معركة غرب كردفان.. طرق النفط ومفاصل الحرب في مرمى الجيش السوداني

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لا يكتفي الجيش السوداني بتوسيع رقعة سيطرته في شمال كردفان، بل يحاول نقل ثقل الحرب غربًا عبر بوابة غرب كردفان، في مسار قد يعيد رسم خريطة الصراع ويفرض معادلات جديدة بين الوسط ودارفور.

فبعد السيطرة على سودري والمزروب، بدأ الجيش التحرك من تخوم أم كريدم باتجاه الخوي ومحيط النهود، واضعًا أمامه هدفًا يتجاوز استعادة مدن ومواقع؛ يتمثل في قطع أو تضييق مسارات الحركة والإمداد التي يعتمد عليها الدعم السريع بين كردفان ودارفور.

وتمنح السيطرة المحتملة على الخوي والنهود الجيش موقعًا متقدمًا عند عقدة جغرافية واقتصادية تربط شمال الإقليم بغربه، وتفتح الطريق أمام ضغط أكبر على مناطق النفوذ والموارد وشبكات النقل.

لكن هذا التقدم يحمل في المقابل كلفة عسكرية ولوجستية مرتفعة؛ إذ إن توسيع نطاق السيطرة يعني امتدادًا أكبر لخطوط الإمداد وحاجة مستمرة إلى حماية المواقع التي يجري الاستيلاء عليها.

وبذلك، تدخل غرب كردفان مرحلة قد تكون حاسمة في مسار الحرب؛ فهل يتمكن الجيش من تحويل مكاسبه المتتالية إلى اختراق يغيّر موازين السيطرة، أم تتحول الجبهة الجديدة إلى استنزاف طويل؟ وما الذي يفصل هذا التقدم عن فتح طريق فعلي نحو دارفور؟

جغرافيا تمسك بمفاصل الحرب

تنبع أهمية غرب كردفان من موقعها بين دارفور ووسط السودان والحدود مع دولة جنوب السودان، بما يجعلها مجالًا تتقاطع فيه حركة القوات والتجارة والرعي وصادرات النفط. وتجاور شمال كردفان وجنوبها، وتلتقي غربًا بولايتي شمال وشرق دارفور، ولذلك تمتد آثار المعركة فيها إلى إقليم أوسع من حدودها الإدارية.

داخل هذه المساحة، تتوزع مراكز الثقل على وظائف مختلفة. فالنهود تجمع لتجارة الصمغ العربي والفول السوداني والماشية، وتحتل مكانة اجتماعية في دار حمر، بينما تشكل الخوي نقطة اتصال باتجاه الأبيض.

وتحتفظ الفولة بثقلها بوصفها عاصمة الولاية، في حين تمثل بابنوسة عقدة تاريخية للسكك الحديدية المتفرعة نحو دارفور وجنوب السودان.

أما جنوب الولاية، فيضم المجال النفطي المرتبط بهجليج وبليلة ومناطق الإنتاج المحيطة، حيث تتجاوز أهمية المنشآت استخراج الخام إلى معالجته ونقله، بما يشمل نفط جنوب السودان. ومن ثم، تتداخل السيطرة العسكرية مع مصالح اقتصادية عابرة للحدود، ومع قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات واستعادة نشاط الأسواق.

وتزداد حساسية هذا الترابط مع تعطل الإنتاج وارتفاع كلفة النقل، إذ يمكن أن تتحول السيطرة على المعابر والأسواق إلى أدوات للجباية والضغط على المدنيين وتمويل استمرار الحرب.

وتمنح هذه الجغرافيا التقدم نحو الخوي والنهود وزنًا يتجاوز مساحة الأرض المستعادة، إذ يمكن أن يغير حركة السلع والقوات بين الأبيض وغرب البلاد، ويهدد موارد وشبكات نقل يستفيد منها الدعم السريع.

لكن الثقل الاقتصادي موزع بين شمال تجاري وزراعي، ووسط إداري ولوجستي، وجنوب نفطي وحدودي. ولهذا لا تعني استعادة النهود الوصول تلقائيًا إلى الحقول، كما لا يكفي دخول عاصمة الولاية لضبط أطرافها.

