منع الحجاب في مدارس أذربيجان.. علمانية تقصي المحجبات وشراكة تعليمية مع إسرائيل

إسماعيل يوسف | منذ ٤٤ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

تشهد أذربيجان مواجهة متصاعدة حول الحجاب في المؤسسات التعليمية، بعدما تحولت قواعد الزي المدرسي الجديدة إلى أداة لمنع طالبات محجبات من دخول الفصول، ووضع معلمات أمام خيار التخلي عن غطاء الرأس أو خسارة وظائفهن، في إجراءات أثارت احتجاجات طلابية ومجتمعية وأعادت الجدل بشأن حرية المعتقد وحدود العلمانية التي تتبناها الدولة.

وفي بلد يشكل المسلمون نحو 96 بالمئة من سكانه، تبدو المفارقة واضحة بين ضمان الدستور حرية المعتقد، وبين التطبيق العملي لقواعد الزي التي باتت، وفق شهادات متضررات وتقارير إعلامية، تقيد ارتداء الحجاب داخل المدارس الحكومية.

فمنذ أواخر سبتمبر/ أيلول 2026، انتشرت مشاهد لطالبات يُمنعن من دخول مدارسهن، وأخريات يبكين بعد إبعادهن عن الفصول، فيما أبلغت معلمات محجبات بأن استمرارهن في العمل مشروط بالامتثال للقواعد الجديدة. وأثارت هذه المشاهد موجة تضامن واعتراض، تجاوزت المؤسسات التعليمية إلى الشارع ومنصات التواصل الاجتماعي، مع انضمام طلاب غير محجبين إلى الاحتجاجات رفضًا لحرمان زميلاتهم من التعليم.

وتزامن ذلك مع تقارير عن توقيف محتجين، واحتجاز شخصيات دينية وصحفيين معارضين للإجراءات، ما وسّع نطاق الأزمة من خلاف حول الزي المدرسي إلى مواجهة تتصل بحرية التعبير والحق في التعليم والعمل.

وفي موازاة هذه التطورات، عاد إلى الواجهة ملف التعاون التعليمي بين أذربيجان وإسرائيل، بعد سنوات من برامج تدريب المعلمين وتبادل الخبرات، فضلًا عن اتفاقات رسمية جديدة في مجالات التعليم والبحث العلمي. وأثار هذا التقارب تساؤلات داخل أوساط معارضة بشأن أولويات الحكومة الأذربيجانية، لا سيما في ظل تشددها مع المظاهر الدينية داخل المدارس.

لكن العلاقة بين التعاون التعليمي مع إسرائيل والقيود المفروضة على الحجاب لا تثبتها الوقائع المتاحة بصورة مباشرة، وهو ما يجعل التمييز بين الشراكة الرسمية القائمة والاتهامات السياسية المتداولة ضروريًا لفهم أبعاد الأزمة.

أوامر علمانية جديدة

حظر الحجاب في مدارس أذربيجان ليس جديدا، فجذوره تعود إلى عام 2010 حين سعت السلطات لمنعه بوسائل قمعية ولم تنجح.

لكن الأزمة تجددت في 21 سبتمبر 2026 بعد تعديل قواعد الزي المدرسي، في خطوة لم تحظر الحجاب بالاسم، لكنها وضعت قيودا على الزي المدرسي تمنعه فعليا.

ففي يوليو/تموز 2026، أصدر الرئيس إلهام علييف مرسوما يؤكد على "تعزيز الطابع العلماني في التعليم العام".

ومع بدء العام الدراسي، في 21 سبتمبر 2026، أقر مجلس الوزراء تعديلات تمنع ارتداء "إضافات أو ملابس تخالف توحيد الزي المدرسي أو تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم العام".

القرار لم يذكر كلمة "الحجاب"، ولم يوضح بالتفصيل ما إذا كان عدم الالتزام بالزي يجيز منع الطالب من دخول المدرسة، لكن مع بدء الدراسة تم طرد طالبات محجبات ومنع دخولهن.

لم تعد القضية مقتصرة على التلميذات؛ إذ امتدت إلى المُعلمات بعد صدور قرار جديد عن مجلس الوزراء في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حمل الرقم 325، ونص على ضرورة توافق لباس المعلمين، مع مبدأ علمانية التعليم العام.

ولم تذكر القواعد الحجاب بالاسم أيضا، لكن تقارير محلية أفادت بأن معلمات في مدارس بمدينة سومقاييت والمدرسة رقم 90 بمنطقة رامانا في باكو تلقين تعليمات بخلع الحجاب أو تقديم استقالاتهن.

