من الكويت إلى مكة.. كيف ترسخ باكستان حضورها العسكري في الشرق الأوسط؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تمثل الاتفاقية العسكرية الأخيرة بين الكويت وباكستان إنجازا دبلوماسيا جديدا تحققه إسلام آباد في مساعيها لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط. 

وفي هذا السياق، يرى مركز دراسات "جيوبوليتيكا.إنفو" الإيطالي أن "الحرب بين إيران والولايات المتحدة لا تبدو مؤشرًا على تحول واشنطن من عنصر استقرار إلى مصدر خطر بالنسبة للملكيات النفطية فحسب، بل تبدو أيضا بمثابة فرصة مواتية لكي تقف باكستان جنبا إلى جنب مع شركائها التاريخيين في منطقة الخليج".

الشريك الأمثل

في 26 يوليو/ تموز 2026، وقعت الكويت اتفاقية دفاع مع باكستان، في خطوة عززت إطار التعاون العسكري الذي أرساه البلدان في 11 يونيو/ حزيران 2023، وشمل التدريب العسكري والتعاون اللوجستي وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا الدفاعية.

وبحسب التقرير، فإن "الاتفاقية تتضمن أيضا تعاونا يتجاوز مجرد التفاهم العسكري والدبلوماسي؛ إذ من المقرر أن تشمل تبادلًا أكثر انتظامًا للمعلومات السرية، دون الحصول على موافقة أطراف ثالثة".

وفي هذا الإطار، أشار إلى أنه "كما هي الحال بالنسبة إلى الإمارات ومنطقة الخليج ككل، تعرضت الكويت لهجمات إيرانية مكثفة خلال المراحل الأولى من الصراع، واستمرت تلك الهجمات حتى قبل بضعة أسابيع".

وتابع: "ويعود ذلك إلى استضافة الكويت قواعد أميركية، ما جعلها هدفا للهجمات المكثفة التي شنتها إيران".

وأردف: "وبالتالي، حول الرد الإيراني المخاوف القديمة لدى الملكيات الخليجية بشأن أمنها الوطني والإقليمي إلى واقع ملموس، كما أبرز هشاشة هذه الدول".

وعليه، أوضح المركز أن "دول الخليج بدأت في البحث عن إستراتيجيات دفاع بديلة، بمعزل عن القدرات العسكرية الأميركية".

ومع ذلك، أكد التقرير أن "هذا لا يعني التخلي الكامل عن الوجود العسكري الأميركي، وإنما توسيع القدرات الدفاعية الخليجية بحيث لا تعتمد بصورة أساسية على الولايات المتحدة".

ومن هنا، ذكر أنه "وفي إطار عملية ربما بدأت في سبتمبر/ أيلول 2025، يبدو أن باكستان أخذت تشغل موقعا متزايد الأهمية إلى جانب الأميركيين في المنطقة، لتصبح أكثر تأثيرا في موازين القوى الإقليمية".

واستطرد: "على الأغلب لم تحظَ إسلام آباد في أي وقت مضى بمثل هذه الأهمية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، بل يمكن القول إن تنامي دور قائد الجيش عاصم منير في السياسة الباكستانية قد يشير إلى نوع من (الدمج) بين قطبي السلطة السياسية في البلاد، أي القطب المدني والقطب العسكري".

ومن ثم، قدر التقرير أنه "يمكن النظر إلى الثقل الدبلوماسي المتنامي لباكستان بوصفه مؤشرا على مزيد من الموثوقية على الصعيد العسكري".

فضلًا عن أن "الروابط الممتازة التي تجمع باكستان بدول الخليج تجعل من إسلام آباد الشريك الأمثل لتعزيز التعاون العسكري أيضا".

وتستفيد باكستان من هذا الثقل الدبلوماسي والعسكري المتزايد؛ إذ أشار التقرير إلى أن "ترسيخ العلاقات العسكرية بين إسلام آباد والملكيات الخليجية يعزز دورها لدى ما يعرف بـ(الملكيات السنية)، كما يعزز مكانتها في منطقة الشرق الأوسط الأوسع".

