هل يفتح سقوط باب المندب الطريق إلى صنعاء أم يطيل حرب اليمن؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تتجه المواجهة في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيدًا مع اتساع العمليات العسكرية لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، وسط تساؤلات بشأن قدرة الجماعة على مواصلة القتال تحت ضغط الغارات الجوية والهجوم البري، ومدى تأثير تراجع قدراتها التسليحية في تماسك خطوط سيطرتها.

وأعلن التحالف العسكري بقيادة السعودية، في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تنفيذ عملية واسعة قال إنها دمرت 136 هدفًا عسكريًا في مناطق سيطرة الحوثيين، بالتزامن مع استمرار الهجوم المضاد للقوات الحكومية.

استنزاف متواصل

تتوقف قدرة الحوثيين على الصمود على مجموعة من العوامل، بينها احتفاظهم بالموارد البشرية والمالية والتسليحية، وقدرتهم على نقل المعركة إلى مناطق يصعب على الطيران استهدافها بفاعلية، مقابل قدرة خصومهم على تحويل نتائج الغارات إلى تقدم ميداني مستدام.

وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري اليمني علي الذهب، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن استمرار قدرة الحوثيين على القتال يرتبط بواقع الجبهات؛ حيث توقفت معظم المواجهات التي اندلعت منذ عام 2015، وانحصرت المعارك النشطة في الساحل وجبهة تعز، وهو ما يمنح الجماعة فرصة لتركيز مواردها في المناطق المشتعلة.

وأشار الذهب إلى أن الحوثيين يستفيدون من الموارد البشرية والمالية والطبيعية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، بما يشمل التجنيد والجبايات والضرائب والجمارك، فضلًا عن استغلال الجبال والممرات المائية والوقود. وتتيح هذه الموارد للجماعة تعويض جانب من خسائرها ومواصلة تمويل عملياتها العسكرية، حتى مع تعرض مواقعها للضربات الجوية.

في المقابل، لفت الخبير العسكري إلى ضعف القوات الحكومية في تعز ومحدودية الدعم الذي تتلقاه، مقدرا أن المقاومة الشعبية تؤدي دورًا بارزًا في المواجهات. وأكد أن "قدرة الحوثيين على امتصاص ضربات الطيران" ترتبط بعدم استثمار نتائجها على الأرض، بما يجعل القصف أقل تأثيرًا في موازين السيطرة إذا لم يترافق مع تحرك عسكري فعال.

وتكشف هذه القراءة أن نقطة التحول لا ترتبط بعدد الأهداف التي تدمرها الغارات بقدر ما ترتبط بمدى تأثيرها في قدرات القيادة والتسليح والإمداد، وبقدرة القوات الحكومية على استعادة المواقع والاحتفاظ بها. فإذا استمرّت الضربات دون تقدم بري متماسك، فقد تتحول المواجهة إلى استنزاف طويل يحتفظ خلاله الحوثيون بقدرتهم على تعطيل الحسم.

من جهته، قال رئيس مركز "أبعاد" اليمني للدراسات، عبد السلام محمد، لـ"الاستقلال": إن الحوثيين يخاطرون باستنزاف قدراتهم في سبيل تحقيق أهداف إستراتيجية، موضحًا أنهم ركزوا جزءًا كبيرًا من قوتهم في المناطق الساحلية المفتوحة سعيًا إلى السيطرة على باب المندب، قبل أن تدفعهم الضغوط العسكرية إلى التحرك نحو المرتفعات المحيطة.

وأعرب محمد عن اعتقاده بأن انتقال الحوثيين إلى الجبال يعكس محاولة للاحتفاظ بقدرتهم على تهديد الملاحة والمناطق الساحلية، حتى إذا اضطروا إلى الانسحاب من المضيق. ولفت إلى أن "جبال تعز ستشرف على باب المندب، وعلى مناطق لحج والمضاربة وساحل العارة القريب من خليج عدن، كما ستشرف على العاصمة عدن"، بما يمنح الجماعة مواقع جديدة لمواصلة الضغط العسكري.

