لحظة إريتريا في القرن الإفريقي.. ترامب يرفع العقوبات وأفورقي يجني الثمار

"أفورقي يرى التطورات الجديدة تمثل فرصة"
بصورة لافتة، يخفف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقوبات بلاده على إريتريا، في وقت تسيطر فيه جماعة الحوثي اليمنية على مضيق باب المندب الإستراتيجي، بينما تنزلق إثيوبيا مجددا نحو الحرب.
في هذا السياق، يرى موقع "دويتشه فيله" الألماني أن “الأهمية الإستراتيجية لإريتريا تزداد في ظل موقعها الحيوي على البحر الأحمر قبالة اليمن، وتصاعد خطر اتساع التوترات نحو مواجهة إقليمية أوسع”.

توقيت لافت
واستهل الموقع حديثه مشيرا إلى أن "هناك تطورين قد يبدوان في البداية غير مترابطين: واشنطن ترفع عقوبات مهمة عن إريتريا، وبعد أيام قليلة يتصاعد الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي".
وتابع موضحا: "في 23 سبتمبر/ أيلول 2026، سيطرت قوات تيغراي على عدة مطارات، وامتدت الاشتباكات إلى إقليمي عفار وأمهرة".
وأردف: "وفي ظل تبادل الاتهامات بين الجانبين بشأن المسؤولية عن هذا التصعيد، يواجه اتفاق سلام بريتوريا المبرم عام 2022 اختبارا هو الأقسى منذ توقيعه".
وأضاف: "وفجأة، تعود إريتريا لتصبح عاملا حاسما، فالبلاد تقع مباشرة على البحر الأحمر، قبالة اليمن، فيما يقع ميناء عصب بالقرب من مضيق باب المندب ذي الأهمية الإستراتيجية".
ومن ثم، يرى أنه “مع تهديد الحوثيين لحركة الملاحة، يكتسب موقع أسمرة أهمية متزايدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة”
وبحسب تقديره، "قد تحتاج واشنطن إلى إريتريا أكثر مما كانت تحتاج إليها قبل سنوات، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بمنح أحد أكثر الأنظمة استبدادا في إفريقيا مجالا سياسيا جديدا للمناورة".
وعلق مارتن بلوت، الصحفي البريطاني والخبير في شؤون القرن الإفريقي: "قد يحدث ذلك بالفعل، وهنا تكمن أكبر المخاطر".
ووفق قراءته التحليلية فإن "التوترات الحالية قد تؤدي إلى مواجهة إقليمية أوسع".
ويعتقد بلوت أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتخذت قرارا إستراتيجيا، إذ يقول: "لقد حسّن ترامب العلاقات مع إريتريا مجددا ورفع العقوبات عنها، وذلك بهدف احتواء تهديد الحوثيين وتعزيز أمن البحر الأحمر".
ويرى التقرير أن "توقيت القرار يحمل دلالة لافتة؛ ففي 18 سبتمبر/ أيلول، أنهت الحكومة الأميركية حالة الطوارئ الوطنية التي كانت تستند إليها العقوبات المفروضة منذ عام 2021 على خلفية الأزمة في إثيوبيا".
وتابع: "وترتب على ذلك شطب وزارة الخزانة الأميركية عدة أشخاص وكيانات إريترية من قائمة العقوبات، من بينهم المسؤول المالي البارز والمستشار الاقتصادي لرئيس إريتريا هاجوس غيبريهيوت ولدوكيدان وشركة البحر الأحمر التجارية".
ورغم أن الموقع يقدر أن هذا القرار "لا يمثل دعما شاملا للحكومة الإريترية، إذ لم تعلن واشنطن رسميا أنها أبرمت اتفاقا سياسيا مع الرئيس أسياس أفورقي"، لكنه يعتقد أن "إحدى أهم أدوات الضغط انقضت، وذلك تحديدا في وقت يكتسب فيه الموقع الجغرافي لإريتريا أهمية إستراتيجية متجددة".
العامل الحاسم
ويقدر عبد الرحمن سيد، مدير مركز القرن الأفريقي للتكامل الإقليمي، أن "السياق الجيوسياسي الأوسع هو العامل الحاسم".
وقال: "لقد أُغلق مضيق هرمز منذ فترة، والآن يتعلق الأمر بمضيق باب المندب في البحر الأحمر، حيث تقع إريتريا، وقد يمنح ذلك أسمرة بعض الأفضلية لبناء علاقة جوهرية مع الولايات المتحدة".
بدوره، عقّب موسى أوكيلو من معهد الدراسات الأمنية في أديس أبابا: "في عام 2020، كان الأمر يتعلق بجبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الإثيوبية".
واستدرك: "أما اليوم، فالشرق الأوسط بأكمله يشتعل، وفي الوقت نفسه تتصاعد التوترات في البحر الأحمر، وهذا يغير القيمة الإستراتيجية ليس للساحل الإريتري فحسب، بل لمسار الملاحة بأكمله عبر البحر الأحمر".
وأضاف التقرير: "ولهذا السبب، قد تبدو إريتريا بالنسبة لواشنطن شريكا أمنيا ولوجستيا محتملا، أو على الأقل دولة ينبغي تفادي عدائها".
"لكن هنا تحديدا تكمن المعضلة، إذ تعد إريتريا واحدة من أكثر دول العالم استبدادا"، قال التقرير.
وأكمل: "فمنذ استقلالها عام 1993، لم تشهد البلاد أي انتخابات وطنية، كما تطبق خدمة وطنية وعسكرية غير محددة المدة، وتمتد عمليا إلى أجل غير مسمى".
واستطرد: "وخلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الفيدرالية الإثيوبية".
وحول تأثير رفع العقوبات على الوضع الاقتصادي، قال: "قد لا يحدث رفع العقوبات فرقا كبيرا على أرض الواقع، فإريتريا ليست مركزا تجاريا، ولا تمتلك علاقات تجارية راسخة مع العالم الخارجي والبلاد معزولة إلى حد كبير".
وفيما يتعلق بإمكانية تدخل إريتريا في الصراع الحالي في إثيوبيا بين الحكومة الفيدرالية وبين "تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء" والذي يضم جبهة تحرير شعب تيغراي وست جماعات مسلحة أخرى، أشار الموقع إلى أنه "خلال حرب تيغراي الأخيرة، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الجيش الإثيوبي، لكن العلاقات بين أسياس أفورقي وآبي أحمد تدهورت بشكل كبير بعد ذلك".
وأوضح أن "أحد أبرز محاور الخلاف يتمثل في وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، فمنذ استقلال إريتريا، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، وترى أن ضمان وصول موثوق إلى البحر يمثل ضرورة إستراتيجية، بينما تتمسك إريتريا بسيادتها".
في هذا السياق، ذكر التقرير أن الحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعم جماعات مسلحة، فيما تنفي أسمرة هذه الاتهامات".
وبحسب الموقع، "لا توجد حتى الآن أدلة على أن الولايات المتحدة أرادت، من خلال رفع العقوبات، تشجيع إريتريا على التدخل عسكريا في إثيوبيا، كما لا توجد معلومات تفيد بأن أفورقي قرر التدخل في الصراع الجديد".
مع ذلك، يعتقد التقرير أنه "إذا استمرت المعارك في تيغراي في التصعيد، فقد تخلص إريتريا إلى أن التدخل يخدم مصالحها الأمنية".
واستطرد: "وفي هذه الحالة، قد يتحول الصراع الداخلي في إثيوبيا سريعا إلى نزاع بين دولتين".

