واشنطن تفتح مبيعات السلاح لسوريا.. كيف يعقد القرار حسابات تركيا وإسرائيل؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد سنوات ظل فيها الجواب الأميركي على أي طلب سوري للسلاح محسوما سلفا بالرفض، فتحت واشنطن الباب بشروط أمام صفقات قد تعيد رسم توازنات معقدة تمتد من دمشق إلى أنقرة وتل أبيب.

وذكر موقع "ذا ميديا لاين" الأميركي أن الولايات المتحدة أنهت سياستها الشاملة القائمة على رفض تراخيص الصادرات والخدمات العسكرية إلى سوريا، في تحول جديد بالعلاقات بين واشنطن ودمشق.

وأوضح الموقع أن تعديل وزارة الخارجية على "لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة" (ITAR) دخل حيز التنفيذ في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بموجب سياسة جديدة أقرها وزير الخارجية في 19 أغسطس/آب 2026.

وبات ممكنا دراسة طلبات نقل المعدات والخدمات الدفاعية إلى سوريا كل حالة على حدة، بدلا من رفضها بحكم السياسة المتبعة. غير أن القرار لا يعني أن بإمكان سوريا شراء أي سلاح أميركي تريده، ولا يمثل موافقة على صفقة بعينها.

وأشار الموقع إلى أن واشنطن أزالت قرينة الرفض، وأصبح بإمكانها تحديد الطلبات السورية التي قد تكون مستعدة للموافقة عليها، إن وجدت.

ويأتي ذلك ضمن سلسلة تغييرات فككت القيود المفروضة على سوريا، إذ رفعت واشنطن في أغسطس/آب 2026 عقوبات منفصلة كانت تحظر مبيعات الأسلحة، ثم ألغت الخارجية بعد أربعة أيام تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.

لكن السؤال الذي يواجه دمشق أعمق من مجرد إتاحة السلاح الأميركي قانونيا، ويتعلق بنوع الجيش الذي تسعى سوريا إلى بنائه، وما تحتاجه فعلا من الولايات المتحدة.

أولويات التسليح

ورأى الرئيس السابق للمجلس العسكري في الجيش السوري الحر، العميد مصطفى أحمد الشيخ، أن إعادة بناء القوات المسلحة يجب أن تبدأ بتحديد المهام والعقيدة العسكرية، قبل قوائم المشتريات. 

وقال الشيخ الذي يعد من أرفع الضباط الذين انشقوا عن جيش بشار الأسد في السنوات الأولى للحرب، "لو أردنا التفكير بعقلية عسكرية، فلن أبدأ بالسؤال عن الأسلحة التي يمكننا شراؤها من أميركا، وسأسأل عن المهمة التي سيُطلب من الجيش السوري أداؤها خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة".

وأضاف أن سوريا تواجه حدودا طويلة وتهديدات إرهابية وتهريب أسلحة ومخدرات، فيما يعاني الجيش ضعفا كبيرا في القيادة والسيطرة والاستخبارات والمراقبة والاتصالات والدفاع الجوي، ولذلك فالأولوية ليست لشراء مقاتلات حديثة أو أساطيل دبابات بمليارات الدولارات.

وتابع "يمكنك امتلاك ألف دبابة، لكن إذا لم تكن لديك اتصالات آمنة بين القيادة والفرقة واللواء والكتيبة، ولا صورة موحدة لساحة المعركة، فليس لديك جيش حديث، بل مجرد وحدات مسلحة تعمل بشكل منفصل".

ولفت إلى أن الدفاع الجوي أخطر المتطلبات الإستراتيجية؛ إذ تحتاج سوريا إلى استعادة قدرتها على مراقبة مجالها الجوي وحماية المنشآت العسكرية والحيوية.

لكنه استبعد أن تصبح الولايات المتحدة المصدر الأسرع أو الأرجح لمنظومات الدفاع الجوي المتقدمة، مبينا أن هذه الأسلحة ترتبط مباشرة بالحسابات العسكرية الإقليمية، لا سيما إسرائيل، وستُعامل بشكل مختلف تماما عن معدات الاتصالات والمراقبة ومكافحة الإرهاب.

