حملة اعتقالات ضد مقربين من معارضين موريتانيين بالخارج... إجراء انتقامي؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

شنت السلطات الأمنية في موريتانيا حملة اعتقالات نالت أقارب مدونين ومؤثرين معارضين يقيمون في الخارج، ما أثار موجة واسعة من الرفض في أوساط حقوقية وسياسية، وسط اعتراضات على توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية.

وأعلن الناطق باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد مدو، في 30 سبتمبر/أيلول 2026، أن التوقيفات جاءت في إطار تحقيقات أمنية ومالية وصفها بالموسعة.

وقال: إن التهم الموجهة إلى الموقوفين تتعلق بالضلوع في شبكة للابتزاز المالي ونشر الأخبار الكاذبة وهتك الأعراض وشراء الصمت عبر الفضاء الرقمي.

وأوضح ولد مدو أن هذه الشبكة "الممولة" للابتزاز المالي توسعت أنشطتها لتشمل نشر شائعات تمس الحياة الخاصة لمسؤولين كبار وصناع قرار، بمن فيهم أشخاص في محيط الرئاسة، مؤكدا أن السلطات لن تتسامح مع المساس بحرمات الأفراد المصانة.

اتهامات باطلة

في المقابل، نفى مدونون معارضون ونشطاء هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، ورأوا أن توقيف أقاربهم الذين لا علاقة لهم بالأنشطة السياسية هو إجراء "انتقامي" وضغط عائلي غير قانوني تهدف السلطات من خلاله إلى إسكات الأصوات المنتقدة للنظام من الخارج.

وشملت الاعتقالات أفرادا من عائلة المدون المعارض المقيم في الولايات المتحدة، سيدي محمد ولد اكماش؛ حيث أوقفت الشرطة شقيقه الأكبر (عبد الرحمن اكماش) من مقر عمله في نواكشوط، وشقيقته (تبيبة اكماش) من جنوب البلاد قبل نقلها إلى العاصمة، فيما قالت وسائل إعلام محلية: إن الاعتقالات شملت 10 أشخاص إلى الآن.

وفي تصريح نشره موقع "نواذيبو اليوم" عبر فيسبوك، أكد ولد اكماش من الولايات المتحدة أن ما يجري هو سياسة تكميم أفواه واضحة، تروم إسكات كل الأصوات المناوئة للنظام.

وأوضح ولد اكماش أن هذه السياسة هي التي جعلت العديد من الأصوات الحرة لا تجد من باب للتعبير بحرية إلا حين الخروج إلى دول أخرى، مقدرا أن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي جد مزرٍ، والسلطات لا تريد من يتحدث عن هذا أو يبينه على وجه الحقيقة.

وأشار الناشط السياسي المعارض إلى أن المدون في الخارج أصبح له تأثير داخلي، مشيرا إلى أن هذا التأثير أتى بعد تراكمات وبعد تقديم معلومات دقيقة للمواطنين في الداخل لا يستطيعون الوصول إليها.

وأردف، مع نشاط هؤلاء المدونين تبين أن المواطن الموريتاني متعطش لمعرفة ما يجري في داخل الوطن بخصوص الثروات المعدنية والسمكية وغيرها؛ إذ إن ما يجري فيها من نهب أمر غير مسبوق. وفق تعبيره.

وشدّد ولد اكماش أن التحقيق الحقيقي عن الابتزاز وشبهات استغلال المعلومات ومراكمة الثروة المشبوهة يجب أن يتجه نحو الأشخاص الذين تورطوا في هذا على وجه الحقيقة، ممن أصبحت معالم الثراء تظهر عليهم دون أي نشاط اقتصادي ظاهر، إنما فقط بسبب القرب من السلطة والعلاقة معها.

ودعا المتحدث ذاته إلى التحقيق الجدّي في قضايا الابتزاز المعلن عنها لمعرفة ما يجري، وليس اعتقال مقربين من مؤثرين ومدونين ورميهم بالباطل.

رأي قانوني

على المستوى المسطري، أكد المحامي مولاي الحافظ، أن التوقيف لا يفيد سوى الاشتباه؛ إذ الأخير هو المرحلة الأولى من مراحل المساطر القضائية، قد تتمخض عنه تهم جنائية أو حفظ المسطرة لعدم كفاية الأدلة أو عدم مشروعية الدليل.

