من المستوطنات إلى الاقتصاد.. المقاطعة الأوروبية تطوق إسرائيل

"فوز ائتلاف نتنياهو قد يوسع العقوبات والمقاطعة ضد إسرائيل"
حذّرت صحيفة عبرية من اتساع نطاق المقاطعة التجارية والدبلوماسية لإسرائيل، في ظلّ إجراءات هولندية تستهدف منتجات المستوطنات وتزايد المخاوف من اتخاذ دول أوروبية أخرى خطوات مماثلة.
وقالت صحيفة “زمان”: إن المواجهة مع هولندا تكشف انتقال الأزمة السياسية التي تواجهها إسرائيل من التوتر الدبلوماسي إلى إجراءات ملموسة قد تفرض عليها كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة.
وقدّرت الصحيفة أن هذه الإجراءات قد تترتب عليها كلفة متزايدة إذا حذت دول أوروبية أخرى حذو هولندا، بما قد يؤدي إلى تشكل ما وصفته بـ"المقاطعة الصامتة" لإسرائيل.

عوائق جديدة
واستهلت الصحيفة تقريرها بوصف الواقع الذي يواجهه الإسرائيليون في الخارج، قائلة: “في كل صباح تقريبا، يتلقى الإسرائيليون أنباء عن عائق جديد أمام السياحة أو التجارة أو العلاقات الدبلوماسية”.
وعددت الصحيفة أمثلة على هذه التطورات، مشيرة إلى أن تركيا أغلقت أبوابها أمام إسرائيل بشكل كامل، وأن فرنسا منعت شركات أمنية إسرائيلية من المشاركة في معرض مهم.
فيما استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية القائم بأعمال السفارة الإسبانية لتوبيخه على خلفية تصريحات أدلت بها إحدى وزيرات حكومته.
وأفادت الصحيفة بأن 15 سائحا إسرائيليا وصلوا إلى هولندا خضعوا لتفتيش أمتعتهم، في محاولة للعثور على منتجات من المستوطنات وهضبة الجولان والقدس الشرقية، بعدما حُظر إدخال هذه المنتجات إلى البلاد بموجب أمر جديد.
وتساءلت الصحيفة عن مدى عمق القطيعة الدبلوماسية، مشيرة إلى أن الأمين العام لوزارة الخارجية الهولندية كريستيان ريفرغن زار إسرائيل، لكنه لم يلتق نظراءه الإسرائيليين، رغم علم وزارة الخارجية بوجوده.
وأوضحت أن ريفرغن، وهو أرفع مسؤول في الوزارة بعد وزير الخارجية، وصل إلى إسرائيل لتدشين مبنى جديد للسفارة الهولندية، لكنه وجد نفسه وسط أزمة دبلوماسية.
وأضافت أن السفيرة الهولندية الجديدة ستيلا رونر-غروباشيتش وصلت إلى إسرائيل أخيرا، لكنها لم تقدم أوراق اعتمادها إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ، ما جعل استدعاءها لتوجيه “التوبيخ” المعتاد أمرا غير ممكن في ظل هذه الظروف.
إجراءات تمييزية
وأشارت الصحيفة إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية اختارت الرد على القرار الهولندي بإجراء وصفته بـ"الشديد"، تمثل في المساس بوضع الدبلوماسيين الهولنديين المعنيين بالعلاقات مع السلطة الفلسطينية.
وذكّرت بأن هذا الإجراء يشبه قرارا اتخذته إسرائيل عام 2024 ضد ممثلين دبلوماسيين نرويجيين، حين سحبت الاعتمادات الدبلوماسية من ثمانية ممثلين كانوا يقيمون في إسرائيل ويعملون في الممثلية النرويجية بمنطقة الرام، قرب قلنديا.
وبيّنت أن الحكومة النرويجية نقلت ممثليها آنذاك إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث واصلوا إدارة العلاقات مع السلطة الفلسطينية، رغم تعقّد مهمتهم وعدم قدرتهم على دخول رام الله بصفة دبلوماسية خلال زياراتهم، من دون أن يؤدي ذلك إلى انقطاع العلاقات نفسها.
وأوضحت الصحيفة أن القرار الهولندي يقضي بحظر استيراد وشراء وبيع السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، اعتبارا من 22 سبتمبر/ أيلول 2026، مع منع دخول هذه المنتجات إلى السوق الهولندية.
ولفتت إلى أن القرار لا يشمل جميع السلع القادمة من إسرائيل، بل يقتصر على المنتجات التي أُنتجت أو جرى الحصول عليها كليا أو جزئيا داخل المستوطنات.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في الحكومة الهولندية أن الحظر لا يفترض أن ينطبق على الأمتعة الشخصية للسياح أو رجال الأعمال، وإنما على المنتجات المخصصة للتسويق في هولندا.
وأضافت أن السلطات الهولندية عزت تفتيش حقائب 15 مسافرا من بين ركاب طائرة كاملة إلى إجراء جمركي عشوائي واعتيادي، وليس إلى استهداف استثنائي للسياح الإسرائيليين.
وأشارت إلى أن التوضيحات الصادرة عن لاهاي تميز بين المنتجات المخصصة للسوق الهولندية وتلك التي تمر عبر موانئها ومطاراتها في طريقها إلى أسواق أخرى؛ إذ لا يفترض أن يشمل الحظر، وفق هذه التوضيحات، المنتجات القادمة من الضفة الغربية أو هضبة الجولان والمتجهة إلى أسواق أوروبية أخرى أو إلى الولايات المتحدة.
واستدركت الصحيفة بأن فجوة لا تزال قائمة بين هذا التفسير والتقارير المتعلقة بتفتيش أمتعة السياح الإسرائيليين، متسائلة عن أسباب التفتيش والمنتجات التي كان موظفو الجمارك يبحثون عنها، إذا كان الحظر لا يشمل الأمتعة الشخصية.