لكن محمد يميز بين الاستنزاف والانهيار، مقدرا أن الضغوط الحالية لا تعني بالضرورة قرب الحسم؛ إذ يربط بداية انهيار الحوثيين بثلاثة مؤشرات رئيسة، هي "حدوث اختلال في هيكلهم القيادي"، وتراجع قدراتهم التسليحية نتيجة استهداف المصانع ومعامل الصواريخ ووقف عمليات التهريب، ثم خسارة الأراضي التي يسيطرون عليها، سواء تلك التي استولوا عليها حديثًا أو في مراحل سابقة.

وتعني هذه المؤشرات، وفق الباحث، أن تراجع الجماعة لن يُقاس فقط بخسارة المواقع، بل بقدرتها على تعويض القيادات والأسلحة، والحفاظ على خطوط الإمداد، ومنع انتقال الخسائر الميدانية إلى اضطراب داخل بنيتها التنظيمية. فإذا تزامنت الضربات مع تعطيل مصادر التسليح وتقدم القوات الحكومية، فقد تتقلص قدرة الحوثيين على إدارة جبهات متعددة في وقت واحد.

وأشار محمد إلى أن الحوثيين يحققون مكاسب تكتيكية في الساحل، لكنهم قد يخسرون على المستوى الإستراتيجي إذا استمرّت الضغوط عليهم. ورأى أن استعادة المناطق المهمة، بالتزامن مع دعم المقاومة في تعز ومناطق أخرى، قد تتيح للسكان التحرك ضد الجماعة. غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مرتبطًا بوجود قوة حكومية قادرة على التقدم، وليس بمجرد تراجع الحوثيين في جبهة واحدة.

عقبة التقدم

تمثل استعادة باب المندب هدفًا إستراتيجيًا يتجاوز أهميته العسكرية المباشرة، نظرًا إلى موقعه في حركة الملاحة الدولية وما يرتبط به من مصالح اقتصادية وأمنية. لكن استعادة المضيق لا تعني تلقائيًا فتح الطريق إلى صنعاء؛ إذ يتطلب الانتقال من المناطق الساحلية إلى المراكز الداخلية تجاوز تضاريس مختلفة، وتأمين خطوط الإمداد، وتوحيد الجهود بين القوى المناهضة للحوثيين.

وفي هذا السياق، حذَّر الذهب من أن تعدد القوى داخل معسكر الحكومة يضعف فرص تحويل التقدم الساحلي إلى مكاسب واسعة، قائلًا: إن "معسكر الشرعية منقسم بالفعل". وأشار إلى وجود رايات وأجندات متعارضة لا تنعكس بالضرورة في تقدم ميداني يخدم توسيع نفوذ الحكومة، وهو ما يزيد صعوبة الاتفاق على أهداف المرحلة التالية بعد استعادة المناطق الساحلية.

ولفت الخبير العسكري إلى أن بعض القوات المشاركة في جبهة الساحل ترفع شعارات انفصالية، الأمر الذي يثير الشكوك لدى القوى الأخرى المناهضة للحوثيين، خصوصًا في المحافظات الشمالية والوسطى. ومن شأن استمرار هذا التباين أن يجعل استعادة الأراضي هدفًا عسكريًا محدودًا، بدلًا من أن تكون جزءًا من إستراتيجية موحدة تستهدف إعادة بسط سلطة الدولة.

أما محمد، فيرى أن استعادة الساحل بالكامل، بما فيه باب المندب والحديدة، إلى جانب تعزيز الجبهات في مأرب وتعز، قد تغير موازين الصراع وتضعف قدرة الحوثيين على الاحتفاظ بالمناطق الأخرى. ويعتقد أن خسارة المواقع الإستراتيجية يمكن أن تشجع مقاومات محلية على التحرك، وتزيد الضغط على الجماعة من داخل المناطق التي تسيطر عليها.