وتظل قيمة التقدم مرتبطة بمدى اتصاله بمراكز أخرى وقدرته على إعادة الحركة بينها، بحيث تتحول المكاسب المتفرقة إلى نطاق قابل للإدارة والإمداد.

سيطرة واسعة

كما تدخل القوات المسلحة هذه المعركة في مواجهة خريطة تشكلت عبر خسائر متتابعة. فقد انتقلت الفولة إلى سيطرة الدعم السريع في يونيو/ حزيران 2024، ثم سقطت النهود في مايو/ أيار 2025، بعدما أدت دور العاصمة الإدارية البديلة. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، استولى الدعم السريع على مقر الفرقة الثانية والعشرين في بابنوسة، منهين سيطرة الجيش على واحد من أهم ارتكازاته في الولاية.

في المقابل، ترتكز القوات المسلحة على الأبيض ومكاسبها الجديدة في شمال كردفان، لكنها تواجه واقعًا مختلفًا جنوبًا، حيث تحتفظ بالدلنج وكادوقلي وسط تهديدات للطرق، إلى جانب نفوذ الحركة الشعبية/ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في أجزاء من جبال النوبة، وتحالفها مع الدعم السريع.

وتنفرد هجليج بوضع خاص، إذ أعلنت جوبا، عقب انسحاب الجيش السوداني منها أواخر 2025، ترتيبًا لتأمين المنشآت بواسطة قوات جنوب السودان، بتفاهم مع طرفي الحرب. وتقتضي هذه الحالة الفصل بين حماية الحقول والسيادة والإدارة الاقتصادية، بدل إدراج المنطقة بلا تمييز ضمن سيطرة أحد المعسكرين.

أما دارفور، فيحتفظ الدعم السريع بنفوذه في معظمها، مقابل مناطق للجيش وحلفائه وأخرى لحركة عبد الواحد نور، بما يضاعف تعقيدات أي تقدم عسكري لاحق هناك. وعليه، فإن المكاسب الشمالية تضغط على منظومة نفوذ واسعة، لكنها لم تفككها بعد.

الإمداد أولًا

وتوضح طبيعة التحرك في أم كريدم أن الجيش يحاول تهيئة المجال أمام تقدم أوسع، عبر الاستطلاع وعمليات القوات الخاصة، بالتوازي مع الضغط الجوي.

وفي متابعة نشرتها شبكة "عاين" المحلية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول، أفاد مصدر ميداني باستمرار الحركة نحو محلية الخوي بغطاء جوي، ووضع النهود هدفًا رئيسيًا للمرحلة المقبلة.

وتسمح هذه المعطيات بقراءة العملية باعتبارها محاولة لنقل ثقل المواجهة غربًا، وإجبار الدعم السريع على توزيع قواته بين حماية مراكزه ومواصلة الضغط على الأبيض.

فإذا تمكن الجيش من تثبيت وجوده حول المراكز المستهدفة، فقد يقلص حرية انتقال التعزيزات ويزيد كلفة إمداد الجبهات، دون أن يعني ذلك قطع جميع المسارات.

والصلة بدارفور مثبتة في تجارب سابقة؛ فقد وثقت التحقيقات البصرية وصول تعزيزات من شرق دارفور إلى معركة بابنوسة. ولذلك، قد ينعكس فقدان بعض عقد الاتصال في غرب كردفان على قدرة الدعم السريع على نقل القوات بين الإقليمين، ويحد من استخدام الولاية عمقًا لعملياته شرقًا.

غير أن فتح الطريق نحو دارفور يظل نتيجة مشروطة بمراحل متتابعة للجيش، تبدأ بتأمين المناطق المستعادة وربطها بقاعدة إمداد مستقرة، ثم توسيع السيطرة داخل الولاية. أما اختزال المسافة بين الوصول إلى النهود واستعادة الفاشر أو نيالا، فيتجاوز اختلاف الجبهات واتساع مناطق نفوذ الدعم السريع.

وتتحدد قيمة الاختراق، بهذا المعنى، بقدرته على تغيير قدرة الدعم السريع على الحركة والقتال، وإتاحة استمرار العمليات دون استنزاف القوات في حماية مواقع متباعدة. وقد يحقق التقدم مكسبًا مهمًا بكبح هجمات على شمال كردفان، حتى قبل أن يتحول إلى هجوم مباشر داخل دارفور.

