ترامب وصفقة حفتر.. هل يكون التطبيع مع إسرائيل ثمنا للاعتراف بشرق ليبيا؟

"يجب على ترامب إدخال برقة في الاتفاقيات الإبراهيمية"
على سواحل برقة خاض الأميركيون أول معاركهم خارج حدودهم قبل أكثر من قرنين، ومن البوابة نفسها يطالب اليوم صوت محسوب على اللوبي الصهيوني بإدخال شرق ليبيا في الاتفاقيات الإبراهيمية، ثمنا لاعتراف واشنطن بسلطة الأمر الواقع هناك.
وتحت عنوان "كفوا عن الانحناء لأشباح طرابلس.. لماذا يجب على ترامب إدخال برقة في الاتفاقيات الإبراهيمية؟"، دعا "منتدى الشرق الأوسط" الأميركي، الرئيس دونالد ترامب، إلى تحول فوري وجريء يصحح ما وصفه بـ "الانجراف الإستراتيجي الخطِر" في السياسة الأميركية تجاه ليبيا.
وجاء المقال بقلم الباحث الأميركي الإسرائيلي خوسيه ليف ألفاريز، المتخصص في سياسات الأمن بالشرق الأوسط، وهو محارب قديم في القوات الخاصة بجيش الاحتلال الإسرائيلي والجيش الأميركي، وزميل الكتابة في المنتدى المعروف بارتباطه الوثيق بجماعات الضغط الصهيونية.
وبرقة هي الإقليم التاريخي الذي يضم شرق ليبيا بمدنه الرئيسة بنغازي ودرنة وطبرق، وتقابله طرابلس في الغرب وفزان في الجنوب.
وأوضح الباحث أن التاريخ العسكري الأميركي بدأ على شواطئ برقة بأول انتصار للولايات المتحدة خارج حدودها بعد الاستقلال، حين رفع ويليام إيتون، وبريسلي أوبانون العلم الأميركي فوق درنة عام 1805.
وجاء إنزال درنة ضمن الحرب البربرية الأولى التي خاضتها الولايات المتحدة ضد ولاية طرابلس، وشكل أول عملية برية أميركية على أرض أجنبية.
ورأى ألفاريز أن الرجلين صاغا بقوة السلاح أول كيان سياسي حقيقي في شرق ليبيا، وأن السيد إدريس السنوسي رسّخ هذا الإرث بإعلان إمارة برقة ذات السيادة من بنغازي، قبل عقود من صناعة الأمم المتحدة مملكة ورقية مصطنعة.
وانتقد ما يراه تجاهلا من وزارة الخارجية الأميركية العنيد لهذه الحقيقة الراسخة؛ إذ تُدرج الوزارة ملف السياسة الليبية كله تحت ترويسة طرابلس المختلة، وتفضل الوهم الدبلوماسي المريح على الوقائع الجغرافية الصلبة.
سيطرة الشرق
وأضاف أن الواقع الجيوسياسي يفكك تماما إطار السياسة الأميركية المتقادم، فـ "الجيش الوطني الليبي" بقيادة خليفة حفتر يسيطر بإحكام على الشرق والجنوب الإستراتيجي وحقول النفط الحيوية في حوض سرت.
ويقود حفتر هذه القوات منذ عام 2014، وتتركز سلطته في بنغازي كبرى مدن شرق البلاد، فيما يضم حوض سرت أكبر الحقول النفطية الليبية وموانئ تصديرها الرئيسة.
ولفت إلى أن هذه السيطرة تترجم نفوذا اقتصاديا فعليا، إذ بلغ إنتاج المحروقات ذروته عند نحو 1.5 مليون برميل يوميا، ما وجّه مليارات الدولارات نحو التنمية الإقليمية.
وتعرض بنغازي اليوم هذه القوة المتنامية عبر موانئ عميقة المياه آخذة في التوسع، ومطار جديد ضخم صُمم لاستقبال 15 مليون مسافر سنويا.
ونقل الباحث عن تقارير إعلامية إسرائيلية رصدها طائرات تابعة لحكومة شرق ليبيا تنسق مباشرة مع إسرائيل والإمارات، وعدّ تلك الرحلات الاستراتيجية دليلا على أن الإدارة الشرقية تتصرف فعلا كدولة ذات سيادة ومسؤولة، قادرة على دبلوماسية مستقلة.
واستدرك بأن طرابلس، رغم أنها لا تقدم سوى عدم استقرار مطلق، ما زالت تحتفظ بمقعد ليبيا في الأمم المتحدة.
وتعترف المنظمة الدولية بحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ممثلا شرعيا للبلاد، بينما تدير حكومة موازية شرق ليبيا بسند من مجلس النواب.
وذكر أن أنقرة تستغل مذكرة التفاهم البحرية الموقعة عام 2019 مع نظام طرابلس الضعيف لاقتسام شرق المتوسط، في تهديد مباشر لسيادة إسرائيل واليونان وقبرص.
وكانت تركيا وقعت تلك المذكرة مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة، فايز السراج، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ورسمت بموجبها حدودا بحرية مشتركة رفضتها اليونان وقبرص ومصر.
وانتقد ما وصفه بتساهل واشنطن في المساواة بين الحكم البنّاء في بنغازي والفوضى التي تقودها المليشيات في طرابلس، معتبرا أن هذا النهج يفتح المجال أمام قوى معادية لتعزيز نفوذها في البحر المتوسط.
ومضى قائلا: إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اغتنم هذا العمى الأميركي العميق بارتياح، فباتت القوات الروسية تحتل ستة مطارات عسكرية حيوية في شرق ليبيا.
وبيّن أن موسكو حولت قاعدتي الجفرة والخادم إلى مركزين لوجستيين دائمين لـ "فيلق إفريقيا" الموسع، وأنها تستأجر بسهولة الجغرافيا الإستراتيجية التي تقلل الخارجية الأميركية من شأنها بحماقة.
و"فيلق إفريقيا" تشكيل عسكري روسي أنشأته وزارة الدفاع خلفا لمجموعة فاغنر، وينتشر في عدد من دول الساحل الإفريقي.

