نتنياهو يصعّد ضد تركيا انتخابيًا.. وأنقرة ترفض الانجرار إلى فخ المواجهة

منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه المعادي لتركيا مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وسط مساعٍ لتوظيف التهديدات الخارجية في المنافسة السياسية. 

فيما تراهن أنقرة على ضبط النفس وتجنب مواجهة قد تخدم الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.

وتناول الكاتب محمد رقيب أوغلو، في مقال نشرته صحيفة "الصباح" التركية، تصاعد الخطاب الإسرائيلي المعادي لتركيا.

ورأى أنه تجاوز الخلافات الدبلوماسية ليصبح أداة لتعبئة الناخبين المحافظين واليمينيين، وتصوير أنقرة بصفتها تهديدا إستراتيجيا، خصوصا مع تراجع القدرات العسكرية الإيرانية وتقلص هامش تحرك حزب الله.

ورقة انتخابية

وأشار الكاتب التركي إلى أن تصاعد الخطاب الإسرائيلي المعادي لأنقرة يرتبط بالتنافس السياسي الداخلي والاستعداد للانتخابات، وليس بالخلافات الثنائية وحدها.

وبرز هذا التوجه في فبراير/شباط 2026، عندما أعلن نتنياهو تصورا سماه "السداسي التحالفي"، يضم الهند واليونان والإدارة القبرصية الرومية، وقدّمه بصفته إطارا لمواجهة المحور الشيعي وما وصفه بـ"المحور السني المتطرف".

ورأى الكاتب أن الخطوة تعكس محاولة لتطويق النفوذ التركي، مشيرا إلى أن نفتالي بينيت، أبرز منافسي نتنياهو على اليمين، اتهمه بالتراخي ودعا إلى مواجهة التهديدين الإيراني والتركي بالتزامن، ما حوَّل التنافس بينهما إلى سباق لإظهار التشدد.

وفي أغسطس/آب، ظهرت مواد دعائية لحزب الليكود وضعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى جانب مسؤولين إيرانيين وشخصيات إقليمية، وصورتهم بصفتهم خصوما لإسرائيل يسعون إلى إسقاط نتنياهو.

وامتدَّ التصعيد إلى المجال العسكري، مع استهداف القوات الجوية الإسرائيلية قاعدة أبو الظهور في شمال سوريا، وإعلان نتنياهو أنه لن يسمح بتوسع الوجود العسكري التركي نحو الجنوب.

وبلغ التصعيد مستوى آخر في سبتمبر/أيلول، عندما اتهم نتنياهو تركيا بنشر معاداة السامية خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مستخدما عبارات حادّة ضد أردوغان. وتزامن ذلك مع صعوبة حصول كتلتي الائتلاف والمعارضة على الأغلبية المطلوبة، البالغة 61 مقعدا، وفقا لاستطلاعات الرأي.

وعقب الخطاب، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن تعليمات ببدء إجراءات قانونية ضد تركيا أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ورأى الكاتب أن هذه التطورات تعكس مسارا متعدد الأدوات يهدف إلى إبقاء المواجهة مع تركيا حاضرة في الخطاب السياسي حتى موعد الانتخابات.

مخاطر التصعيد

وأوضح رقيب أوغلو أن العداء لتركيا تحول إلى أرضية توافق واسعة داخل النخبة السياسية الإسرائيلية؛ إذ بات التنافس بين الحكومة والمعارضة يدور حول الطرف الأكثر تشددا في مواجهتها.

وتقوم هذه المقاربة على إعادة تشكيل صورة العدو وفقا للتحولات الإقليمية والحاجات السياسية؛ فبعدما احتلت إيران وحزب الله موقعا مركزيا في الخطاب الأمني الإسرائيلي، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل تركيا، في ظل سياستها الخارجية المستقلة ومساعيها لتعزيز نفوذها الإقليمي.