وبثّ التلفزيون الرسمي فيديوهات دعائية تستهدف الفتيات المحجبات تقول لهن: إما الحجاب وإما التعليم، وتقارن بين طالبات غير محجبات بزي مدرسي غربي وأخريات محجبات، غير مرغوب في تواجدهن، هن ومُعلماتهن المحجبات في المدارس الحكومية.

مع بدء طرد الطالبات والمُعلمات المُحجبات، بدأت سلسلة احتجاجات، واتسع الغضب بشأن ما إذا كانت قواعد الزي المدرسي تطبق مبدأ العلمانية أم تُستخدمه لتقييد الحجاب عمليا؟

وجلست الطالبات المحجبات، اللواتي لم يُسمح لهن بدخول المدرسة، أمام أبواب المدارس يدرسن دروسهن وساعدهن بعض المعلمات المحجبات المطرودات أيضا.

ويقول محللون: إن حكومة الرئيس إلهام علييف فتحت على نفسها باب يصعب إغلاقه بموجب قرارات منع الحجاب بالقوة، وأنها تعيد تكرار تجربة تركيا التي انتهت بانتصار الحجاب، وبات النظام أمام خياري التراجع أو مواجهة ثورة شعبية.

وينص دستور أذربيجان على أن الدولة تضمن الحق في التعليم الثانوي العام المجاني والإلزامي، ولا يوجد في الدستور أي بند صريح يمنح الأفراد الحق في ارتداء أو عدم ارتداء الحجاب في المدارس.

حيث ينص الدستور الأذربيجاني في المادة 18 على فصل الدين عن الدولة، وأن يكون نظام التعليم الحكومي ذا طابع علماني لكنه يكفل في المادة 48 حرية التعبير والمعتقد، وحق الأفراد في اعتناق الدين والتعبير عن معتقداتهم.

ومن هنا تنشأ الإشكالية الأساسية: هل يعني التزام المؤسسة التعليمية بالعلمانية ضرورة منع الطالبات من إظهار معتقداتهن الدينية، أم يمكن للدولة أن تحافظ على حياد مؤسساتها دون تقييد المظاهر الدينية الفردية؟

 

غضب واحتجاجات

أثارت مشاهد طرد فتيات مُحجبات ومُعلمات من المدارس غضبا كبيرا في أذربيجان بين أهالي الطالبات، وظهرت فيديوهات لتلميذات وأولياء أمور يتحدثون عن أنهم أبناء شهداء، قدموا أرواحهم في حرب تحرير "قره باغ" من أرمينيا، ومع هذا يتم طردهم من المدارس.

ونشرت وسائل إعلام مقاطع تُظهر طالبات مُحجبات يتم منعهن من دخول المدارس، وسط دموعهن واعتراض زميلات وأهالي الطالبات.

وتضامنت تلميذات غير محجبات مع الطالبات المحجبات، وأطلقوا جميعا إضراباً مدرسياً احتجاجاً على القيود المفروضة على الحجاب، بحسب موقع "أو سي ميديا"، الإخباري المستقل الذي يغطي أحداث شمال وجنوب القوقاز، 9 أكتوبر 2026.

وانتشرت موجة اعتراضات على تطبيق التعديلات، وتظاهر طلاب مدارس أمام أبواب مدارسهم، ورفضوا دخول الحصص الدراسية تضامنا مع المحجبات.

ورفض طلاب المدرسة رقم 69 في باكو ومدرسة بي شيرييف الثانوية في قرية مولاوبا، بمنطقة ماسالي، حضور الدروس وطالبوا بالسماح لزميلاتهم المحجبات بالعودة إلى المدرسة، بحسب تقارير قناة "ميدان" التلفزيونية ولقطات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وظهر طلاب يبكون معلمتهم التي ستترك المدرسة لأنها محجبة، ووفقًا لقناة "ميديان" التلفزيونية، تم فصل المعلمة في مدرسة ريتشارد سورج الثانوية رقم 90 في باكو، وأظهرت لقطات الطلبات وهن يبكون ويعانقونها حزنا على إبعادها عن المدرسة لرفضها خلع الحجاب.

وشهدت العاصمة باكو سلسلة من الاحتجاجات شارك في بعضها نحو ألف شخص أمام وزارة التعليم، بعد تصريحات الالتزام بالزي المدرسي ومنع للحجاب، وهتف الجميع "نموت ولا نخلع حجابنا"، وتم اعتقال العشرات وفصل طالبات ومٌعلمات من المحتجين.