ميثاق سرت وحيفا
ودعا ألفاريز البيت الأبيض إلى تجاوز البيروقراطية الأممية التي لا صلة لها بالواقع، وتوجيه دعوة مباشرة إلى برقة للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام التاريخية.
وأشار إلى أن هذا الدمج يتبلور عبر ميثاق بحري شامل بين سرت وحيفا، يقوم على تغذية رادارية مشتركة ودوريات بحرية منسقة من طبرق إلى حيفا.
وأضاف أن الميثاق يحتاج إلى إستراتيجية قانونية موحدة لتفكيك المطالب البحرية غير الشرعية لأنقرة، وأن نسج الإدارة الشرقية في بنية أمنية مشتركة يؤمّن حوض المتوسط لأهم حلفاء واشنطن الإقليميين، بحسب زعمه.
وشدد على توسيع التعاون الدفاعي الثنائي سريعا عبر عمليات نشر محددة للعتاد، في مقدمتها أنظمة ليزر إسرائيلية عالية الطاقة لمواجهة المسيّرات، وبطاريات استخبارات إلكترونية ساحلية على خليج سرت.
ورأى الكاتب الصهيوني أن هذا الدرع يوفر حماية فورية مما يصفه بـ "العدوان التركي"، ويغذي في الوقت نفسه الأسطول الأميركي السادس ببيانات تتبع حيوية عن النقل العسكري الروسي المتجه إلى إفريقيا جنوب الصحراء.
وأضاف أن تعزيز هذه القدرات في برقة يوفر للغرب نقطة مراقبة استراتيجية مهمة في الجنوب، ويسهم في ترسيخ الاستقرار على امتداد حدود بحرية شديدة التقلب.

نفط مقابل قواعد
وطالب واشنطن بمقايضة حقوق هبوط أميركية محدودة في مطارات شرقية إستراتيجية مثل طبرق، في مقابل أولوية الوصول التجاري إلى نفط سرت الخام.
ونبّه إلى أن الاتفاق الثنائي يجب أن يتضمن صراحة حظرا مكتوبا على توسيع البصمة العسكرية الروسية، وأن وجودا عسكريا أميركيا صغيرا في برقة يكسر احتكار موسكو لممر المتوسط والساحل الإفريقي.
وقال: إن الخارجية الأميركية أمضت عقدا كاملا تتظاهر بأن هذه المنطقة غير موجودة، غير أن الواقع الإستراتيجي بات يفرض إجراء تنفيذيا حاسما.
وخلص إلى أن السياسة التي تقبل بسلطة الأمر الواقع المسيطرة على الساحل وحقول النفط والمدارج هي السبيل الوحيد لتأمين المصالح الأميركية.
وختم بالقول: "بعد قرنين من دخول الملازم أوبانون درنة، وبناء الملك إدريس دولة ذات سيادة، ينشغل بوتين باستئجار بنيتهما التحتية"، مشددا أن “على ترامب التحرك الآن لتأمين الأرض قبل أن يستولي عليها خصوم أميركا للأبد”.