وشدّد الحافظ في تصريح لقناة "صحراء24" مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، على أن الاعتقال لا يعني أن التهمة ثابتة؛ لأن مبدأ الدستور هو أن البراءة قرينة أساسية ومظلة لا يمكن لا اسقاطها إلا بعد حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به.

ونبه إلى أنه إن كانت هناك شبكة تمارس الابتزاز وشراء الصمت، فإن المعنى أن هناك من يشري الصمت على أفعال مجرمة قانونيا، وفي هذه الحالة، فإن المطلوب هو أن يُعتقل المبتزّ وأيضا من يدفع مقابل الصمت؛ لأن فعلهم هذا دليل شبهة محاولتهم إخفاء شيء مُجرّم قانونا.

وأشار الحافظ إلى أن بيع الصمت هو جريمة سياسية وليس قانونية؛ لأنه لا يوجد أي تشريع جنائي في هذا الموضوع.

من جانب آخر، ذكر المحامي أن قوة الملفات التي تحدثت عنها السلطات ليس بكثرة عدد الموقوفين أو تكثيرهم، بل بأن يتم الالتزام بالقانون والضبطية القانونية، وأن يتم الالتزام بالأدلة القانونية والشرعية.

وخلص إلى أن انتقاد أي سلوك قام به شخص مسؤول لا يمكن أن يُوصف بأنه إساءة؛ لأن الأمر يتعلق بالصفة الوظيفية أو الرسمية لهذا المسؤول، أما المخالفة فتتحقق حين يمسّ شأنا خاصا أو ذاتيا لا يرتبط بأداء المهمة أو المسؤولية، والتدقيق هنا ضرورة لضمان العدل والإنصاف والمحاكمة العادلة واحترام القانون.

خروقات قانونية

في السياق، قال المحامي يعقوب السيف: إن العديد من المحامين حُرموا من التواصل مع الموقوفين ضمن توقيفات الشرطة أخيرا في الملف المعروف بـ"ملف مدوني الخارج" عبد الرحمن اكماش وتبيبة اكماش.

وشدد ولد السيف في تصريح لوكالة الأخبار المستقلة في 30 سبتمبر، على أن ذلك يشكّل "انتهاكا لمجموعة من الحقوق التي يعد المساس بيها خطيرا" ومنها حق المحامي في التواصل مع موكله، وحق من "مُسّت حريته" في أن يتواصل مع محام، وفق ما تنص عليه المادة 2 من قانون تجريم التعذيب.

وأكد ولد السيف أن أي شخص تم إيقافه له الحق في التواصل مع المحامين، وأن هذا الحق "حُرم" منه المعنيون، كما حُرموا من الاتصال بأمهم، التي قال: إنه يخشى تعرض صحتها للخطر لعدم معرفتها بأماكن أبنائها بالضبط.

ولفت ولد السيف إلى وجود رواية تقول إن ابنتها نُقلت من امبود لمخيم "امبره" أقصى الشرق الموريتاني.

وقال ولد السيف: إن اتصال الموقوف بمحاميه أمر عادي، ولا يوقف التحقيق ولا يعرقله، متسائلا عن وضعية السيدة وظروف نقلها من امبود، مردفا أن الإجراءات القانونية غرضها حماية المتعارضين مع القانون.

وأكد ولد السيف أن لديه توكيلا في الملف رفقة المحامي اباه امبارك من طرف والدة المعنيين.

وطالب المحامي بتمكينهم من "حقوق" المحامين و"حقوق" الموقوفين في التواصل بينهم، كما طالب هيئات حقوق الإنسان بالتدخل، لـ"وقوع إكراه جسدي"؛ حيث نقلت "سيدة من امبود، ووجدت نفسها بين بعض الرجال"، مردفا أن ظروف المعنية غير مناسبة للتحقيق.

ازدواجية معايير

في ظل هذا الجدل، عبر "تحالف قوى الإنقاذ" المعارض عن رفضه لما وصفها بـ"ازدواجية المعايير" إثر "اعتقالات مدونين أو أقاربهم" خلال التعاطي مع الملف المعروف بملف "مدوني الخارج".

ووفق ما نقل موقع "موريتانيا الآن" في 6 أكتوبر، طالب التحالف بسريان المساءلة القانونية على الجميع دون استثناء، "وأن لا يتحول النفوذ أو المكانة أو القرابة إلى وسيلة للإفلات من المسؤولية".