ومع اتساع حجم التظاهر والاحتجاج على هذه القواعد العلمانية، ومحاولة إدخال الطالبات المحجبات للمدارس بواسطة أهاليهم رغما عن منعهن، أعلنت وزارة الداخلية، في 12 أكتوبر 2026، عن اعتقال 37 شخصاً على خلفية حوادث تتعلق بالامتثال لقواعد الزي المدرسي، بحسب وكالة أنباء "جام نيوز"، من باكو، 12 أكتوبر 2026.

أيضا حجبت السلطات في أذربيجان الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي خشية أن يتحول الاحتجاج لحركة سياسية ضد السلطة القمعية مع استمرار الاحتجاجات ضد حظر الحجاب على الطالبات والمدرسات.

وتضمنا معهن، أعلن بولاد أسلانوف، رئيس موقع "زيبيرمان" الإخباري المسجون، رفضه القيود على الحجاب، وبدء إضراب عن الطعام احتجاجاً على القيود المفروضة على جميع الطالبات المحجبات اللواتي يتم تقييد حقهن في التعليم، وكذلك جميع المعلمات المحجبات اللواتي يُجبرن على الاختيار بين التعليم وارتداء الحجاب.

قال أصلانوف إن الإضراب عن الطعام يهدف إلى لفت الانتباه إلى منع الطالبات المحجبات من دخول المدارس والقيود المفروضة على ملابس المعلمات، وأضاف أن حق طفلته المحجبة في التعليم قد تم تقييده أيضاً.

وقال: إن القيود المفروضة على الملابس تنتهك المادة 48 من دستور أذربيجان، التي تضمن حرية التعبير.

وقد تمّ اعتقال عالم دين أذربيجاني، هو "أبغول سليمانوف"، بعد انتقادها للقيود المفروضة على الحجاب في المدارس، عبر حسابه على مواقع التواصل، بحسب قناة "ميدان"، 8 أكتوبر 2026.

وكان "سليمانوف" كتب على فيسبوك: "إذا تجرأوا على منع طالبات المدارس من الدراسة وهن يرتدين الحجاب، فسأختار السجن وأموت هناك" ووصف حال البلاد بأن "كل شخص في هذا البلد يعيش حياة السجن".

وفي دفاعه عن قرار حظر الحجاب، ظهر رئيس التلفزيون الحكومي الأذربيجاني (AzTV)  روفشن مممدوف ليقول: "لدينا قيمنا الخاصة وهويتنا الوطنية"، زاعما إنه "بعد انتصار قرة باغ، زادت الهجمات الأيديولوجية والإعلامية الموجهة ضد أذربيجان بشكل أكبر".

قال: "ستعترض الدولة كل محاولة تهدف إلى إدخال قيم عربية-فارسية في هويتنا الوطنية، وتغيير وعي أطفالنا ونظرتهم إلى الحياة منذ سن المدرسة، وإفسادها"، متحدثا عن "هجوم أيديولوجي عابراً للحدود" على بلاده.

و"ستمنع الدولة وبكل حزم أي محاولات تهدف إلى إقحام القيم العربية والفارسية على هويتنا الوطنية، أو تلك التي تسعى لتغيير وتشويه عقول أطفالنا ومنظورهم للحياة منذ سن المدرسة".

وزعم أن الهدف الأساسي لهذا الهجوم الأيديولوجي—الذي يتم توجيهه إلى حد كبير من الخارج ومن جهة معلومة المصدر تماماً—هو إيصال أذربيجان إلى الوضع المزري الذي تعيشه بعض الأمم المسلمة الأخرى.

تجربة إسرائيل التعليمية!

كان من غرائب أزمة الحجاب المدرسي، أن وزير التعليم الأذري تحدث عن الاستعانة بالتجربة الإسرائيلية في الدراسة، والاستفادة من خبرات إسرائيلية في التعليم التكنولوجي وتطوير المعلمين، ضمن مشروع أوسع لتحديث المناهج.

قال: إن ""خبرة إسرائيل ستساعد في تحسين نظام التعليم في أذربيجان"، بحسب صحيفة "تركيا هابر".

ويقول أذريون معارضون: إن هناك "لوبي إسرائيلي" قوى في البلاد ينشط ويربط بين إسرائيل وأذربيجان، التي تضم 30 ألف يهودي، بعلاقات قوية مع الدولة اليهودية.