تحسن ملحوظ

في الوقت ذاته، نوه إلى أن "الإستراتيجية التي تتبعها إسلام آباد لا تتعارض مع علاقاتها الدبلوماسية الوثيقة للغاية مع إيران".

وتابع: "ورغم أن العلاقات بين البلدين لم تكن مستقرة دائما على مدار تاريخهما، يمكن القول: إن العلاقات بين الجمهوريتين الإسلاميتين شهدت تحسنًا ملحوظًا منذ زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان في أغسطس/ آب 2025".

واستشهد على ذلك بتوقيع "الجانبين اتفاقيات اقتصادية جديدة، رغم أن الهدف الأساسي من هذا اللقاء تركز على تعزيز مكافحة الإرهاب وتكثيف عمليات الرقابة على الحدود الإيرانية الباكستانية".

من جانب آخر، يعتقد التقرير أن "العلاقات الدبلوماسية بين البلدين شهدت مزيدًا من التقارب على خلفية اختيار طهران عقد لقاءات مع الأميركيين في إسلام آباد".

ونسب المركز جزءا من هذا التقارب بين الدولتين إلى عمران خان، قائلا: "أسهم رئيس الوزراء السابق بصورة مهمة في تطوير العلاقات بين باكستان وإيران، من خلال قيامه بدور الوسيط في التوترات بين الرياض وطهران عام 2019".

علاوة على ذلك، "شكل سقوط حكومة أفغانستان في أغسطس 2021 محطة مهمة أخرى؛ إذ أدى عودة طالبان للمشهد السياسي الأفغاني إلى تقارب المصالح بين طهران وإسلام آباد فيما يتعلق بالأمن الإقليمي والسيطرة على حدودهما المشتركة".

وأردف: "وفي العلاقات الدبلوماسية بين باكستان وإيران، يعني تعزيز السيطرة على الحدود ومكافحة الإرهاب أمرا واحدا بصورة أساسية: احتواء تمرد إقليم بلوشستان".

"وإلى جانب ذلك، وعلى مستوى أكثر محدودية، يبدو أن هناك نفوذا إيرانيا داخل باكستان، لا سيما بين المجتمعات الشيعية، من خلال منظمة نور غير الربحية". قال التقرير.

وبحسبه، "يُعتقد أن هذه المنظمة كانت الوسيلة التي استخدمها الحرس الثوري الإيراني لتجنيد شيعة باكستانيين في لواء زينبيون".

وبناء عليه، لفت إلى أن "زيادة انحياز إسلام آباد إلى دول الخليج قد لا تؤدي بالضرورة إلى إضعاف العلاقات بين إيران وباكستان، بقدر ما قد تؤدي إلى نفور السكان الشيعة داخل البلاد".

في هذا السياق، يرى أن "الاحتجاجات التي اندلعت خلال الأسبوع الأول من مارس/ آذار 2026، عقب مقتل المرشد الأعلى الثاني للجمهورية علي خامنئي، لا تشكل مؤشرًا على تغلغل إيراني مستقر وقوي في باكستان، بقدر ما تعكس التقارب السياسي والروحي الذي تشعر به هذه المجتمعات تجاه طهران".

وأضاف أن "خطورة شعور المجتمع الشيعي الباكستاني بمزيد من العزلة والتهميش تزداد بسبب تمركز المجتمعات الشيعية بصورة أكبر في بعض المناطق الشمالية من البلاد، يقع بعضها ضمن أكثر الأقاليم اضطرابا فيها، وهي خيبر بختونخوا وبلوشستان وجيلجيت-بالتستان".

"لا غنى عنه"

بالعودة إلى التعاون العسكري بين باكستان ودول الخليج، يقدر المركز أن "التفاهم العسكري الأخير بين الكويت وباكستان يمثل الحلقة الأخيرة في إستراتيجية دفاعية أوسع يتمحور مركزها حول الخليج ودولته الإقليمية الرئيسة، أي السعودية".

وتابع: "وفي الوقت نفسه، يبدو أن هذه الإستراتيجية آخذة في التمدد لتشمل الشرق الأوسط، مع إدخال تركيا ضمن هذه المعادلة".