ولن تكون الولايات المتحدة الدولة الوحيدة المؤهلة لأداء دور في إعادة بناء الجيش السوري وتسليحه، فتركيا تملك حاليا الإطار الرسمي الأوضح للمساهمة في تدريب القوات السورية وتجهيزها.

ووقعت دمشق وأنقرة في أغسطس/آب 2025 اتفاقية تعاون عسكري تشمل التدريب والاستشارات وتوفير منظومات الأسلحة والمواد اللوجستية والمعدات.

ولم تختف روسيا من المشهد العسكري السوري، إذ تُحوَّل منشآتها العسكرية في طرطوس وحميميم إلى مراكز تدريب مشتركة بموجب اتفاق جديد أُبرم في 2026، مع بقاء بعض القوات الروسية في البلاد.

كما تستكشف دول أخرى التعاون الدفاعي مع دمشق، فقد التقى مسؤولون دفاعيون سوريون في يناير/كانون الثاني 2026 وفدا من شركة "برزان القابضة" القطرية، وأجرت سوريا وباكستان محادثات لتوسيع التعاون العسكري، دون الإعلان عن أي صفقة شراء.

تعدد الموردين

ورأى الشيخ أن انتقال سوريا ببساطة من جيش مجهز روسيا إلى آخر مجهز أميركيا ليس عمليا ولا ضروريا. وأردف: "النموذج الواقعي برأيي هو جيش متعدد المصادر، لكن ليس جيشا بمصادر أسلحة عشوائية".

واستطرد: “المشكلة في الحرب ليست في الحصول على السلاح فقط، فالسؤال الأهم هو قدرتك على إبقائه عاملا بعد عام أو خمسة أعوام. من أين تأتي قطعة الغيار؟ وهل يستطيع نظام اتصالات تركي تبادل المعلومات مع رادار روسي ونظام أميركي؟”

وتوقع أن تؤدي تركيا دورا كبيرا في التدريب وإعادة الهيكلة وتطوير عقيدة عسكرية جديدة بحكم الجغرافيا والعلاقة الدفاعية القائمة، فيما قد تحتفظ روسيا بدور في المنظومات المألوفة للعسكريين السوريين.

وقد تبرز الولايات المتحدة، وفق تقديره، موردا مهما للتكنولوجيا المتقدمة، لا سيما في الاتصالات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود.

وحذر الشيخ من أن "أخطر ما قد يحدث للجيش السوري الجديد أن يتحول إلى معرض لأسلحة روسية وتركية وأميركية لا تستطيع العمل معا".

ونبّه الموقع إلى أن هذه المنافسة المحتملة بين الموردين تفسر جانبا من الأهمية السياسية للقرار الأميركي، بما يتجاوز القيمة المالية لأي عقود تسليح مستقبلية.

ووصف الباحث والمحلل السياسي السوري، مصطفى النعيمي، القرار بأنه أكبر من تعديل تنظيمي تقني، لكن من المبكر عده قرارا أميركيا بتسليح سوريا، مختصرا ذلك بقوله "انتهى الحظر التلقائي، لكن الموافقة التلقائية لم تبدأ".

وشدد النعيمي على أن العلاقة لا تنتهي حين تبيعك أميركا منظومة عسكرية؛ إذ "هناك التدريب والصيانة وقطع الغيار والتحديثات والبرمجيات ومراقبة الاستخدام النهائي"، بما ينشئ علاقة طويلة الأمد بين المؤسسة العسكرية السورية والمنظومة العسكرية والأمنية الأميركية.

وأفاد الموقع بأن علاقة كهذه قد تمنح واشنطن قدرا من النفوذ، في وقت توسع فيه تركيا دورها الدفاعي في سوريا، وتحاول روسيا الحفاظ على عناصر من وجودها العسكري الممتد.

