليفة حفتر، استعدادا لاحتمال اندلاع صراع مسلح مع غرب ليبيا، وذلك وفق معلومات حصلت عليها".
ورجحت الصحيفة أن "تكون هذه الصفقة وراء وصول الشحنة العسكرية إلى طبرق، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الوجهة النهائية لهذه المعدات لا تزال مجهولة".
وطرحت فرضية أخرى مفادها أن "الشحنة العسكرية ربما توقفت في ليبيا بصورة مؤقتة، بينما تتجه في حقيقة الأمر إلى مالي والنيجر، حيث يواجه المرتزقة الروس التابعون للفيلق الإفريقي صعوبات".
مصالح متبادلة
في المقابل، يستفيد الجنرال الانقلابي خليفة حفتر من الوجود الروسي في شرق ليبيا، وقالت الصحيفة: "تقوم العلاقة بين القيادة العسكرية في إقليم برقة وروسيا على تبادل مصالح ملموسة".
وتابعت موضحة: "يحصل حفتر على الأسلحة والتدريب وخدمات الصيانة والحماية السياسية والدعم الذي يساعده في الحفاظ على تفوقه العسكري على سلطات طرابلس، بينما تحصل موسكو في المقابل على إمكانية استخدام البنية التحتية وحرية واسعة في التحرك".
وأردفت: "ويتيح "الفيلق الإفريقي" لموسكو تحويل وجودها العسكري القائم على المرتزقة إلى قوة أكثر انضباطا وخضوعا لقيادة الدولة، لا سيما أنه يرتبط بوزارة الدفاع الروسية بصورة أكثر مباشرة من مجموعة "فاغنر" السابقة".
وبالنسبة إلى حفتر، أشارت إلى أن "هذا التعاون يخدم أيضا مساعيه لتهيئة انتقال السلطة داخل عائلته، إذ تظهر زيارات نجله صدام -قائد القوات البرية في جيشه- إلى موسكو أن هذه العلاقة لا ترتبط بالمستقبل القريب لحفتر وحده، بل تمتد إلى مستقبل المنظومة السياسية والعسكرية التي أسسها في إقليم برقة".
على الصعيد العملياتي، ذكرت الصحيفة أنه "يمكن استخدام الشاحنات والمركبات المدرعة التي جرى تفريغها في طبرق لدعم قوات خليفة حفتر، أو الوحدات العسكرية الروسية المقرر نشرها في القواعد الواقعة جنوبي ليبيا".
واستطردت: "لا سيما أن المركبات المقاومة للألغام تتناسب مع طبيعة الطرق الصحراوية الطويلة، التي تشكل فيها الكمائن والعبوات الناسفة والصعوبات اللوجستية تهديدات أكثر شيوعا من المعارك العسكرية التقليدية".
واستدركت: "غير أن القيمة العسكرية الحقيقية للانتشار الروسي في ليبيا تكمن في العمق الإستراتيجي الذي يوفره لموسكو".
وفسرت حديثها: "إذ يتيح لها توزيع قواتها ومعداتها على عدة مطارات عسكرية، مما يقلل من المخاطر الناجمة عن الاعتماد على قاعدة واحدة قد تتعرض للاستهداف".
فضلا عن "تمكينها من تقديم الدعم لحلفائها الليبيين والحكومات العسكرية في منطقة الساحل الإفريقي في الوقت نفسه".
ومع ذلك، نوهت إلى أن "هذا الانتشار لا يمنح موسكو القدرة على فرض هيمنتها على البحر المتوسط في مواجهة قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)".
وبحسب تقديرها، "تقتصر أهميته في توفير الوسائل اللازمة لمراقبة طرق الملاحة، ودعم العمليات العسكرية الإقليمية، والتأثير في موازين القوى داخل ليبيا، إلى جانب إجبار خصومها على تكثيف جهود المراقبة بصورة مستمرة".
في السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن "خطوط الاتصال بين ليبيا والسودان تمثل الجانب الأكثر حساسية في هذه الشبكة العسكرية، إذ تقع منطقتا الكفرة ومعطن السارة على طرق تستخدم لنقل الوقود والأسلحة والمقاتلين إلى إقليم دارفور غربي السودان".
وهنا، أشارت الصحيفة إلى وجود تضارب في مصالح الأطراف الفاعلة في الصراع السوداني، موضحة أن "الشبكات اللوجستية المرتبطة بالإمارات واجهت اتهامات بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، بينما عززت موسكو تدريجيا علاقاتها مع الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في إطار سعيها للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر عبر إنشاء قاعدة بحرية في السودان".
