من رمال غزة إلى مياه بحر الصين الجنوبي.. هل يورّط ترامب رئيس إندونيسيا؟

منذ ٤٣ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

راهن الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو على أن التقارب مع نظيره الأميركي دونالد ترامب من شأنه أن يفتح أمام جاكرتا آفاقا أوسع للنفوذ، إلا أن كل خطوة باتجاه واشنطن قوبلت بموجة غضب في الداخل، امتدت تداعياتها من رمال غزة إلى مياه بحر الصين الجنوبي.

ووفق مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، فإن غياب برابوو عن الجلسات الافتتاحية السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام لا يُعد أمرا استثنائيا، إذ غاب عنها أيضا قادة الصين وألمانيا والهند والمكسيك وجنوب إفريقيا وعدد من الدول الأخرى.

ومع ذلك، أثار غيابه تكهنات بشأن ما إذا كان قد أراد توجيه رسالة من خلال تجنب زيارة الولايات المتحدة. وفي حين عزت جاكرتا الأمر رسميا إلى ضرورة تفرغه لمعالجة أولويات داخلية، رأى خبراء إندونيسيون أن الغياب يعكس إحباطا متزايدا من واشنطن.

ويقرأ أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جنوب كاليفورنيا ديريك غروسمان هذا المشهد على هذا النحو، مشيرا إلى أن هذا الإحباط جاء بعد محاولات جاكرتا مواءمة مواقفها مع أولويات إدارة ترامب.

فاتورة غزة

ولفت غروسمان إلى أن برابوو عرض في الجمعية، العام الماضي 2025، موارد إندونيسية كبيرة دعما لتسوية في غزة، متعهدا بمساهمة مالية وبنشر "20 ألفا أو أكثر" من قوات حفظ السلام في القطاع.

كما خطا خطوة لافتة، بالوعد باعتراف إندونيسيا بإسرائيل حال اعترافها بدولة فلسطينية، ثم شارك في فبراير/شباط 2026 في أول اجتماع لمجلس السلام الذي أطلقه ترامب، وربط التزام بلاده بالقوات بقوة تثبيت استقرار بقيادة أميركية.

وأعلن برابوو خلال الاجتماع موافقة إندونيسيا التامة والتزامها الكامل بخطة ترامب المكونة من 20 بندا، مشيدا بقيادته ومعربا عن تفاؤله بأن الخطة قادرة على تحقيق "سلام حقيقي".

وأوضح المقال أن دعم برابوو لمبادرة واشنطن في غزة لم يكن بلا كلفة في الداخل. فاستعداده للتفكير في الاعتراف بإسرائيل أثار جدلا في بلد مؤيد للفلسطينيين بأغلبية ساحقة، لكن المعارضة اشتدت بعد انضمام جاكرتا إلى المجلس والتزامها بنشر قوات.

فقد تساءلت منظمات إسلامية وجماعات من المجتمع المدني عما إذا كانت المبادرة ستدفع فعلا نحو إقامة دولة فلسطينية، أم أنها ستُخضِع السياسة الخارجية الإندونيسية للولايات المتحدة وإسرائيل.

وأظهر استطلاع رأي، أُجري في مارس/آذار 2026، أن 50.9 بالمئة من المشاركين عارضوا عضوية إندونيسيا في المجلس، فيما عارض 44.9 بالمئة نشر قوات في غزة، مقابل 33.8 بالمئة فقط أيدوا ذلك.

وأشار غروسمان إلى أن الحرب مع إيران زادت من تعقيدات موقف برابوو الداخلي بشأن دعم واشنطن في الشرق الأوسط، إذ وجدت حكومته نفسها مرتبطة على نحو محرج بالولايات المتحدة، المنخرطة في حرب تستهدف دولة أخرى ذات أغلبية مسلمة.

واستدرك بأن برابوو جمّد انخراط بلاده في المجلس وعلّق نشر قواتها المقرر إلى غزة، واضعا شروطا صريحة لأي استئناف، أبرزها ألا تنزع قواته سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وألا تشارك إلا بموافقة القادة الفلسطينيين والدول المسلمة الرئيسة.

وأفاد بأن برابوو نفى، ردا على تقارير عن مساهمة بمليار دولار، أن يكون قد التزم بأي أموال للمجلس، خلافا لتعهده الأممي السابق بالمساعدة في تمويل السلام بغزة. ونوّه المقال بأن تراجع جاكرتا يعقّد تصوير البيت الأبيض للمجلس قصة نجاح دولية.

