استنزاف الرياض وتفكيك وحدة الخليج.. ماذا وراء التصعيد الحوثي؟

يوسف العلي | منذ ٣٧ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

أعادت الهجمات الحوثية التي تستهدف منشآت مدنية ومطارات سعودية إلى طرح تساؤلات بشأن مستقبل الأمن الخليجي، وقدرة دول مجلس التعاون على تجاوز خلافاتها وتشكيل جبهة موحدة خلف الرياض، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والاتهامات الموجهة إلى إيران بالوقوف وراء تهديد استقرار المنطقة.

وتتجاوز أهمية التصعيد حدود المواجهة اليمنية، لتفتح الباب أمام تساؤلات عن إمكانية تحول الحرب إلى أداة لاستنزاف السعودية وإضعاف منظومة الأمن الخليجي، وما إذا كانت التهديدات الراهنة ستدفع دول المجلس إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، أم أن التهدئة مع طهران لا تزال خيارًا قائمًا.

وحدة الخليج

دعا رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز خلافاتها والوقوف بصورة عملية وحاسمة إلى جانب السعودية، في مواجهة الهجمات الحوثية المتواصلة، محذرًا من أن استمرار التهديدات يفرض تحركًا يتجاوز التصريحات السياسية التقليدية.

وجاءت تصريحات ابن جاسم عبر حسابه على منصة "إكس" في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بالتزامن مع تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض لهجوم، أسفر عن 12 قتيلًا وعشرات المصابين، بما أعاد أمن المنشآت المدنية إلى صدارة المخاوف الخليجية.

وقال المسؤول القطري الأسبق: إن التهديدات التي تتعرض لها السعودية "لا تدار من داخل اليمن، بل يحاك ويدار من خارجه". مقدرا أن طبيعة الهجمات تستدعي قراءة أوسع لمصادر الخطر، وعدم التعامل معها بوصفها امتدادًا محليًا للحرب اليمنية فحسب.

وشدد ابن جاسم على ضرورة "إزاحة كل الخلافات الجانبية بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي"، وإظهار الوحدة بصورة علنية وعملية، بدلًا من الاكتفاء ببيانات التأييد اللفظي، في موقف يعكس مخاوف من أن تؤدي الانقسامات الخليجية إلى تقليص القدرة على مواجهة التهديدات المشتركة.

ورأى المسؤول القطري الأسبق أن مكانة السعودية داخل المنظومة الخليجية تجعل استقرارها عاملًا أساسيًا في استقرار بقية الدول، محذرًا من أن استمرار استهدافها لا يقتصر أثره على حدودها، بل يمتد إلى المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية لدول المجلس، بصرف النظر عن الخلافات القائمة بينها.

وتعكس هذه الدعوة اتجاهًا نحو ربط أمن الدول الخليجية بعضها ببعض، على أساس أن استهداف دولة محورية قد يضع بقية الأعضاء أمام تحديات متزايدة. خصوصًا إذا اتسعت الهجمات لتشمل مرافق حيوية، أو فرضت على الحكومات مراجعة حساباتها الأمنية وتحالفاتها الإقليمية.

وفي 6 أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي وقوف دول المجلس صفًا واحدًا إلى جانب السعودية، عقب استهداف مطاري جازان ونجران، مؤكدًا دعم الإجراءات التي تتخذها الرياض لحماية أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.

وأدان البديوي الهجمات التي استهدفت المطارين، مقدرا أن استهداف المنشآت المدنية يمثل تصعيدًا خطيرًا وتهديدًا مباشرًا للمدنيين والملاحة الجوية، وداعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، والعمل على وقف الممارسات التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها.

لكن الانتقال من إعلان التضامن إلى بناء موقف خليجي موحد يظل مرتبطًا بمدى استعداد الدول الأعضاء لتجاوز حساباتها المختلفة، وتنسيق مواقفها تجاه إيران واليمن، وتحويل البيانات السياسية إلى خطوات مشتركة تعكس مستوى التهديد الذي تتحدث عنه التصريحات الخليجية.

