“انقلاب” بريطانيا على إسرائيل.. حسابات انتخابية أم تحول حقيقي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تشهد العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل أزمة دبلوماسية حادة على خلفية إجراءات اتخذتها الحكومة البريطانية ومواقف تبنتها المعارضة، فيما يرى منتقدون في لندن أن هذه السياسات ترقى إلى "شيطنة الدولة اليهودية".

وفي هذا السياق، افتتحت صحيفة "فزغلياد" الروسية تقريرا بعنوان "اليهود البريطانيون ينقلبون على إسرائيل"، وطرحت تساؤلات بشأن جوهر الخلاف بين لندن وتل أبيب، والدوافع التي تقف وراء السياسة البريطانية الحالية، إلى جانب المخاطر التي قد تترتب عليها.

"أدنى مستوى"

وأشارت الصحيفة إلى ما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" تحت عنوان "العلاقات البريطانية الإسرائيلية في أدنى مستوياتها منذ عقود"، مقدرة أنه من الصعب الاعتراض على هذا التوصيف في ظل الأزمات الدبلوماسية المتعددة التي شهدتها العلاقات بين لندن وتل أبيب خلال الفترة الأخيرة.

وبحسبها، "بدأت الأزمة عندما قررت الحكومة البريطانية الجديدة برئاسة آندي بيرنهام الانتقال من مجرد إدانة السياسة الاستيطانية الإسرائيلية التي تنظر إليها لندن بوصفها استيلاء على الأراضي الفلسطينية، إلى فرض عقوبات فعلية على إسرائيل".

وفي هذا السياق، تحدث وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، الذي يصف نفسه بأنه "يهودي بريطاني فخور"، عن "إرهاب المستوطنين" المسؤول عن "التطهير العرقي" في الضفة الغربية.

وعلى إثر ذلك، حظرت الحكومة البريطانية في سبتمبر/ أيلول 2026 استيراد جميع السلع المزروعة أو المصنعة داخل المستوطنات الإسرائيلية.

ووصف مسؤولون في السفارة الفلسطينية بلندن هذه العقوبات بأنها "نقطة تحول في العلاقات بين بريطانيا وفلسطين"، غير أن الخطوة أثارت غضب الإسرائيليين، الذين ردوا بإمهال بريطانيا 30 يوما لإغلاق قنصليتها العامة في القدس المحتلة إغلاقا كاملا.

في هذا الصدد، لفتت الصحيفة إلى أن "القنصلية البريطانية في القدس لا تعد مجرد بعثة دبلوماسية عادية".

وفسّرت حديثها: "إذ تعمل بصورة مستقلة عن السفارة البريطانية في تل أبيب، وتؤدي فعليا دور سفارة المملكة المتحدة لدى فلسطين، من خلال تقديم الخدمات للفلسطينيين والحفاظ على قنوات الاتصال مع قيادة السلطة الفلسطينية".

ومن هنا، أوضحت أن "البريطانيين رفضوا إغلاقها رفضا قاطعا، مستندين إلى حجتين أساسيتين، أولاهما أن مبنى القنصلية الواقع في القدس الشرقية مملوك للحكومة البريطانية، والثانية أن إسرائيل لا تملك أي سلطة على هذه المنطقة".

وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية أن "حكومة المملكة المتحدة تؤكد مجددا موقفها الراسخ منذ أمد طويل، والمتمثل في أن القدس الشرقية أرض محتلة".

وتابعت الصحيفة: "وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، وقبل انتهاء المهلة الإسرائيلية بلحظات، بدا أن الطرفين توصلا إلى صيغة توافقية لإنهاء الأزمة؛ إذ أعلن ميليباند أن 20 دبلوماسيا، بينهم القنصل العام، سيغادرون القنصلية (لدواع أمنية)".

ومع ذلك، أفاد التقرير بأن "البعثة لن تغلق أبوابها، بل سيتحول وضعها من قنصلية إلى مكتب تمثيلي، يعمل فيه سبعة موظفين فقط بصلاحيات محدودة".

"وهكذا، وفي حين أعلنت إسرائيل توقف القنصلية عن العمل، تصر لندن على أنها لم تغلق". قال التقرير.