وأردفت: "رغم أن الحرب الأهلية السودانية أدت إلى تعليق هذا المشروع، فإنها لم تفقده أهميته الإستراتيجية بالنسبة إلى روسيا، إذ إن إنشاء خط إمداد لوجستي يربط بين طبرق وإقليم فزان والسودان من شأنه أن يمنح موسكو القدرة على مد نفوذها من البحر المتوسط وصولا إلى البحر الأحمر".

أدوات ضغط
من جانب آخر، ذكر التقرير أن "الوجود الروسي لا يقتصر على الأهداف العسكرية وحدها، إذ تشكل قضايا الأمن والتعدين والذهب والطاقة والامتيازات الحكومية في منطقة الساحل الإفريقي منظومة مترابطة تخدم المصالح الروسية".
وتابع: "تقدم موسكو الحماية لحكومات تعاني من العزلة السياسية، مقابل حصولها على امتيازات تتيح لها الوصول إلى الموارد والمشروعات الحكومية والبنية التحتية".
واستطرد: "بينما تمنحها ليبيا نفوذا إضافيا من خلال السيطرة غير المباشرة على مناطق تمر عبرها خطوط أنابيب النفط، وتشهد أنشطة تجارية غير رسمية، وتعبرها مسارات الهجرة".
ومع ذلك، شدد على أن "هذا لا يعني أن روسيا تستطيع التحكم بمفردها في أسعار النفط أو وقف تدفقه إلى أوروبا متى شاءت، لكنها تكتسب أدوات ضغط يمكن توظيفها في أوقات الأزمات".
علاوة على ذلك، "يتم تقليل تكلفة هذا التوسع من خلال استخدام قواعد الحلفاء والمنشآت القائمة، إذ تعتمد موسكو على إستراتيجية تقوم على نشر قواتها في مواقع متعددة، وهي أقل تكلفة من الاحتلال المباشر وأكثر مرونة من التحالفات الرسمية".
وتناولت الصحيفة احتمال امتداد الصراع الروسي الأوكراني إلى الأراضي الليبية، مشيرة إلى أن "المعلومات المتداولة بشأن وجود وحدات أوكرانية في مدينة مصراتة الليبية تفتقر إلى تأكيد مستقل، فضلا عن نفي حكومة طرابلس صحتها، ومن ثم لا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق مثبتة".
واستدركت: "لكن في حال تأكدت هذه المعلومات، فإنها ستشير إلى تطور خطير يتمثل في تحول ليبيا إلى جبهة غير مباشرة للحرب الروسية الأوكرانية، إذ سيقدم إقليم برقة في شرق ليبيا الدعم لموسكو، بينما قد توفر بعض التشكيلات في إقليم طرابلس بغرب البلاد دعما عملياتيا لكييف لاستهداف السفن الروسية أو الخاضعة للعقوبات".
وأردفت: "وفي هذه الحالة، ستبرز مخاطر اندلاع حرب غير معلنة رسميا، تعتمد على عمليات التخريب والطائرات المسيرة البحرية والعمليات السرية".
يذكر أن شبكة "سي إن إن" الأميركية، كانت قد نشرت تقريرا في 12 سبتمبر/ أيلول 2026، أفاد بأن مدربين أوكرانيين متخصصين في الطائرات المسيرة ينشطون في مدينة مصراتة الليبية، وينفذون منها "هجمات ضد سفن تابعة لأسطول الظل الروسي".
انطلاقا مما سبق، وضع التقرير ثلاثة سيناريوهات مستقبلية للانتشار الروسي في ليبيا، وقال: "يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحا في مواصلة روسيا تعزيز وجودها العسكري بهدوء، دون رفع علمها فوق قاعدة عسكرية مخصصة لها رسميا".
أما السيناريو الثاني، فيتمثل -وفقا له- في "تحويل ميناء طبرق إلى مركز دائم للدعم اللوجستي البحري الروسي".
وهو ما عده "سيشكل تحولا سياسيا كبيرا، نظرا إلى أنه سيضمن وجودا طويل الأمد للبحرية الروسية بالقرب من وسط البحر المتوسط والجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي".
وأضاف: "في المقابل، يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، في اندلاع مواجهة غير مباشرة بين روسيا وأوكرانيا على الأراضي الليبية".
في المحصلة، ترى الصحيفة أن "وصول السفن الروسية إلى طبرق لا يعني بالضرورة أن حربا جديدة باتت وشيكة، لكنه يشير إلى أن موسكو تعمل على بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود من مجرد قاعدة عسكرية معزولة، تتألف من شبكة مترابطة من الموانئ والمطارات العسكرية والتحالفات والممرات البرية".
واستطردت: "إن هذه الشبكة من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى في شمال إفريقيا".
