المسيرات والمسافات

ومع ذلك، تبدأ العقبات في تلك المعركة من اتساع الجبهة وطول المسافات بين المدن، واختلاف الأرض بين مناطق رملية شمالًا وأخرى طينية أكثر تأثرًا بالأمطار جنوبًا.

لذلك، فإن كل توسع للجيش يضيف التزامًا بحماية طرق الإمداد والمواقع الخلفية، في وقت يستطيع فيه الدعم السريع التراجع من مركز والاحتفاظ بقدرة على مهاجمة الأطراف أو تعطيل الحركة حولها.

وتزيد المسيرات تعقيد هذه المعادلة، لأنها تسمح بضرب القوات والمنشآت بعيدًا عن خطوط الاشتباك المباشر. وفي 5 أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن الجيش إسقاط مسيرة شمال غربي الخوي، بما يعكس حضور المواجهة الجوية في المحور الجديد.

كما أن استمرار استهداف الأبيض يوضح أن التقدم غربًا لا يلغي الخطر عن القاعدة التي يستند إليها الهجوم. ويزداد العبء باستمرار القتال على جبهات متزامنة، بما يفرض موازنة بين مواصلة الهجوم وتأمين المدن التي تنطلق منها القوات.

وتواجه القوات المسلحة تحديًا آخر يتعلق بتعدد التشكيلات المساندة لها، من الحركات المسلحة إلى مجموعات الاستنفار والمقاومة الشعبية. فتوسيع السيطرة يتطلب تنسيقًا وانضباطًا يضمنان تنفيذ القرارات وحماية السكان، بينما تمنح الانشقاقات المتتالية في صفوف الدعم السريع دفعة معنوية.

وتظل العلاقات المحلية عنصرًا مؤثرًا في هذا الاختبار. فقد أظهرت تقارير سابقة تباين مواقف قيادات المسيرية بين تجنب مواجهة الجيش والاستمرار في التحالف مع الدعم السريع، بما ينفي اعتبار المجتمعات المحلية كتلة واحدة.

من استعادة الأرض إلى استعادة الحكم

ويمتد أثر توسع تقدم الجيش إلى ما هو أبعد من السيطرة العسكرية، ليطال مسألة الحكم. فاستعادة النهود قد تتيح عودة جزء من الإدارة الحكومية إلى داخل الولاية، بينما تحمل العودة إلى الفولة معنى استعادة العاصمة.

ويقود الحكومة الولائية حامد حمد تيراب، المعين في يوليو/ تموز 2026، وقد عرض في سبتمبر/ أيلول استعدادات عسكرية وخططًا للتعافي، رغم استمرار عمل مؤسسات حكومية من خارج مناطق سيطرتها السابقة.

وفي الجهة المقابلة، يهدد فقدان المراكز السكانية والاقتصادية المجال الذي يستند إليه تحالف "تأسيس" في بناء سلطته الموازية. غير أن تراجع الدعم السريع في غرب كردفان لا ينهي تلقائيًا نفوذه في دارفور، ولا يزيل مؤسسات وقوات الحركة الشعبية في جنوب كردفان، حيث تختلف التوازنات المحلية.

لذلك، فإن ترجمة المكسب العسكري إلى حكم مستقر في تلك المناطق تتطلب عودة الشرطة والقضاء والخدمات والأجور، وتأمين الأسواق وحقوق السكان وممتلكاتهم.

كما يتوقف استثمار الموارد على إصلاح المنشآت وإعادة العمالة والتجارة، فيما تستدعي منطقة هجليج تنسيقًا مع جنوب السودان بشأن الحماية والتشغيل وتدفق النفط.

وسجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 308 آلاف شخص من ولايات كردفان بين أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ومطلع سبتمبر/ أيلول 2026.

ويبرز أمن المدنيين بوصفه اختبارًا مباشرًا لجدوى التقدم. لذلك ستقاس نتائج العملية باستمرار الحركة والإغاثة وعودة السكان، إلى جانب تغير خطوط القتال. فإذا عجزت السلطة عن تحويل الحضور العسكري إلى حماية وخدمات، فقد تتبدل مواقع القوات بينما تبقى أزمة الحكم قائمة، ويتأخر تحويل الطريق نحو دارفور إلى تقدم قابل للاستمرار.