كما عبر التحالف في ندوة صحفية بالمناسبة، عن رفض مبدأ التجريم أو التوقيف لمجرد صلة القرابة، ما لم تقم في حق المعني شبهة قانونية مستقلة ومحددة، تستند لوقائع وأدلة وإجراءات يقرها القانون، ورفض "حرمان بعض الموقوفين من جملة من الضمانات الأساسية التي لا ينبغي تعطيلها أو الانتقاص منها إلا في الحدود التي يجيزها القانون".

ورأى التحالف أن مكافحة الإساءة لا يمكن أن تكون خارج إطار القانون، كما أن صون الكرامة والخصوصية لا يبرر تجاوز الضمانات القانونية أو المساس بالحقوق الأساسية للموقوفين.

وشدّد على أن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا يجوز أن تمتد للأقارب بمجرد القرابة، كما لا يجوز أن تُستعمل الإجراءات الجزائية وسيلة للضغط أو العقاب خارج مقتضيات القانون.

بدورها، أعربت "جبهة التدخل السريع لإنقاذ موريتانيا" في بيان في 28 سبتمبر عن تضامنها الكامل مع المعارض الموريتاني واللاجئ في الولايات المتحدة، سيدي محمد ولد اكماش، ومع أسرته الكريمة في موريتانيا، إثر تعرّض عدد من أفراد أسرته، من بينهم شقيقه الأكبر سنًّا وشقيقته الكبرى، للاعتقال على يد النظام المستبد الذي يبدو أنه يعيش آخر أيامه، وما رافق ذلك، وفق ما صرّح به هو شخصيا، من تشريد والدته المسنّة.

وترى الجبهة أن ما جرى، وفق المعطيات التي أعلنها المعنيّ بالأمر، يثير مخاوف جدية بشأن استخدام أفراد أسر المعارضين وسيلة للضغط عليهم بسبب مواقفهم السياسية المعارضة.

وأكدت أن استهداف أفراد الأسرة بسبب الموقف السياسي لأحد أقاربهم يمثل انتهاكا لمبدأ المسؤولية الفردية، وتحويلا للخلاف السياسي إلى عقاب جماعي، واستعمالا للترهيب والضغط في مواجهة أصحاب الرأي المخالف.

وشددت الجبهة على أن هذه الممارسات لن ترهب المعارضين والناشطين ولن تجعلهم يخضعون لهذا النظام؛ بل ستزيدهم وعيا بطبيعته الاستبدادية، ويقينا بأن استمرار نهجه يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل موريتانيا واستقرارها، وتصميما على مواصلة نضالنا السياسي من أجل إسقاطه وإقامة نظام ديمقراطي يحترم الحريات والحقوق وسيادة القانون، وفق تعبير البيان.

وطالبت الجبهة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع أفراد أسرة ولد اكماش وباقي المعتقلين، واحترام حقوقهم، والكشف عن أسباب اعتقالهم وظروفه، ووضع حدّ لأي ممارسة تستهدف ذوي المعارضين أو تستخدمهم وسيلةً للتأثير على مواقفهم السياسية.

عار ٍمن الأخلاق

شكّل الإعلان عن هذه الاعتقالات مادة دسمة لتفاعلات واسعة لموريتانيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ذلك تأكيد الناشط السياسي المقيم في كندا، محمد خيري، أن هذه الاعتقالات تؤكد أن نظام ولد الغزواني عارٍ من الأخلاق السياسية.

وشدد خيري في تعليق نشره عبر فيسبوك في 29 سبتمبر أن اتهام المعتقلين في موضوع التحويلات المالية يروم التأثير السلبي على مصداقيتهم، مؤكدا أن عموم الشعب الموريتاني لن يصدق هذه الأقاويل.

كما رأى أن "هذه الاعتقالات هي في صالح المدونين في الخارج؛ لأنها تثبت أن النظام الموريتاني قمعي وتسلطي". مقدرا أن النظام يفقد مصداقيته أمام منظمات حقوق الإنسان الدولية، وأمام المحافل الدولية، بمثل تصرفات كهذه.

وأكد خيري أن المواطنين سيستمرون في متابعة المدونين مهما فعلت السلطات من أجل تشويه صورتهم أو اتهامهم بما يسيء إلى ذمتهم أو نزاهتهم.