وفي 2 فبراير 2026 أعلنت وزارة التعليم الأذربيجانية رسميًا اجتماع نائب الوزير حسن حسنلي مع وزير التعليم الإسرائيلي يوآف كيش لمناقشة التعاون في التعليم العام والعالي والاستفادة من النموذج الإسرائيلي.

وقد نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، 23 سبتمبر 2023، تقريرا يشرح خلفية التعاون في مجال التعليم، كشف أن شبكة "أورت" ORT، الإسرائيلية هي التي تشرف على هذا الملف التعليمي وضمنها المناهج.

وأنها تستضيف بشكل منتظم منذ 2019، الوفود التعليمية من أذربيجان (7 وفود بلغ مجموعها 350 من قادة التعليم الأذربيجانيين حتى 2023)، حيث يحضرون دورة تدريبية لمدة ثلاثة أسابيع في إسرائيل.

كشفت أنه "يُعيّن لكل مدير مدرسة أذري يصل إلى إسرائيل مدير مدرسة من شبكة "أورت"، ويسافر الأخير (اليهودي الإسرائيلي) مرة في السنة للعمل مع المدير الأذربيجاني في مدرسته هناك، ضمن "إصلاحات شاملة في النظام التعليمي" في أذربيجان.

وتقول الصحفية الأذربيجانية الأصل التي تقيم في تركيا، إن وزارة التربية والتعليم في أذربيجان ووزير التربية والتعليم الحالي " إيمن أمين أميرلييف"، وفريقه، كل ما يهمهم هو تطبيق الطرق الإسرائيلية على نظام التعليم الأذربيجاني.

قالت: " إيمن أمين أميرلييف يجلب معلمين من إسرائيل، ويفضلهم على ذوي خبرة 30 عاما من الأذربيجانيين، ويضع للتعليم قواعد غير مناسبة لنظامنا التعليمي".

ووجهت سؤالها للوزير، وهي تنتقد قرار منع الحجاب بالمدارس، قائله: "هل سألت الشعب حول الطرق الإسرائيلية التي تريدين إحضارها إلى هذا البلد؟".

قالت": "المسؤولون الذين يعملون في أذربيجان نيابة عن مصالح دول مثل إسرائيل وإيران وروسيا، يحاولون عبر وزارة التربية والتعليم تقويض الاستقرار في البلاد، ثم يزعمون أن النساء المحجبات في أذربيجان هن المشكلة".

سخرت ممن يهينون المعلمات والطالبات المحجبات بقولهم إنهن يرتدين "الزي العربي"، مؤكده أنهم ينسون حقيقة واحدة هي أن 99 بالمئة من النساء اللواتي يرتدين ما تسمينه "الزي العربي"، أي الحجاب، وكانت منهن أم الرئيس السابق ووالد الحالي "حيد علييف"، أي جدته.

أضافت: "تلك الأم المحجبة ربت ابنا أصبح رئيسا لأذربيجان، وثلاثة علماء أكاديميين، وطبيبا، وكانت معظم أمهات الذين وضعوا أسس البلاد في عام 1918، وأعادوا بناء أذربيجان الحديثة المستقلة وحموا استقلالها، محجبات أيضاط.

وقد شنت الصحفية الصحفية الأذرية نيغار أوغيداي (Nigar Ögeday) هجوما حادا على قرار الحكومة الأذرية منع الحجاب في المدارس، متهمة السلطات بتدمير التعليم ومستقبل الفتيات المحجبات، وانتقدت الاستعانة بإسرائيل في تطوير التعليم.

قالت أوغيداي، في مقطع فيديو نشرته عبر حساباتها، بلهجة غاضبة: "احتل الصهاينة إعلامنا، والإعلام الأذري محتل من قبل الصهاينة".

وأضافت: "لم يكفهم هذا، واليوم قرروا تدمير التعليم في أذربيجان، كي تدمر أي مجتمع، لست بحاجة إلى تدمير جيشه، بل يكفي أن تدمر تعليمه لتخرج منتصرا، واليوم، تحت ذريعة الحجاب، يتم القضاء على مستقبل أذربيجان".

ونشرت أوغيداي مقطع فيديو لأحد أفراد الجيش الأذري، قال فيه: إنه ضحّى بيده خلال معارك حرب قرع باغ الثانية، قبل أن يجد نفسه أمام ما وصفه بحرمان ابنته من الذهاب إلى المدرسة بسبب ارتدائها الحجاب.

ووجّه الجندي نداءً إلى وزير التعليم والرئيس الأذري، قائلًا: "لم نسفك دماءنا لكي تدمع عيون أطفالنا ويُمنعن من الذهاب إلى المدارس".

