حل شكلي وخلافات جوهرية.. أربع عقبات أمام اندماج" قسد" في الدولة السورية

وحدات "قسد" المعاد تشكيلها تخضع حاليا للفيلق الثاني المتمركز في شمال شرقي سوريا
أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، مظلوم عبدي، في 25 أغسطس/ آب 2026، حل قواته بوصفها تشكيلا عسكريا مستقلا، مبررا الخطوة بإنجاز المهام الموكلة إليها، وذلك بعد تصريحات أدلى بها في 20 أغسطس/ آب، أكد خلالها استكمال عملية الاندماج مع الحكومة السورية، بموجب الاتفاق الذي أبرمه الطرفان في 29 يناير/ كانون الثاني 2026.
وأوضح عبدي أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالا إلى العمل السياسي من أجل تثبيت حقوق الأكراد في الدستور السوري، لكنه لم يحدد الآليات التي ستنفذ من خلالها هذه العملية، في ظل استمرار تباين مواقف الطرفين بشأنها.
ورغم الإعلان رسميا عن حل "قسد" ودمجها في الجيش السوري، يرى الخبير المتخصص في الشؤون الكردية، فحيل عبد الباسط عبد الكريم، أنه "لا تزال هناك قضايا عالقة على أرض الواقع تتطلب التسوية، في وقت حققت فيه المرحلة السابقة نتائج ملموسة على الصعيدين الأمني والإداري، لا سيما فيما يتعلق بإعادة هيكلة التشكيلات العسكرية".
وذكر موقع "المجلس الروسي للشؤون الدولية RIAC" أن وحدات "قسد" المعاد تشكيلها تخضع حاليا للفيلق الثاني المتمركز في شمال شرقي سوريا، وفقا للهيكل التنظيمي الجديد للجيش السوري الذي يضم ستة فيالق".
وتابع: "أما على الصعيدين الأمني والإداري، فقد انضم آلاف من عناصر قوات "الأسايش"، وهي قوات الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا "روجافا"، إلى وزارة الداخلية السورية، بالتزامن مع استئناف المؤسسات الحكومية عملها في مدن عدة، بينها الحسكة والقامشلي".
وأوضح أنه "نتيجة لذلك، انتقلت السيطرة على مطار القامشلي وعدد من حقول النفط إلى الحكومة المركزية في دمشق في فبراير/ شباط 2025، كما جرى دمج ممثلين وموظفين أكراد في منظومة وزارة الدفاع السورية".
وبحسبه، "شملت الإجراءات المتخذة أيضا تعيين ممثلين أكراد في مناصب داخل الهيئات الإدارية المحلية، بما في ذلك تولي إدارة بعض المناطق، استجابة لمطالب كردية مستمرة منذ سنوات بتوسيع نطاق تمثيلهم وتعزيز مشاركتهم في عمل المؤسسات الحكومية".
ورغم الأهمية السياسية لإعلان عبدي حل "قسد"، يعتقد الكاتب أن "التنفيذ العملي لهذه الخطوة ما زال يكتنفه الغموض، في ظل غياب تصور واضح للآليات التي ستنظم هذه العملية، لا سيما فيما يتعلق بهيكل القيادة، وإجراءات الترقية العسكرية، وقواعد التعامل مع الأسلحة، ومتطلبات الانضباط العسكري".
ومن ثم، يرى أن "استمرار الخلافات بين الطرفين يستدعي عقد جولات جديدة من المفاوضات للتوصل إلى تفاهمات تحظى بقبول الجانبين".
في هذا السياق، أبرز "مجموعة من القضايا الأساسية التي لا تزال بحاجة إلى التسوية، وفي مقدمتها التمثيل السياسي".

التمثيل السياسي
وبحسب المحاضر في جامعة دهوك التقنية بإقليم كردستان العراق، فإن قسد ترى أن "التشكيلة الحالية لمجلس الشعب السوري لا تضمن مشاركة متساوية لجميع مكونات المجتمع السوري".
وعزا ذلك إلى أن "الأكراد لا يشغلون سوى 11 مقعدا من أصل 210 مقاعد، أي ما نسبته 5.24 بالمئة، من بينها مقعدان منحتهما الحكومة، وهي حصة لا تتناسب مع ثقلهم الديموغرافي"، على حد قوله.