ورجّح النعيمي أن تركز أي علاقة دفاعية أميركية سورية في بدايتها على قدرات تعمّق التعاون الأمني دون تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي، مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والاتصالات والاستطلاع والتدريب ومعدات دفاعية منتقاة.

ولاحظ أن "الأسلحة، من منظور السياسة الأميركية، ليست مجرد سلعة، ويمكن أن تصبح أداة لإدارة العلاقة مع سوريا".

الحسابات الإسرائيلية

وتبقى إسرائيل العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة، فالقانون الأميركي يلزم الإدارة، عند دراسة صفقات السلاح لدول الشرق الأوسط غير إسرائيل، بالتأكد من أنها لن تمس "التفوق العسكري النوعي" الإسرائيلي.

ويهدف هذا الإطار القانوني إلى الحفاظ على قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات العسكرية من الدول المجاورة عبر التفوق في القدرات والتدريب، ما يجعل من غير المرجح التعامل مع جميع الطلبات السورية بالطريقة ذاتها، وفق التقرير.

فمعدات مراقبة الحدود أو أنظمة الاتصالات المستخدمة ضد تنظيم الدولة تثير تقديرات مختلفة تماما عن الطائرات القتالية المتقدمة أو الصواريخ بعيدة المدى أو منظومات الدفاع الجوي الإستراتيجية.

وذهب النعيمي إلى أن إسرائيل ستنظر على الأرجح بحذر إلى أي إعادة بناء واسعة للقوة العسكرية السورية، أيا كان مصدر السلاح، لكن المعدات الأميركية قد تكون في بعض الظروف أكثر قابلية للضبط من منظور أمني إسرائيلي.

وتخضع صفقات السلاح الأميركية عادة لقيود على الاستخدام النهائي وشروط إعادة النقل ومتطلبات الرقابة، ما يمنح واشنطن إشرافا مستمرا بعد التسليم.

وفرّق النعيمي بين حصول سوريا على منظومة عسكرية من دولة "تستطيع إسرائيل التأثير في قرارها السياسي وتربطها بها تنسيقات أمنية عميقة"، وحصولها عليها من مورد خارجي لا تملك واشنطن وتل أبيب التأثير ذاته في شروط استخدامه.

واستدرك بأن ذلك لا يعني أن إسرائيل ستدعم إعادة تسليح أميركية واسعة لسوريا، قائلا "نوع السلاح حاسم".

وتضيف تركيا طبقة أخرى إلى المعادلة، فأنقرة تبني بالفعل علاقة مؤسسية مع المؤسسة الدفاعية السورية، بينما أصبحت المخاوف الإسرائيلية من توسع الدور العسكري التركي في سوريا جزءا من النقاش الأمني الإقليمي الأوسع.

ونوّه النعيمي بأن واشنطن قد تجد نفسها بشكل متزايد قوة موازنة بين دمشق وأنقرة وتل أبيب. فسوريا تريد إعادة بناء جيشها، وتركيا تريد دورا كبيرا في ذلك، وإسرائيل تريد منع ظهور قدرات تعدها تهديدا.

وخلص إلى أن "السؤال الأدق ليس ما إذا كانت إسرائيل ستسمح لسوريا بإعادة التسلح أم لا. السؤال هو أي جيش سوري سيُعاد بناؤه، وما القدرات التي سيملكها، ومن سيتمكن من التأثير في قراراته".

ولا توجد حتى الآن حزمة أسلحة أميركية معلنة لدمشق، ولا قائمة سورية علنية بالمنظومات الأميركية التي تنوي طلبها.

لكن ما تغير في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 يبقى مهما، فبعدما كان الجواب الأميركي محسوما سلفا، صار بإمكان واشنطن أن تقول "نعم" بشكل انتقائي ومشروط.

وختم الموقع ناقلا عن الشيخ أن نجاح الجيش السوري الجديد لن يُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات، وسيُقاس بقدرة هذه الأسلحة على العمل ضمن جيش موحد بقيادة وعقيدة واحدة ومنظومة لوجستية متكاملة، بدلا من ترسانات متنافرة توفرها قوى دولية متنافسة.