واتهمت أوغيداي المسؤولين باستهداف الشباب الذين شاركوا في تحرير أراضي قره باغ، متسائلة: “أنتم تنتقمون من الشباب الذين حرروا أراضي قره باغ، لكن لصالح من؟ هل لصالح الأرمن أم لصالح الصهيونية؟ هل أصبحنا عبيدًا للصهيونية إلى هذه الدرجة في أذربيجان؟”

وتزامن التعاون التعليمي مع إسرائيل بتوسيع التقارب الأذربيجاني الإسرائيلي والذي تعاظم خلال حرب "قره باغ" وإعلان تل أبيب توريد طائرات مسيرة لباكو ساهمت في الحرب.

ولا يقتصر توسع العلاقات على المجال العسكري والدبلوماسي، بل والثقافي وحماية الجالية اليهودية، ويمتد يشمل مصالح إستراتيجية كبيرة، وتشمل العلاقات أيضًا تجارة السلاح والتكنولوجيا، كما تستورد إسرائيل 50 بالمئة من نفطها المستورد من أذربيجان، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت".

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، سبتمبر 2023، زودت إسرائيل أذربيجان بطائرات مسيرة وذخائر وأنظمة تسليح متقدمة، وأن التعاون الدفاعي بين البلدين كان وثيقًا خلال حرب ناغورنو قره باغ.

ويشكل موقع أذربيجان المجاور لإيران، إلى جانب مصالحها في الطاقة والتسليح، عنصرًا مهمًا في تفسير التقارب مع إسرائيل.

وقد أثيرت اتهامات من جانب أطراف إيرانية لأذربيجان أن هجمات إسرائيلية انتقلت من أراضيها خلال حرب فبراير 2026، واشتكت باكو من إطلاق صواريخ من إيران على أراضيها..

ما علاقة إيران والشيعة؟

تشير دراسة سابقة لجامعة كامبريدج، 24 يناير 2020، إلى أن الجدل حول الحجاب في أذربيجان ارتبط تاريخيا بتصورات الدولة عن العلمانية والهوية الوطنية والخشية من توظيف الدين سياسيا.

وكان لافتا أن القرار الذي اتخذه الرئيس "علييف" بفرض "تعزيز الطابع العلماني في التعليم العام" في يوليو/تموز 2026، جاء بعد قرابة 5 أشهر من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واتهام طهران لباكو بالمشاركة فيها عبر السماح بانطلاق هجمات منها.

وقد ربطت تقديرات وتقارير أذرية بين هذا التطور في الحرب، والخلاف بين طهران وباكو، وبين قرار تسريع علمنة التعليم؛ إذ إن غالبية مسلمي أذربيجان (قرابة 60 بالمئة) من الشيعة وهناك أنشطة تعليمية وحوزات تخشي باكو من دورها في تعليم الطلاب أفكارا دينية شيعية تؤثر على خطها العلماني.

ووفقا للادعاءات المنشورة في الصحافة الأذربيجانية، فإن أحد الأسباب الرئيسة لإلزامية الزي المدرسي هو منع إيران من نشر نشيدها الوطني وتعاليمها الأيديولوجية من خلال بعض المعلمين والطلاب، بهدف نشر ثقافتها، ونشروا فيديوهات تلمح لهذا.

وقد أشار التلفزيون الأذري للمخاوف المتعلقة بإيران، عقب الاحتجاجات على قرار منع الحجاب 21 سبتمبر 2026؛ حيث نشر تقريرا يبرر منع الحجاب بالقول: "لا نريد الثقافة الفارسية أو الثقافة العربية داخل المدارس، لهذا اتخذنا القرار".

وخلال لقاء تلفزيوني، ربط سياسي أذربيجاني حظر الحجاب بمخاوف من النفوذ الإيراني الشيعي على المجتمع الأزري الشيعي، ومع أنه قال إنه لا يرى قرار حظر الحجاب موفقا، فقد عدّه ضرورة لمواجهة ما يصفه بالنفوذ الإيراني عبر توظيف الدين.

السياسي "سردار جلال أوغلو"، رئيس الحزب الديمقراطي الأذربيجاني والمعارض للحكومة، قال: إن الجدل بشأن القيود المفروضة على الحجاب في المدارس الأذربيجانية يرتبط، من وجهة نظره، بمخاوف باكو من "توظيف إيران الدين والمظاهر الدينية لتعزيز نفوذها داخل البلاد".