استنزاف السعودية

تعليقًا على ذلك، قال علي الهيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر، في حديث لـ"الاستقلال": إنه لا خيار أمام دول الخليج والدول العربية والإسلامية سوى دعم السعودية، مؤكدًا أنها تمثل العمق الإستراتيجي للمنطقة، وأن أمنها ينبغي أن يكون أولوية مشتركة.

وأضاف الهيل أن السعودية يجب أن تُعامل بوصفها "خطًا أحمر"، مشددًا على أن استقرارها وقوتها يرتبطان بأمن الخليج والعالم العربي والإسلامي، وأن تجاهل هذا الترابط قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية لاستغلال التباينات بين الدول، وإضعاف قدرتها على حماية مصالحها.

وفي تفسيره لأهداف التصعيد، قال الهيل: إن الحوثيين يرتبطون، بحسب ما ذكره، بـ"مصالح مع إسرائيل" في أرض الصومال، وينسقون مع المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب وجود تنسيق مع حركة الشباب الصومالي، مقدرا أن مصالح هذه الأطراف تتقاطع عند استنزاف السعودية وإضعافها.

وأضاف أن الغاية تتمثل في "استنزاف المملكة العربية السعودية وإضعافها في نهاية المطاف"، بهدف إجبارها على التطبيع مع إسرائيل بصورة مجانية، مشيرًا إلى أن الرياض ترفض هذا النوع من التطبيع، وأن موقفها يرتبط بشروط تتعلق بحقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم المستقلة.

وربط الهيل موقفه بمبادرة السلام العربية التي طرحها الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز خلال القمة العربية في بيروت عام 2002، موضحًا أن التطبيع، وفق رؤيته، ينبغي أن يرتبط بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

وأشار إلى أن المبادرة تتضمن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967، وعاصمتها القدس، إلى جانب معالجة ملف المستوطنات الإسرائيلية التي وصفها بأنها تقوض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، لافتًا إلى أن عدد المستوطنين يتجاوز 800 ألف.

وتكشف هذه المقاربة عن تفسير سياسي للهجمات يربطها بصراع إقليمي أوسع، لا يقتصر على المواجهة بين الحوثيين والسعودية، بل يمتد إلى مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية، وموقع الرياض في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

وفي هذا السياق، تصبح الحرب اليمنية أكثر من نزاع داخلي، إذا تحولت الهجمات العابرة للحدود إلى وسيلة للضغط على السعودية في ملفات إقليمية أخرى، بما فيها التطبيع والتحالفات الأمنية.

وتبرز هنا مسألة قدرة السعودية على الفصل بين احتواء التهديد العسكري وإدارة علاقاتها الإقليمية، في وقت قد يؤدي استمرار الهجمات إلى رفع كلفة الأمن والدفاع، وتعقيد حسابات الاستثمار والاستقرار، ودفع دول الخليج إلى تقييم مدى كفاية ترتيباتها الحالية لحماية منشآتها ومصالحها الحيوية.

إيران والتهدئة

لم يقتصر تحذير ابن جاسم على ضرورة توحيد الموقف الخليجي، بل امتد إلى توصيف طبيعة الخطر الذي تواجهه دول المجلس، إذ قال إن المنطقة ما زالت تواجه "خطرًا وجوديًا على دول المجلس ليس من إيران فحسب"، قبل أن يضيف أن إيران أصبحت "العدو الرئيسي".

ويعكس هذا التصريح تطورًا في توصيف العلاقة مع طهران، لكنه لا يتضمن دعوة صريحة إلى إغلاق باب الحوار معها بصورة نهائية، فقد أوضح أن التحذير من الدور الإيراني لا يعني التخلي عن السعي إلى السلام وإقامة علاقات واضحة، مشيرًا إلى وجود أسباب متعددة للأزمة الراهنة لم يتطرق إليها تفصيلًا.