وفي هذا الإطار، شدد الكاتب على أن "القادة الأكراد يصرون على زيادة تمثيلهم في المجلس إلى 40 مقعدا، بينما تتمسك دمشق بموقف مفاده أن الحصة الكردية يجب أن تكون ضمن إجمالي المقاعد المخصصة للمناطق التي يعيش فيها الأكراد، (أي دون تخصيص حصة مستقلة لهم على أساس عرقي)".
وفضلا عن ذلك، "يدعو القادة الأكراد إلى إقرار دستور جديد يكرس نظام حكم لا مركزيا ويضمن حقوق مكونات المجتمع السوري كافة، في حين تتركز المفاوضات الجارية مع المسؤولين السوريين على مسألتي الهوية الوطنية لسوريا وطبيعة نظامها السياسي".
وفي هذا السياق، ذكر أن عبدي "أكد على ضرورة مواصلة الأكراد نضالهم من أجل ضمان احترام حقوقهم الدستورية".
أما القضية الثانية والتي تظل من أكثر الملفات تعقيدا، هي قضية المعتقلين والسجناء، فوفق الكاتب، "يتبادل الطرفان الاتهامات بشأن أعداد الأسرى والمفقودين، في وقت تصر فيه "قسد" على كشف مصير مئات من مقاتليها الذين أسروا خلال عملية "غصن الزيتون"، التي نفذتها القوات المسلحة التركية بالتعاون مع فصائل الجيش السوري الحر عام 2018".
في المقابل، أشار الموقع إلى أن "تجمعات قبلية تؤكد أن "قسد" سلمت آلاف المقاتلين إلى السلطات العراقية، بعد اتهامهم بالارتباط بتنظيم الدولة".
يضاف إلى ذلك، اختلاف الطرفين على القضايا الإدارية، فرغم التوصل في البداية إلى اتفاق يقضي بتسليم المؤسسات إلى الحكومة السورية وتعيين مسؤولين جدد لإدارتها، أوضح الكاتب أن "الخلافات لاتزال قائمة بشأن السيطرة على عدد من المنشآت الحيوية، وفي مقدمتها المعابر الحدودية مع تركيا وإقليم كردستان شمال العراق".
على الصعيد الثقافي، ذكر الموقع أن هناك "خلافا حول اللغة الكردية يتمحور حول وضعها القانوني، إذ تسعى "قسد" إلى انتزاع اعتراف رسمي بها وتثبيت مكانتها في الدستور، إلى جانب اعتمادها لغة رئيسة للتعليم في شمال شرقي سوريا، وتحديدا في إقليم روجافا".
وتابع: "على الجانب الآخر، تبدي السلطات السورية استعدادها للاعتراف بالكردية بوصفها "لغة وطنية" فقط، وتقترح تدريسها مادة اختيارية على قدم المساواة مع اللغات الأخرى".
وبحسب الكاتب، "تطرق مظلوم عبدي إلى هذه القضية، معربا عن أمله في أن يشهد القرار الذي اتخذته الحكومة السورية خلال الفترة الأخيرة بإدراج اللغة الكردية في المناهج التعليمية خطوات إضافية لتعزيزه وتطويره".
تفسيرات متعارضة
ورغم أن هذه القضايا قد تبدو، بحسب تعبير الكاتب، "ثانوية في ظل التوافق العام بين الطرفين"، إلا أنه يعتقد أن "تسويتها تظل معقدة بسبب التفسيرات المتعارضة التي يقدمها كل طرف، وهو ما ينطوي على مخاطر جدية قد تحولها إلى مصادر جديدة للتوتر".
وأضاف: "تبرز هذه الإشكالية خصوصا لدى القوى الكردية التي تعارض دمج المؤسسات القائمة أو حلها، في حين تتبنى المجموعات العربية مواقف مختلفة، الأمر الذي يعيد الأوضاع مرارا إلى مرحلة حرجة ويجعلها على شفا الانهيار".
ولفت إلى أن "الأوضاع تزداد تعقيدا بفعل حالة الفوضى الناجمة عن انتشار الأسلحة وتصاعد نفوذ التشكيلات غير الرسمية، إذ لا تزال التجمعات القبلية تحتفظ بترساناتها العسكرية الخاصة، وتعتمد على زعمائها والسلطات المحلية في معالجة شؤونها الداخلية".
