من تيغراي إلى البحر الأحمر.. مخاوف من اتساع رقعة الصراع الإثيوبي

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

 

"قد تمتد حرب جديدة في تيغراي إلى ما هو أبعد بكثير من إثيوبيا، فإريتريا والسودان ودول الخليج والبحر الأحمر ترتبط بمصالح متنافسة، ما يزيد مخاطر التصعيد الإقليمي".

بهذا التحذير، استهل موقع "دويتشه فيله" الألماني تقريره حول تجدد الاشتباكات في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا؛ حيث شنت جبهة تحرير شعب تيغراي وست جماعات مسلحة أخرى هجوما ضد القوات الفيدرالية في 23 سبتمبر/ أيلول 2026، بالتزامن مع اندلاع مواجهات في إقليمي عفار وأمهرة المجاورين.

ضغط جديد

ويرى الموقع أن "تجدد الاشتباكات يضع السلام الهش الذي أرساه اتفاق بريتوريا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، والذي أنهى حرب تيغراي الأخيرة، تحت ضغط جديد".

واستدرك: “إلا أن السؤال الحاسم يتجاوز تيغراي، هل يمكن أن يرتبط الصراع بالحروب والتنافسات التي تعمل بالفعل على زعزعة استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر؟”.

ويرى الصحفي البريطاني والخبير في شؤون القرن الإفريقي مارتن بلوت هذا الخطر تحديدا؛ إذ قال لـ"دويتشه فيله": إن "صراعا بين إريتريا وإثيوبيا قد يؤدي أيضا إلى إدخال قوات سودانية في الحرب، وبالتالي يمتد الصراع إلى المنطقة بأكملها".

من جانبها، أكدت جلالي غيتاتشو بيرو، الخبيرة في شؤون شرق إفريقيا لدى مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، أن "الصراع لا يمكن النظر إليه بمعزل عن محيطه".

ويعدّ مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة منظمة مستقلة لرصد النزاعات ودراستها، تجمع وتحلل بيانات حول العنف السياسي والنزاعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم.

وأضافت بيرو: "لقد تغيّرت موازين القوى الإقليمية، وهذا بالضبط ما نراه في إثيوبيا أيضا؛ إذ تنحاز جهات إقليمية ودولية مختلفة إلى أطراف الصراع".

وأردفت: "ويظهر ذلك داخل الأراضي الإثيوبية وكذلك في الدول المجاورة، على سبيل المثال في السودان والصومال".

وبالتالي، قدرت أن "الحالة الإثيوبية ليست صراعا معزولا في القرن الإفريقي، بل تشمل أيضا الدول المجاورة وتؤثر في دول القرن الإفريقي بأكمله".

وتعود بداية التصعيد الحالي، إلى الثالث والعشرين من سبتمبر/ أيلول حين أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي تحالفها مع ست مجموعات إثيوبية مسلحة بهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد.

ومن بين هذه المجموعات مليشيا فانو في أمهرة، التي كانت تقاتل جبهة تحرير شعب تيغراي خلال الحرب السابقة.

ووفق التقرير، "لا يشكّل هذا التحالف قوة عسكرية موحدة؛ إذ تتبنى أطرافه مصالح سياسية وإقليمية مختلفة".

ومع ذلك، يعتقد أن "هذا التحالف قد وضع الحكومة تحت ضغطٍ على عدة جبهات في الوقت نفسه".

ولفت إلى أن "عفار تكتسب أهمية خاصة؛ إذ يمر عبر الإقليم أهم ممر للنقل يربط إثيوبيا، الدولة الحبيسة، بجيبوتي، ويمر عبره جزء كبير من التجارة الدولية، ما يجعل استمرار القتال تهديدا محتملا لهذا الشريان الاقتصادي الحيوي".

صراع شامل

وفي هذا السياق، تطرق الموقع إلى الحديث عن دور إريتريا في التصعيد الحالي واصفا إياها بـ"الحلقة الأولى في السلسلة".

وقال: "خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ضد جبهة تحرير شعب تيغراي".

واستدرك: "غير أن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تدهورت منذ ذلك الحين، فيما أسهمت مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر في زيادة حدة التوتر بين البلدين".

وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن "إثيوبيا توجه اتهامات لإريتريا بدعم جماعات مسلحة مناهضة للحكومة، بينما تنفي أسمرة هذه المزاعم".

وأردف: "ومع صعوبة التحقق بشكل مستقل من حجم التدخل الإريتري المباشر، فإن أي انخراط عسكري مباشر لأسمرة من شأنه أن يغير قواعد اللعبة تماما، ويؤدي إلى ربط صراع تيغراي بالحرب الدائرة في السودان المجاور".