رسوم صادمة

وأوضح المقال أنه قَدَرا، وفي اليوم نفسه الذي حضر فيه برابوو اجتماع المجلس بفبراير/شباط 2026، وقّعت بلاده اتفاقا جمركيا جديدا مع الولايات المتحدة. وقد صُدمت جاكرتا حين فرض ترامب في أبريل/نيسان 2025 رسوما مرتفعة للغاية، بلغت 32 بالمئة على وارداتها.

وتابع أن الجانبين خفّضا المعدل في النهاية إلى 19 بالمئة، لكن إندونيسيا قدّمت تنازلات هائلة يُقال بأنها مسّت سيادتها، إذ اضطرت إلى قبول قيود على علاقاتها الاقتصادية مع شريكها الكبير الآخر، الصين.

وزاد أن الاتفاق يلزم إندونيسيا بالتوافق مع ضوابط التصدير الأميركية على التقنيات الحساسة، وتجنب إبرام اتفاقات تجارية قد تمس "مصالح أميركية جوهرية". ومع ذلك، حاول برابوو تسويق الاتفاق لشعبه، قائلا إنه توصل أخيرا إلى "اتفاق يعود بالنفع المتبادل قائم على الاحترام المتبادل".

ولفت غروسمان إلى أن برابوو كان يفضّل تجاوز المسألة، لكن بعد يوم واحد، في 20 فبراير/شباط 2026، قضت المحكمة العليا الأميركية بعدم قانونية رسوم ترامب، ما أطلق سيلا من الانتقادات بأن إندونيسيا كان عليها الانتظار قبل توقيع اتفاق متفاوض عليه.

وفي افتتاحيتها، وصفت صحيفة "جاكرتا بوست" التوقيت بأنه "كارثي"، مؤكدة أن فريق برابوو كان ينبغي أن يتوقع الحكم ويؤجل التوقيع.

وأضاف غروسمان أن إدارة ترامب فتحت، بعد ثلاثة أسابيع، تحقيقا بموجب المادة 301 بشأن فائض مزعوم في الطاقة التصنيعية الإندونيسية، أعقبه في اليوم التالي تحقيق آخر بشأن واردات يُزعم أنها أُنتجت باستخدام العمل القسري.

وأردف أن جاكرتا ردت على التحقيق الثاني بفرض حظر جديد على الواردات المنتجة بالعمل القسري، لكن واشنطن فرضت رغم ذلك رسوما بنسبة 10 بالمئة على السلع الإندونيسية في يوليو/تموز 2026، بينما ظل التحقيق المتعلق بالطاقة الفائضة يلقي بظلاله على العلاقات بين البلدين.

سيادة متأزمة

وذكر المقال أنه ظهر متغير آخر في أبريل/نيسان 2026، حين كُشف أن برابوو وافق على اتفاق جديد يمنح الجيش الأميركي وصولا مسبقا إلى الأجواء السيادية الإندونيسية لأغراض الاستجابة للأزمات والطوارئ.

لكن وزارة الدفاع الإندونيسية نفت لاحقا وجود اتفاق ملزم، بما يوحي بأن برابوو أُجبر على التراجع. ومع ذلك، أقرّ وزير الدفاع جعفري شمس الدين، بأنه وقّع رسالة نوايا مع نظيره الأميركي بيت هيغسيث.

وحذّرت وزارة الخارجية الإندونيسية من أن الانخراط الأميركي الواسع قد يورّط البلاد في صراع في بحر الصين الجنوبي. ومرة أخرى، أثار سعي برابوو للتقارب مع ترامب ردود فعل سياسية في الداخل، ما دفع حكومته إلى الدفاع عن نفسها في مواجهة اتهامات بالمساس بالسيادة.

ورغم هذه المتاعب، تقدمت الشراكة الأميركية-الإندونيسية في مجالات رئيسة عدة، إذ توسعت مناورة "درع غارودا الفائق" السنوية في عدد الدول المشاركة وعمق التعاون، ونما التعاون في المعادن الحرجة، وأعلن البلدان عشرات المليارات من الصفقات التجارية الجديدة.

واستدرك المقال بأن بعض أكبر التطورات في العلاقة، أمنية كانت أو تجارية، أفرزت عواقب سياسية جديدة وغير مقصودة لبرابوو داخليا وخارجيا. ومع ذلك، استثمر بكثافة في علاقته الشخصية بترامب وفي الشراكة الأوسع، ما يرجّح أنه لن يتراجع عن مساره سريعا.

وختم غروسمان بأن برابوو يميل إلى إجراء تعديلات محدودة، إذ عيّن الدبلوماسي المخضرم أرماناتا ناصر وزيرا جديدا للخارجية، وقد يتولى مراجعة التزامات بلاده الدولية قبل توقيعها.

وحتى الآن، لم يتلق برابوو من ردود الفعل ما يكفي ليقتنع أن توثيق العلاقات مع واشنطن متاعبه أكبر من فوائده.