اتفاقية مكة أمام اختبار اليمن.. هل تتحول من مظلة أمنية إلى أداة صراع إقليمي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تطرح التطورات الإقليمية الأخيرة تساؤلات بشأن قدرة اتفاقية مكة على الصمود أمام الاختبارات الأمنية والسياسية، لا سيما في ظلّ التصعيد بين السعودية والحوثيين في اليمن، وما قد يفرضه ذلك من تحديات على التزامات أطراف الاتفاقية وآليات تنفيذها.

ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب سليمان سيلفي أوغون، أكد فيه أن "هذا النقاش برز خلال ندوة عُقدت في نيويورك، حين أشار السفير الأميركي السابق جيمس جيفري إلى أن التطورات في اليمن سَتشكل اختبارا لتركيا وباكستان والسعودية، وستكشف ما إذا كانت اتفاقية مكة مجرد نمر من ورق". 

وأضاف “لكن ردّ وزير خارجية تركيا هاكان فيدان ردّ مستشهدا بحلف الناتو؛ حيث وضّح أن المادة الخامسة لم تُفعّل سوى مرة واحدة خلال نحو 80 عاما، رغم أن الحلف منظمة راسخة ومستقرة، وبالتالي لا يمكن عدّ حادثة واحدة معيارا للحكم على كيان لا يزال في بدايات تشكله ولم يكتمل تنظيمه بعد”.

محاولة التأثير

وشدَّد الكاتب التركي على أن “أهمية اتفاقية مكة بالنسبة إلى أنقرة تكمن في أنها تفتح أمامها فرصة إقليمية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تظل هشة وقابلة للتطور في اتجاهات مختلفة، كما أن الاتفاقية لا ترتبط بإرادة الدول الثلاث وحدها، بل تحظى أيضا بموافقة أميركية”. 

وأوضح أن “الولايات المتحدة التي دخلت الحرب مع إيران تحت ضغط إسرائيل ودون حسابات دقيقة، اصطدمت بمقاومة قوية وتكبدت هزيمة ثقيلة، وهو ما انعكس على مكانتها ومصداقيتها، وعلى الشبكات التي بنتها في الشرق الأوسط، لا سيما في الخليج، والتي تعرضت للاختراق والتفكك”. 

وفي ظل هذه التطورات، وجدت واشنطن نفسها أمام وضع معقد في المنطقة.

ومع اقتراب انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، يسعى ترامب، في حال تجاوزها دون أزمات، إلى إيجاد صيغة تسمح للولايات المتحدة بتقليص وجودها في الشرق الأوسط بعد تأمين مصالحها وموقعها، يقول أوغون.

واستدرك: “غير أن تقليص الحضور الأميركي لا يعني التخلي الكامل عن المنطقة، بل قد يتطلب ترك هيكل إقليمي تتولاه قوى حليفة لواشنطن”. 

وفي هذا السياق، تبدو تركيا وباكستان، إلى جانب السعودية، مرشحتين للاضطلاع بدور أساسي، بحيث يشكل هذا الهيكل قوة تتوسط بين إسرائيل وإيران وتحافظ على نوع من التوازن بينهما.

وأردف الكاتب بأن “إسرائيل تعاملت مع اتفاقية مكة بدرجة واضحة من التوجس؛ إذ بدت من جهة شديدة الشك في طبيعتها ومستقبلها، بينما أثارت بعض خطواتها وتفسيراتها علامات استفهام من جهة أخرى. وكان من أول تحركاتها تعزيز الاتفاقيات العسكرية التي تربطها منذ فترة طويلة باليونان وقبرص الرومية”. 

وتابع: "يمكن فهم ذلك بوصفه إجراء احترازيا؛ تحسبا لاحتمال استخدام اتفاقية مكة في اتجاه قد يضر بالمصالح الإسرائيلية، خصوصا أن الاتفاقية، رغم عدم تحديدها هوية "العدو" بصورة صريحة، تتضمن حكما قريبا في قوته من المادة الخامسة في معاهدة الناتو".

وأشار الكاتب التركي إلى أنه “من الصعب أن تقتصر التحركات الإسرائيلية على هذه الإجراءات؛ إذ قد تسعى إلى التأثير في مسار الاتفاقية ودفعها نحو طابع يركز على مواجهة إيران أكثر من مواجهة إسرائيل”. 

في المقابل، تحاول تركيا الاستفادة من تراجع الحضور الأميركي في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الوطنية، وتستند إلى خبرتها وتراكمها التاريخي في المنطقة.

ويتركز جزء أساسي من هذه الحسابات حول سوريا والعراق ولبنان؛ فسوريا تمثل المجال الأكثر أهمية بالنسبة إلى تركيا، يليها لبنان، بينما يشكل العراق المجال الشرقي الأكثر أهمية. 

وقد تمكنت أنقرة، بعد مراحل شاقة، من ترسيخ موطئ قدم لها في سوريا، في وقت أصبح فيه واضحا أن إسرائيل هي المنافس الأساسي لها هناك مع تحركها المتزايد في الساحة السورية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر لأنقرة؛ لأن خسارة تركيا لسوريا ولبنان لصالح إسرائيل ستؤدي إلى خسائر أكبر بالنسبة إليها. 