وتحمل هذه الإشارة دلالة مهمة بشأن مستقبل التهدئة الخليجية الإيرانية؛ إذ تضع دول المجلس أمام معادلة تجمع بين الحاجة إلى حماية الأمن الوطني، والحفاظ على إمكانية التسوية السياسية، خصوصًا إذا كانت المواجهة المباشرة ستؤدي إلى توسيع نطاق الصراع ورفع كلفته على جميع الأطراف.

وفي المقابل، فإن تكرار الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية قد يضيّق المساحة المتاحة أمام الدبلوماسية، ويزيد الضغوط الداخلية على الحكومات الخليجية لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا، لا سيما إذا تكررت الاعتداءات أو اتسعت إلى مرافق استراتيجية أخرى، بما يهدد حركة السفر والمصالح الاقتصادية.

وحذر ابن جاسم من وجود ما وصفه بـ"مخططات ومؤامرات عدائية" تستهدف دول مجلس التعاون، موضحًا أن بعضها يسعى إلى استنزاف الثروات، فيما يهدف بعضها الآخر إلى فرض السيطرة السياسية والاقتصادية. لكنه لم يقدم في التصريحات الواردة تفاصيل تثبت طبيعة تلك المخططات أو الجهات المسؤولة عنها.

وتتقاطع هذه المخاوف مع دعوة الهيل إلى بناء تحالف إقليمي أوسع؛ إذ قال: إنه يدرك تباين المصالح بين الدول العربية والإسلامية واختلاف تحالفاتها الخارجية، لكنه يفضل أن تنضم إلى ما سماه "حلف اتفاق مكة"، بوصفه إطارًا لحماية الأمن القومي ومواجهة القوى التي يعدها معادية.

حرب مفتوحة

تزامن التصعيد ضد السعودية مع تطورات عسكرية في اليمن؛ حيث أعلنت قوات الحكومة اليمنية بدء عمليات قالت إنها تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين، في مؤشر على أن المواجهة لا تقتصر على الهجمات التي تطال الأراضي السعودية، بل تشمل تحركات ميدانية داخل اليمن.

وأعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إطلاق عملية "فجر اليمن"، فيما أعلنت قوات درع الوطن، في 6 أكتوبر/ تشرين الأول، تنفيذ عملية عسكرية في مديرية الوازعية بمحافظة تعز، وقالت: إنها سيطرت على مواقع إستراتيجية خلال تقدمها ضد الحوثيين.

كما أفادت قيادة محور تعز باستهداف آليات وتجمعات للحوثيين في عزلة قدس بمديرية المواسط، بينما أعلنت قوات الجيش اليمني الحكومي السيطرة على مواقع جديدة في مديرية حيفان جنوبي المحافظة. وتأتي هذه التطورات في سياق اتساع العمليات العسكرية وتعدد الجبهات التي تشهد مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين.

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن ما إذا كان التصعيد العسكري سيؤدي إلى إضعاف الحوثيين وتقليص قدرتهم على تهديد السعودية، أم أنه سيفتح جبهات إضافية تستنزف الموارد وتطيل أمد الحرب، خصوصًا إذا استمرت الهجمات عبر الحدود بالتزامن مع العمليات البرية والجوية داخل اليمن.

وفي الوقت نفسه، لا تكفي المعلومات الواردة للجزم بأن الحرب تحولت بالفعل إلى إستراتيجية منظمة لاستنزاف السعودية، أو أن الأطراف الإقليمية تمتلك تصورًا موحدًا لتوجيه مسارها. لكن استمرار الهجمات على المطارات، بالتوازي مع اتساع العمليات اليمنية، يعزز المخاوف من تداخل المسارات العسكرية والسياسية.

ويظل أمن السعودية عاملًا محوريًا في حسابات دول مجلس التعاون، بالنظر إلى موقعها وحجمها داخل المنظومة الخليجية، كما قال ابن جاسم والهيل. غير أن هذا الترابط لا يعني بالضرورة أن جميع الدول ستدخل مواجهة مباشرة، إذ يمكن أن تتباين استجاباتها بين التنسيق الأمني والدعم السياسي والتحرك الدبلوماسي.