مقاطعة فعلية
وحذرت الصحيفة من أن المخاطر التي تواجه إسرائيل تتجاوز واقعة التفتيش في أحد المطارات، مشيرة إلى صعوبة التحقق دائما من مكان إنتاج السلع أو مصدر مكوناتها.
ورأت أن حظرا يبدو نظريا ومحصورا في مناطق محددة قد يتحول إلى إحجام واسع عن شراء المنتجات الإسرائيلية، ولا سيما إذا طُلب من المنتجين والمصدرين تقديم إقرارات خطية بشأن مصادر المواد الخام والمكونات المستخدمة في منتجاتهم.
وأضافت أن البيروقراطية واحتمال التعرض للعقوبات قد يدفعان الشركات الهولندية إلى تفضيل التعامل مع موردين من دول أخرى، ما قد يؤدي إلى نشوء مقاطعة تجارية فعلية حتى من دون صدور قرار رسمي بمقاطعة إسرائيل بأكملها.
ولفتت الصحيفة إلى أن هولندا تمثل سوقا تضم ملايين المستهلكين، مقدرة أن السؤال الأهم يتمثل في احتمال اتخاذ دول أوروبية أخرى خطوات مماثلة.
وأشارت في هذا السياق إلى ما نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية بشأن تحذيرات آفي بازنر، السفير الإسرائيلي السابق لدى فرنسا وإيطاليا وأحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية، من أن إسرائيل تتجه نحو عزلة شبيهة بتلك التي فُرضت على جنوب إفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري.
واستحضر بازنر مسار العقوبات والضغوط الدولية المفروضة على جنوب إفريقيا منذ ستينيات القرن العشرين وحتى تسعينياته، مشيرا إلى أن هذه الضغوط أسهمت في نهاية المطاف في إنهاء نظام الفصل العنصري، رغم أن العملية استغرقت عقودا.
ورأى السفير السابق أن فوز الائتلاف الحالي في الانتخابات قد يدفع إسرائيل إلى مرحلة غير مسبوقة من العقوبات والمقاطعات، التي قد تتوسع من المستوطنات لتشمل إسرائيل بأكملها.
وأيّد الكاتب والمحلل الإسرائيلي ناحوم برنيع هذا التقييم؛ إذ رأى أن عددا من دول أوروبا الغربية، التي كانت من أبرز حلفاء إسرائيل، تستعد لفرض عقوبات قاسية على الإسرائيليين عموما.
وربط برنيع تأجيل تنفيذ هذه الخطوات بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، قائلا: إن الدول المعنية قد تُبقي إجراءاتها جاهزة إلى حين اتضاح نتائج الانتخابات، ثم تبدأ تنفيذها إذا شكّل نتنياهو الحكومة.
واختتمت صحيفة “زمان” تقريرها بالتحذير من اختلال التوازن في الرد الإسرائيلي.
ورأت أن المساس بالدبلوماسيين الهولنديين قد يزيد صعوبة عملهم مع السلطة الفلسطينية، لكنه لا يعني بالضرورة قطع علاقاتهم بها، كما أظهرت الحالة النرويجية، في حين قد تفرض الإجراءات الهولندية على إسرائيل كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة ومتواصلة.