وأردف: "وفي الوقت نفسه، تشير المعلومات المتاحة إلى تراجع كبير في نفوذ القيادة التقليدية لـ"قسد"، عقب تقلص مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرتها، بالتزامن مع تنامي نشاط جماعات قومية متشددة، وفي مقدمتها "حركة الشبيبة الثورية"، التي باتت تمتلك القدرة على حشد السكان الأكراد وتعبئتهم".
ووفقا له، "برزت هذه التحولات عقب إعلان ممثلين عن حركة "الشبيبة الثورية" حالة الطوارئ في محافظة الحسكة، على خلفية تصريحات عبدي بشأن حل (قسد)".
وحركة الشبيبة الثورية، هي تنظيم شبابي كردي يتبنى أفكار عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، وترتبط بهياكل سياسية موالية للحزب، مع تبنيها مواقف أكثر تشددا من قيادة "قسد"، لا سيما بشأن الاندماج في مؤسسات الدولة السورية.

نهج تدريجي
من جانبها، اختارت قوات سوريا الديمقراطية -بحسب الكاتب- اتباع نهج تدريجي في عملية الاندماج، يقوم على تسوية القضايا المتعلقة بضمان مستقبل كوادرها العسكرية والمدنية وإدماجهم في مؤسسات الدولة السورية؛ إذ منحت هذه المسألة أولوية قصوى، بينما أرجأت تفكيك هيكلها التنظيمي إلى حين الانتهاء من وضع الآليات النهائية للمرحلة الانتقالية".
بعبارة أخرى، يرى الموقع أن "(قسد) راهنت على مفاوضات تقوم على تقديم تنازلات متبادلة، سعيا للحصول على بعض المكاسب والضمانات مقابل التخلي عن جزء من مطالبها".
وبحسب تقديره، "يعكس هذا التوجه مخاوفها من فقدان ثقلها السياسي ونفوذها على الساحتين السورية والإقليمية، في حال عدم حصولها على ضمانات أساسية، وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري بها، وتأكيد شرعيتها للمشاركة في الحياة السياسية".
في المحصلة، يقدر الكاتب أن "الأكراد تعاملوا مع عملية الاندماج وتسوية الصراع السوري من منظور القومية الإستراتيجية الذي تشكل بتأثير قوى كردية إقليمية، مثل إقليم كردستان شمال العراق، وحزب العمال الكردستاني، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد في تركيا".
ووفق تحليله، "يقوم هذا النهج على مبدأ الحفاظ على المكتسبات المحققة، إذ يسعى الأكراد عقب كل مرحلة من مراحل الصراع إلى الاحتفاظ بالمواقع والمكاسب التي حققوها، من خلال انتهاج سياسة براغماتية وتوظيف المفاوضات للوصول إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي".
وبحسب رؤيته، عبر قائد "قسد" مظلوم عبدي عن هذا التوجه، مشددا على ضرورة الحفاظ على المكتسبات التي حققتها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا "روجافا"، ودمجها ضمن مشروع وطني سوري شامل، وصفه بـ(النظام السوري الجديد)".
ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن "حل (قسد) بوصفها تشكيلا عسكريا يمثل في المقام الأول خطوة تنظيمية شكلية، إذ ستحتفظ قيادتها الحالية بصلاحياتها السياسية والإدارية داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يشير إلى إعادة هيكلة السلطة القائمة، وليس تغييرا في طبيعتها"، على حد قوله.
وتابع: "من المرجح أن تظل قضايا توزيع الصلاحيات على المستوى المحلي، والتمثيل السياسي للأكراد، وحدود اللامركزية، والمصير المستقبلي للعسكريين والعاملين في الأجهزة الأمنية، فضلا عن طبيعة العلاقة بين السلطات المركزية والمناطق ذات الأغلبية الكردية؛ مصادر مستمرة للتوتر والخلاف، تتجاوز مسألة حل التنظيم نفسها".
ومن ثم، خلص إلى أن "حل "قسد"، رغم ما قد يشير إليه من انتهاء مرحلة من الصراع بشأن طبيعة العلاقة مع دمشق، لا يعني بالضرورة زوال التناقضات العميقة التي حكمت هذه العلاقة طوال السنوات الماضية".
واختتم قائلا: "من المتوقع أن تتحول الخلافات من التفاوض بشأن شروط الاندماج إلى الصراع على شكل الدولة وطبيعة توزيع موازين القوى داخل مؤسساتها".

