قال في المقابلة الإعلامية: إن القضية تتجاوز تنظيم الزي المدرسي إلى أبعاد سياسية وجيوسياسية، في ظل ما وصفه بمحاولات إيرانية لاستثمار الروابط المذهبية والدينية لبناء شبكات موالية لطهران داخل أذربيجان.

وربط جلال أوغلو، تصاعد الجدل بزيارة سابقة لنائب رئيس الوزراء الأذربيجاني شاهين مصطفاييف إلى إيران، زعم أن مستشار المرشد رضائي تعمد اذلال الوزير في الزيارة، وحركت طهران بعدها شبكات إعلامية في تركيا للضغط على باكو بشأن قضية الحجاب.

وزعم السياسي الأذربيجاني أن بعض الأنشطة الدينية، مثل تجمعات العزاء وتوزيع الطعام في الساحات، قد تُستغل في بناء ولاءات سياسية لإيران، محذرًا مما اعتبره تهديدًا لاستقلال القرار الأذربيجاني. 

أيضا دعا هذا السياسي الأزري الأتراك إلى عدم إسقاط تجربتهم الداخلية على أذربيجان، بالنظر إلى اختلاف الظروف السياسية والدينية بين البلدين.

وترى تقديرات أخرى أن قرار التضييق على الحجاب منذ 21 سبتمبر 2026 مرتبط مباشرة بتوترات إقليمية ودوافع سياسية غير معلنة، لا تتعلق بالزي المدرسي وحده، بل تتقاطع مع سياسة الدولة في ضبط النشاط الديني، ومع حساسياتها الأمنية والسياسية تجاه إيران وتركيا.

إذ يرى مراقبون أن القيود الجديدة على الحجاب في أذربيجان تتجاوز مسألة توحيد الزي المدرسي، وتلامس صراعا أوسع على هوية الدولة وحدود النفوذ الديني في منطقة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التنافس الإقليمي. 

فباكو، التي تتبنى نموذجا علمانيا وترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، تنظر بحساسية إلى النفوذ الإيراني داخل الأوساط الشيعية، وغالبية سكانها من الشيعة.

خلاف تركي أذربيجاني

وقد وضعت هذه القيود على الحجاب أذربيجان أيضا أمام حرج سياسي مع تركيا، حليفتها الإستراتيجية التي طالما انتقد رئيسها رجب طيب أردوغان حظر الحجاب، وقاد معركة ضد حظره وأعاده لتركيا بقوة.

ومنذ اندلاع معركة الحجاب في أذربيجان، تضامن الأتراك والإعلام التركي مع الطالبات والمُعلمات المحجبات في أذربيجان وانتقد قرارات الحكومة، ونشر مظاهرات واحتجاجات الطالبات والأهالي على نطاق واسع وشنت الميديا ووسائل التواصل هجوما متواصلا ضد حكومة باكو.

وصرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 بأن حظر الحجاب في المدارس في "بعض الدول" يُعد "اعتداءً على أبسط حقوق المرأة"، دون أن يسمي أي دولة. 

ويقول "سيد محمود كاساني"، وهو مترجم وكاتب من طشقند، أن قضية الحجاب كشفت عن حدود التضامن التركي الأذربيجاني وأثارت أزمة مع "الأخ الأكبر"، أي تركيا.

أوضح، عبر فيس بوك أن الخلافات الأخيرة بين باكو وأنقرة لم تكن مجرد تباين عابر في وجهات النظر حول السياسة الخارجية، بل كشفت عن أزمة أعمق تتعلق برفض أذربيجان المستمر لسياسة "الأخ الأكبر" ومحاولات الوصاية على قرارها الوطني ومسارها الداخلي.

أشار لركوب أوساط إعلامية وسياسية محسوبة على التيار المحافظ في تركيا الموجة، وشنت هجوماً إعلامياً مكثفاً اتهم باكو بالتضييق على مظاهر التدين، منذ قرار منع الحجاب في المدارس.

وهذا الشحن الإعلامي المؤطّر أيديولوجياً لم يقف عند حدود الشاشات ومنصات التواصل، بل ترجم على الأرض في مظاهرات نظمها أتراك أمام السفارة الأذربيجانية في أنقرة، بضوء أخضر رسمي.

وقد رد الرئيس "علييف" على الهجوم على بلاده بسبب منع الحجاب، قائلا: إن أذربيجان لا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها الداخلية أو التأثير على مجالها الأيديولوجي، ما بدا كأنه رد على الانتقادات التركية.