حريق شامل
وتكمن المعضلة أن القرن الإفريقي يشهد بالفعل خليطا من الأزمات والصراعات على النفوذ، ففي السودان تدور حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولا تزال الصومال غير مستقرة، بينما تختلف إثيوبيا ومصر بشأن نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي.
وتابع: "كما تسعى السعودية والإمارات إلى تحقيق مصالحهما الخاصة في البحر الأحمر، في حين ترتبط الحرب في اليمن ارتباطا مباشرا بأمن مضيق باب المندب".
من هنا، يشدد الموقع على أن "اندلاع مواجهة جديدة بين إثيوبيا وإريتريا لن يبقى محصورا بين البلدين".
ويرى موسى أوكيلو أن "الصراع في الشرق الأوسط يمثل عاملا إضافيا للمخاطر، إذ إن الوضع الجيوسياسي الجديد يزيد الضغوط من أجل الدخول في حوار مع إريتريا وإثيوبيا في الوقت نفسه، قبل أن تتحول التوترات القائمة إلى (حريق شامل)".
كما يحذر مارتن بلوت من سلسلة من ردود الفعل المتتالية، قائلا: "تدعم الإمارات قوات الدعم السريع، بينما يدعم السعوديون الإريتريين والقوات المسلحة السودانية، وقد يؤدي كل ذلك إلى تعزيز بعضه بعضا، بحيث ينتقل أحد الصراعات إلى آخر".
ونوه التقرير إلى أن ذلك "لا يعني أن اندلاع حرب إقليمية واسعة أصبح أمرا حتميا، إذ لدى الدول المعنية أسباب قوية للحيلولة دون خروج التصعيد عن السيطرة، لكن الروابط بين هذه الصراعات تزداد ترابطا".

لحظة إريتريا
بالنسبة إلى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي يحكم البلاد منذ عقود، يرى الموقع أن “التطورات الجديدة تمثل فرصة.” وفسر حديثه: "فرفع العقوبات يزيل جزءا من الضغوط الدولية، لكن الأهم أن التقارب مجددا مع واشنطن يظهر أن الموقع الجغرافي لإريتريا استعاد قيمته الإستراتيجية".
وأضاف: "وهنا تكمن المفارقة الحقيقية؛ فكلما ازدادت أهمية إريتريا لأمن البحر الأحمر، أصبح من الصعب على الولايات المتحدة الموازنة بين مصالحها الإستراتيجية ومخاوفها بشأن النظام السلطوي في البلاد".
أما بالنسبة إلى إثيوبيا، فيعتقد أن "التحدي الآن يتمثل في وقف القتال قبل أن تنخرط إريتريا فيه".
وفي المقابل، تبرز أمام واشنطن "معضلة أكثر تعقيدا تتمحور حول كيفية إشراك إريتريا كشريك في أمن البحر الأحمر، من دون أن يؤدي ذلك إلى منح أسمرة مجالا أكبر للتأثير والتدخل في محيطها الإقليمي".
باختصار، يرى التقرير أن "إريتريا التي ظلت لعقود دولة هامشية في الدبلوماسية الدولية، لم يكن موقعها الجغرافي كذلك يوما، وبالتالي مع اندلاع الحرب مجددا في تيغراي، وتهديد الحوثيين للبحر الأحمر، وإعادة واشنطن فتح قنوات الحوار مع أسمرة، قد تصبح أسمرة أحد الأطراف الحاسمة في المرحلة المقبلة من الصراعات في القرن الإفريقي".
