وبعبارة أخرى، "يمكن النظر إلى الاتفاق الدبلوماسي العسكري الأخير بين إسلام آباد والكويت، بوصفه حلقة في إستراتيجية عسكرية أوسع تشمل منطقة الخليج، وتمثلها الشراكة بين تركيا وباكستان والسعودية، المعروفة باسم اتفاقية مكة، والتي وقعت بالسعودية في 7 أغسطس 2026".

ووفق تقديره، "يهدف تحالف مكة بصورة أساسية إلى احتواء النفوذين الإيراني والإسرائيلي في المنطقة، فضلا عن التعامل مع الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة بوصفها الضامن للأمن الإقليمي، والتي تعدّ كذلك أحد العوامل الرئيسة وراء الأزمة الاقتصادية العالمية".

وبحسب قراءته التحليلية، "تضفي هذه الاتفاقات طابعا رسميا على تنافس جيوسياسي يزداد وضوحا بين هذه الدول الثلاث من جهة، والهند والإمارات وإسرائيل من جهة أخرى".

من هنا، لا ينظر المركز إلى اتفاق مكة بوصفه "مجرد اتفاق رسمي بين الدول الثلاث، وإنما هو ثمرة تعاون إستراتيجي ترسخ خلال السنوات الأخيرة، ويقوم على تقارب المصالح المشتركة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية، إلى جانب التوافق حول بعض الأولويات الإستراتيجية الإقليمية".

ومن ثم، يقدر أنه "ينتج عن ذلك تنافس إستراتيجي لا يستهدف احتواء التهديد الإيراني وحده، وإنما يسعى أيضا إلى الحد من نفوذ بعض القوى الإقليمية، ومن بينها الإمارات وإسرائيل".

وبتعبير آخر، "يسهم هذا الاستقطاب في تكريس الانقسامات الإقليمية القائمة بالفعل وإضفاء طابع رسمي عليها".

وفي الوقت نفسه، نوه إلى أن "نطاق التعاون العسكري والدفاعي بين القوى الإسلامية الثلاث لا يزال غير واضح، رغم بعض التصريحات الصادرة عن الأطراف المعنية".

واستدل على ذلك بأن "المواجهة الحالية بين الحوثيين والرياض كشفت عن حدود هذا التحالف؛ إذ أوضحت تركيا وباكستان أنهما لن تتدخلا عسكريا للدفاع عن السعودية، رغم إعرابهما عن تضامنهما معها في أعقاب الهجمات التي شنتها الجماعة اليمنية على أراضي المملكة".

واستطرد: "واستنادا إلى التبرير الذي قدَّمه المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، فإن الدول الثلاث ما زالت بحاجة إلى مزيد من الوقت (لتأسيس) التنظيم وبنائه مؤسسيا".

في نهاية المطاف، شدَّد المركز على أنه "لطالما حظيت منطقة الخليج بأهمية جوهرية لباكستان، والعكس صحيح، ولذا، يستحيل فصل هذين الطرفين".

وأرجع ذلك إلى أنه "طالما اُستخدمت باكستان كمنصة لفرض هيمنة ما يسمى بالأنظمة الملكية (السنية) في جنوب آسيا، ومن جهة أخرى، تسهم إسلام آباد، لا سيما من خلال جاليتها في الخارج، بصورة حاسمة في التنمية الاقتصادية لهذه الدول".

وأردف المركز: "وفي الآونة الأخيرة، أخذ التعاون بين الجانبين يزداد رسوخا، مع بدء إسلام آباد في الاضطلاع بدور أكثر بروزا".

واختتم قائلا: "وعلى مستوى أعمق، يبدو أن اتفاقيات مكة تُشير إلى أنه رغم المشكلات الكبيرة التي تواجهها باكستان على صعيد الاستقرار السياسي، والاضطراب الاجتماعي والاقتصادي، والأمن الداخلي والخارجي، تصبح باكستان لاعبا مؤثرا لا غنى عنه، ليس فقط في أمن جنوب آسيا، بل أيضا في الشرق الأوسط، سواء بدعم من الولايات المتحدة أو بدونه".