في المقابل، أكد الفاعل المدني محمد المنى، أنه من الجيد أن تُظهِر "الدولة هذا المستوى العالي من الصرامة في مواجهة مدوني الخارج، غير أن الرأيَ العام يأمل من الدولة أيضا إبداء المستوى ذاته من الصرامة، أو حتى نصفَه أو ربعه أو عُشره، في مواجهة آكلي المال العام.

وأضاف المنى في منشور له عبر حسابه على فيسبوك، هؤلاء الذين بدَّدوا مئات المليارات في بضع قطاعات فقط انتقتها محكمةُ الحسابات وفتشتها وأعدّت تقريرا ونشرته العام الماضي حول "الأخطاء التسييرية" فيها.

ورأى الناشط الموريتاني أن الحفاظَ على المال العام مسؤوليةٌ مقدسة أخرى مِن مسؤوليات الدولة في كل العصور، ولا يقل أهميةً عن الحفاظ على سمعة المسؤولين العموميين وأعراضهم الشخصية أيضا.

من جانبه، يرى الناشط الزين ولد أحمد في تعليق نشره في 3 أكتوبر، أن أهم أهداف اللغط الحالي حول مدوني الخارج و"بشمركة" الداخل، هو تمييع التدوين وأن تسود حالة من "تشكيك الكل في الكل".

وأضاف ولد أحمد أن النتيجة ستكون في النهاية جو عام ينعم فيه المفسدون بمسروقاتهم وصفقاتهم المشبوهة دون إزعاج أو ضجيج....

تخبط وأزمات

يرى الناشط السياسي الموريتاني محمد ولد الدحان، أن الحملة الحالية التي أعلن عنها النظام ضد مدوني الخارج وعائلاتهم في الداخل، وما يرافقها من اعتقالات تعسفية وانتهاكات عشوائية، ليست أكثر من زوبعة في فنجان.

وشدد ولد الدحان لـ "الاستقلال" أن الحملة ستنتهي دون أي نتيجة مثلما انتهت كل حملاته وتحقيقات السابقة منذ عام 2019 وإلى الآن.

ومردّ ذلك، يقول المتحدث ذاته، أن الحملة في حقيقتها مجرد حيلة أخرى للفت الأنظار ومشاغلة الرأي العام عن أزماته الطاحنة، من فقر وبطالة وغلاء وتلوث وفوضى وانهيار للمرافق الخدمية والإدارية وتهدم للبنى التحتية.

واسترسل، فضلا عن النهب الواسع لموارد الدولة بأيدي شبكات الفساد التي استولت على كل المناصب والموارد ومراكز القرار، وتوالي الأزمات، من انقطاع المياه، إلى انقطاع الكهرباء، واشتعال المولدات، وانعدام المحروقات، وتعطل أجهزة المستشفيات، ونفاد أدوية الأمراض المزمنة، وانتشار الأدوية المزورة والأغذية الفاسدة.

وأردف ولد الدحان، وليس انتهاءً بصعود النعرات القبلية والحساسيات الفئوية والعرقية.... لنكتشف جميعا فشل النظام وفساده وعجزه عن حل مشكلة واحدة من المشكلات الكثيرة التي يواجهها الوطن والمواطنون في عهده البائس.

وعليه، يقول الناشط السياسي، في كل مرة يحاول النظام التظاهر بحل مشكلة أو التصدي لأزمة، لا يعجز فقط عن حلها أو يخفق في التصدي لها، وإنما أيضا يخلق مشكلات أخرى ويثير أزمات جديدة إلى جانب الأزمات والمشكلات القائمة.

ويواصل ولد الدحان تحميل النظام مسؤولية ما يقع وعجزه عن تدبير الشأن العام قائلا: "لقد حقق مستوى غير مسبوق في فشل الحلول وحطم الرقم السياسي في افتعال المشكلات وخلق الأزمات".

وأردف، ولذلك، لو قُدر للتحقيقات الحالية أن تستمر بضعة يام فقط، فستصل إلى أركان نظامه وأقرب الدوائر المحيطة بولد الغزواني نفسه، لذلك فلن تطول حملة الاعتقالات العشوائية الراهنة، بل ستتوقف في وقت أقرب مما يتخيله أي مراقب.

واسترسل، سيتم إيقافها في صمت بعد أن تؤدي مهمتها الرئيسة، أي اشغال الرأي العام عن مشكلاته ومعاناته المتفاقمة جراء الفشل الهيكلي لهذا النظام وسياسات التخبط والعشوائية التي ينتهجها دون أن يعرف هو نفسه إلى أين يسير.