وبحسب بلوت، "تشارك إثيوبيا وإريتريا بالفعل في حرب السودان بصورة غير مباشرة إلى جانب أطراف مختلفة".

وقال: "يقف الإثيوبيون إلى جانب قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي، وهناك مؤشرات قوية على وجود قاعدة في غربي إثيوبيا يجري من خلالها تزويد مقاتلي قوات الدعم السريع وتدريبهم".

وأكمل الموقع: "وفي السياق ذاته، تُوجه إلى الإمارات العربية المتحدة اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما ترفضه أبوظبي".

في المقابل، ذكر بلوت أن "إريتريا ومصر والمملكة العربية السعودية يدعمون الجيش السوداني".

في هذا الإطار، يرى التقرير أنه "إذا خاضت إثيوبيا وإريتريا مواجهة مباشرة، فقد تحاول أطراف الصراع السوداني استغلال الوضع الجديد".

وتابع موضحا: "إذ قد تتغير مسارات الإمداد والإستراتيجيات العسكرية، بينما تتعرض الحدود الشرقية للسودان لضغوط إضافية".

وحذّر بلوت من أن ذلك قد يؤدي إلى "تحول الأمر إلى صراع شامل في المنطقة بأكملها"، في إشارة إلى احتمال حدوث سلسلة من التداعيات المتتالية.

مصالح مختلفة

ونوَّه الموقع إلى أن "سلسلة الصراعات المحتملة لا تتوقف عند السودان؛ إذ قد تمتد تداعياتها إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتقع إريتريا وجيبوتي على جانبه الغربي، بينما يقع اليمن على جانبه الشرقي".

وأردف: "أظهرت الحرب في اليمن كيف يمكن لانعدام الأمن في البحر الأحمر أن يؤثر في حركة الملاحة الدولية وأن يجذب قوى خارجية إلى الصراع".

وبناء عليه، شدد على أن "موقع إريتريا وميناء عصب يمنحان البلاد أهمية إستراتيجية تتجاوز إقليم تيغراي بكثير".

في الوقت ذاته، لفت التقرير إلى أن "السعودية والإمارات وسعتا خلال السنوات الأخيرة حضورهما السياسي والاقتصادي والأمني في القرن الإفريقي".

وبحسب تقديره، "فإنه من خلال هذه الشبكات، يمكن للمال والأسلحة والخدمات اللوجستية والنفوذ السياسي أن تربط بين صراعات مختلفة".

ومع ذلك، يرى أن "اندلاع حرب إقليمية ليس أمرا حتميا بأي حال، فلا يوجد تحالف عسكري موحد يمتد من تيغراي إلى دول الخليج".

فضلا عن أن "المجموعات الإثيوبية المسلحة تتبنى مصالح مختلفة، وقد تتجنب إريتريا مخاطر التدخل المباشر، فيما تملك أطراف الحرب في السودان أولوياتها الخاصة".

شديد الدموية

على الصعيد الإنساني، ذكر التقرير أن حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، وشردت الملايين. 

في هذا الصدد، حذر الخبير بلوت من تداعيات إنسانية وخيمة.

وقال لـ"دويتشه فيله": "هناك بالفعل خطر حقيقي من أن يتحول ذلك إلى صراع شديد الدموية، فقد قتل 600 ألف شخص في الحرب الأخيرة في تيغراي، ونأمل ألا تسير الأمور في هذا الاتجاه هذه المرة".

سياسيا، حذّر الاتحاد الإفريقي في 23 سبتمبر/ أيلول من مخاطر تصاعد حالة عدم الاستقرار. 

فقد دعا رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف إلى وقف جميع الخطوات التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد التوترات، وإلى استئناف المحادثات على أساس اتفاق بريتوريا. 

وبحسب الموقع، فإنه "من المتوقع أن يدعم الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو الجهود الدبلوماسية".

في المحصلة، شدد التقرير على أن "العامل الحاسم يكمن في القدرة على الحيلولة دون اتساع نطاق الصراع ليضم جبهات جديدة وداعمين خارجيين".

وأردف: "فحينها، لن تبقى الحرب الإثيوبية الجديدة مجرد صراع داخلي، بل قد تصبح جزءا من منظومة صراع إقليمية أوسع تمتد من السودان عبر القرن الإفريقي والبحر الأحمر وصولا إلى اليمن وشبه الجزيرة العربية".