لكن التوافق السياسي لا يعني أن المجتمع الإسرائيلي يعدّ تركيا التهديد الأول. ووفقا للاستطلاعات التي أوردها الكاتب، يرى نحو 80 بالمئة من الإسرائيليين أن لبنان يمثل تهديدا رئيسا، مقابل 76 بالمئة يعدّون إيران التهديد الأبرز، فيما تبلغ نسبة المخاوف الأمنية المتعلقة بسوريا 32 بالمئة.

وأشار إلى أن الانتقال من تأييد أغلبية الإسرائيليين تطبيع العلاقات مع تركيا عام 2019 إلى تصويرها بوصفها خصما يكشف قدرة الخطاب السياسي والإعلامي على إعادة تشكيل التصورات العامة.

وفي المقابل، تحذر أوساط ليبرالية إسرائيلية، من بينها أصوات في صحيفة "هآرتس" ومؤسسات فكرية دولية، من مخاطر الدخول في مواجهة مع قوة إقليمية مثل تركيا لتحقيق مكاسب انتخابية، مقدرة أن التصعيد قد يحول الخصومة السياسية إلى عداء فعلي ويزيد احتمالات المواجهة.

وحذَّر رقيب أوغلو من أن التصعيد، حتى إن بدأ وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية مؤقتة، قد يدفع الطرفين إلى مواقف يصعب التراجع عنها، ويضيّق فرص التهدئة مستقبلا.

صبر إستراتيجي

وأوضح الكاتب أن أنقرة تتعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية عبر ضبط النفس والحسابات الإستراتيجية، لتجنب مواجهة مباشرة قد تمنح حكومة نتنياهو فرصة لتوحيد الجبهة الداخلية وتعزيز صورتها بوصفها قادرة على حماية البلاد.

وفي ظل الضغوط السياسية وقضايا الفساد والملاحقات القضائية الدولية التي يواجهها نتنياهو، قد توفر المواجهة مع تركيا فرصة لإعادة تقديم نفسه بوصفه قائدا يتصدى لتهديد خارجي.

وأشار رقيب أوغلو إلى أن النهج التركي تجلى خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما استهدف نتنياهو تركيا في خطابه، بينما تجنب أردوغان ذكر اسمه، بما يحرم الحكومة الإسرائيلية من فرصة توظيف رد تركي مباشر في حملتها السياسية.

وأكد أن ضبط النفس تجاه التحركات الإسرائيلية في سوريا لا يعني تخلي أنقرة عن مصالحها؛ إذ احتفظت بحقها في الرد العسكري والحقوق التي يكفلها لها القانون الدولي.

وفي الوقت نفسه، تعمل تركيا على تعزيز الردع وتوسيع علاقاتها الإقليمية، من خلال توظيف المسارات القانونية والمؤسسات الدولية، وتعميق التعاون الدفاعي مع دول المنطقة وتعزيز حضورها في الخليج، إلى جانب دعم وحدة الأراضي السورية.

ويتمثل الاختلاف بين المقاربتين، بحسب الكاتب، في سعي نتنياهو إلى بناء تحالفات تستهدف عزل تركيا، مقابل محاولة أنقرة توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية من دون استبعاد الأطراف المختلفة.

وخلص الكاتب إلى أن الخطاب المعادي لتركيا يعكس تزايد التداخل بين الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والتوجهات الأمنية والإقليمية. فمع اقتراب الانتخابات، يسعى نتنياهو ومنافسوه إلى توظيف صورة تركيا لتعزيز مواقعهم السياسية، رغم استمرار تركّز المخاوف الإسرائيلية على إيران ولبنان.

وفي المقابل، تراهن أنقرة على ضبط النفس والأدوات الدبلوماسية والقانونية وتعزيز التعاون الإقليمي، لتجنب منح التصعيد الإسرائيلي أهدافه السياسية.

ويعكس هذا النهج محاولة لإدارة المواجهة وفق حسابات بعيدة المدى، والحفاظ على قدرة تركيا على تحديد توقيت تحركاتها وشروطها، بدلا من الانجرار إلى صراع تحدد أجندته الاحتياجات الانتخابية لنتنياهو.