لكن هذا التصور يفترض أن القوات المناهضة للحوثيين ستتمكن من تنسيق عملياتها وتجاوز خلافاتها السياسية، وهو تحد لا يقل أهمية عن التقدم العسكري نفسه. فالتضاريس الجبلية تمنح المدافعين مزايا ميدانية، بينما يمكن للتنافس بين القوى المناهضة للجماعة أن يبدد أثر المكاسب الساحلية ويحول دون انتقالها إلى تقدم باتجاه صنعاء.

وبذلك، قد تشكل استعادة باب المندب نقطة تحول في الحرب، لكنها لا تضمن حسمها. فالوصول إلى صنعاء يتطلب تآكل القدرات العسكرية للحوثيين، وتقدم القوات الحكومية على أكثر من محور، ووجود مشروع سياسي وعسكري موحد يستطيع إدارة المناطق المستعادة ومنع نشوء صراعات جديدة بين القوى المشاركة في المعركة.

حرب المدن

لا يبدأ خطر حرب الشوارع عند وصول القوات إلى صنعاء فحسب، بل يظهر أيضًا في تعز والمناطق التي تتداخل فيها خطوط السيطرة مع التجمعات السكانية. ويوضح الذهب أن المواجهات في تعز تجاوزت نمط القتال النظامي التقليدي، لتشمل الكر والفر والكمائن والقنص والسيطرة على المرتفعات وقطع الطرق، في ظل استمرار الاشتباكات المتقطعة بين الحوثيين وخصومهم.

وقال الذهب إن "الحرب دخلت مرحلة القتال داخل المدن والأرياف، مع احتلال المرتفعات"، وهو ما يقيد حركة السكان ويؤثر في تنقلاتهم وأنشطتهم اليومية والإمدادات التموينية. وأشار إلى أن تعز تعيش وضعًا بالغ الصعوبة مع استمرار الحصار، موضحًا أن المدينة لم تسقط بيد الحوثيين منذ عام 2015، رغم الضغوط العسكرية المتواصلة.

وتبرز تعز بوصفها نموذجًا لما قد تواجهه مدن أخرى إذا اتسعت العمليات البرية؛ إذ لا يقتصر القتال داخل المناطق المأهولة على السيطرة على الشوارع والمباني، بل يرتبط أيضًا بإمكانية وصول الغذاء والوقود والمساعدات، وقدرة السكان على التنقل، واستمرار الخدمات الأساسية. وكلما طال أمد المواجهات، ارتفعت كلفة استعادة السيطرة على المناطق الحضرية.

ويختلف هذا السيناريو عن التصور الذي يطرحه محمد بشأن إمكان انهيار الحوثيين نتيجة خسارة المواقع الإستراتيجية وتزايد التحركات الشعبية ضدهم. فهو يرى أن الحسم لا يحتاج بالضرورة إلى حرب مدن شاملة، إذا أدى فقدان المناطق الحيوية إلى إضعاف الجماعة وتشجيع خصومها المحليين على التحرك. لكن ذلك يبقى احتمالًا مشروطًا بتغير موازين القوة على الأرض.

وفي حال رفض الحوثيون التراجع أو التسوية، فقد تستمر المواجهة في صورة معارك استنزاف تمتد بين المدن والجبال والساحل، بدلًا من التقدم السريع نحو العاصمة. وعندها، ستتوقف النتائج على قدرة القوات الحكومية على مواصلة القتال، وتأمين المناطق التي تستعيدها، ومنع الانقسامات داخل معسكرها من إتاحة المجال أمام الجماعة لاستعادة المبادرة.

وتكشف المعطيات أن التحدي لا يتمثل في إخراج الحوثيين من باب المندب وحده، بل في منعهم من إعادة بناء قدرتهم على تهديده، وتفكيك مصادر قوتهم العسكرية، وتوحيد القوى التي تقاتلهم.

وبين احتمالات الانهيار التدريجي وحرب المدن الطويلة، يبقى العامل الحاسم هو قدرة السلطة الشرعية في اليمن على تحويل التفوق العسكري إلى سيطرة مستدامة، بأقل كلفة ممكنة على السكان.