أما العراق، فيختلف وضعه بسبب تعقيداته؛ إذ تتمثل المنافسة الأساسية لتركيا فيه مع إيران، وهي في الوقت ذاته الخصم الذي تسعى إسرائيل إلى مواجهته.

اختبار الاتفاقية

لذلك تحتاج أنقرة، يؤكد الكاتب، إلى موازنة دقيقة بين ساحتي سوريا والعراق، بحيث لا يؤدي تحركها في إحداهما إلى تعقيد موقعها في الأخرى.

وقال أوغون: “في ظل هذه الحسابات، يصبح التصعيد في اليمن اختبارا مباشرا لطبيعة اتفاقية مكة ومستقبلها". 

وأكد أن "إسرائيل لا تقف مكتوفة الأيدي، بل تعمل على عرقلة التحركات التركية، بينما وفرت المواجهات الأخيرة بين السعودية واليمن فرصة مناسبة لها للتحرك”.

ويرى أن “الهجوم السعودي على اليمن خطأ كبير، سواء تم عن قصد أم من دونه، وإذا كانت الرياض قد اتخذت هذه الخطوة وهي تضع اتفاقية مكة في حساباتها، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول طبيعة التنسيق بين أطراف الاتفاقية”. 

وتساءل أوغون: “فهل استطلعت السعودية موقفي تركيا وباكستان قبل مهاجمة اليمن؟ أم أنها اعتمدت على أحكام الاتفاقية ووضعت الدولتين أمام أمر واقع؟”

ويختلف تأثير كل احتمال بصورة كبيرة، فإذا لم تكن تركيا وباكستان على علم مسبق بالعملية؛ فقد يؤدي ذلك إلى إلحاق ضرر كبير بمستقبل الاتفاقية. 

أما إذا تمت العملية بموافقتهما، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة؛ لأنه قد يعني أن الاتفاقية بدأت تتحول إلى الإطار الذي تريده إسرائيل، أي أداة تركز بصورة متزايدة على مواجهة إيران، يوضح أوغون.

كما أن دخول تركيا وباكستان في مغامرة عسكرية في اليمن يحمل مخاطر كبيرة، وفق وجهة نظر الكاتب.

فإذا انضمت الدولتان إلى السعودية بكل ثقلهما، فقد تجد نفسها أمام مهمة سبق أن أخفق فيها التحالف السعودي الإماراتي، كما فشلت الولايات المتحدة في التعامل معها. 

لذلك فإن القصف الجوي وحده لن يكون كافياً لحسم الصراع، بينما ستكون أي عملية برية محتملة مكلفة للغاية بسبب طبيعة اليمن الجغرافية، وقد تفضي إلى خسائر بشرية كبيرة لأي طرف يقدم عليها.

مخاطر الصراع

وقال أوغون: “هذه التطورات تزيد من المخاوف بشأن احتمال وجود دور إسرائيلي في الهجوم السعودي على اليمن، لا سيما إذا انخرطت تركيا وباكستان فيه بصورة مباشرة”. 

وأضاف “ففي هذه الحالة، قد تستفيد إسرائيل من تحول اتفاقية مكة من إطار للتنسيق بين الدول الثلاث إلى أداة موجهة ضد إيران، بينما تتحمل تركيا وباكستان تكاليف هذا التحول”.

وشدد على أن “المخاطر لا تقتصر على اليمن نفسه؛ إذ قد يؤدي تصاعد التوتر بين إيران وتركيا من جهة، وإيران وباكستان من جهة أخرى، إلى فتح مسار لصراع سني-شيعي واسع ومفتوح النهاية في الشرق الأوسط، وهو سيناريو قد يخدم إسرائيل بصورة مباشرة”.

واستطرد أوغون: “في هذا السياق، تبدو إجابة هاكان فيدان على جيمس جيفري ذات أهمية؛ لأنها تشير إلى أن أنقرة لا تتعامل مع اتفاقية مكة باعتبارها تحالفا عسكريا مكتمل الأركان يمكن تفعيل التزاماته بصورة آلية، بل كإطار لا يزال في طور التشكل”. 

ولفت إلى أن “الخبرة والتراكم اللذين تَمتلكهما الدولة التركية في المنطقة يمثلان عاملا يساعدها على تجنب الانجرار إلى مسارات قد تضر بمصالحها. ويبقى اجتماع رؤساء الأركان الذي عُقد في الرياض مؤشرا قد يساعد في تهدئة بعض المخاوف بشأن مستقبل الاتفاقية واتجاهاتها”. 

وختم أوغون مقاله بالقول: “غير أن الاختبار الحقيقي سيبقى في قدرة تركيا وباكستان والسعودية على إدارة خلافاتها وحساباتها الإقليمية، دون تحويل الاتفاقية إلى أداة لانخراط عسكري مباشر في صراعات يصعب حسمها، فمستقبل تركيا لا ينبغي أن يتحول إلى مقامرة تُدفن في جبال اليمن”.