وفي محاولة لاحتواء الخلاف، تعهد ميليباند قائلا: "سنعمل خلال الأشهر المقبلة على استعادة وجودنا، ولن نتخذ إجراءات انتقامية ما دامت هذه المفاوضات مستمرة وتتسم بالجدية والمصداقية".

واستدركت الصحيفة: "غير أن كيفية تحقيق ذلك لا تزال غير واضحة، خصوصا أن الوزير البريطاني نفسه يقر بأن لندن لا تمتلك الضمانات الأمنية اللازمة لحماية موظفيها ومقراتها من دون التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل".

وهو ما ترى أنه "قد يؤدي إلى تجدد التصعيد بين الطرفين بشأن المكتب التمثيلي خلال الفترة المقبلة".

أما الأزمة الثانية، فتتعلق -وفق التقرير- بحزب الخضر البريطاني، الذي يحظى بتأييد نحو 11 بالمئة من الناخبين، وفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة يوغوف، الشركة الدولية الرائدة في مجال أبحاث السوق وتحليلات البيانات عبر الإنترنت.

ففي مؤتمره المنعقد بمدينة برايتون البريطانية في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، صوت حزب الخضر لصالح تصنيف الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.

وقال نائب رئيس الحزب موثين محمد علي: إن "الصهيونية تعرف بأنها حركة قومية إثنية، كما تعرف بأنها تطهير عرقي وإبادة جماعية".

وذكرت الصحيفة أنه "ردا على ذلك، قررت إسرائيل منع زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي من دخول أراضيها، ووصفت القرار بأنه مجرد خطوة أولى، بينما اتهمت وزارة الخارجية الإسرائيلية الحزب بإضفاء الشرعية على الإرهاب".

وجاء في بيان للسلطات الإسرائيلية أن "حزب الخضر لم يتبن اللون الأخضر الذي تتميز به حركة حماس فحسب، بل تبنى أيضا أيديولوجيتها القائمة على تدمير دولة إسرائيل من خلال الكفاح المسلح".

حسابات سياسية

ورأت الصحيفة الروسية أن "بريطانيا هي الطرف الذي بادر إلى تصعيد العلاقات مع إسرائيل، سواء من خلال الحزب الحاكم أو أحد أحزاب المعارضة".

مضيفة أن "ما يجري ليس مجرد حادث عرضي، بل يعكس توجه الحكومة البريطانية برئاسة آندي بيرنهام والقوى الليبرالية في البلاد، التي تؤيد علنا تشديد السياسة تجاه إسرائيل".

وأردفت: "في حين يدعو زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي الذي يصف نفسه أيضا بأنه "يهودي بريطاني فخور"، إلى تعليق العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ووقف إمدادات الأسلحة إليها، وإلغاء الاتفاقية التجارية المبرمة معها".

وعقّبت الصحيفة: "قد يبدو للوهلة الأولى أن المنطق وراء هذا التوجه واضح، فبريطانيا تحافظ منذ أمد طويل على علاقات خاصة مع الدول العربية في الشرق الأوسط، مثل الأردن والسعودية وغيرها، ومن ثم يفترض أن تتبنى موقفا مناهضا لإسرائيل".

غير أنها تستدرك بأن "هذا التفسير يتجاهل حقيقتين أساسيتين، أولاهما أن لندن تتبنى موقفا أكثر تشددا من شركائها الإقليميين أنفسهم، الذين يتعاملون مع إسرائيل بقدر أكبر من التسامح، بل ويقيم بعضهم علاقات معها".

أما الحقيقة الثانية، بحسب الصحيفة، فتتمثل في أن "تشديد بريطانيا سياستها تجاه تل أبيب يفقدها أدوات التأثير في شؤون المنطقة، وهو ما تجلى في استبعادها من المركز الدولي المعني بقطاع غزة في مدينة كريات غات الإسرائيلية".

وفي هذا الصدد، قال مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون: "لا يمكنكم المطالبة بتعزيز الحوار بينما تفرضون عقوبات على أحد أطرافه".

ومن ثم، يقدر التقرير أن "الدوافع الحقيقية وراء السياسة البريطانية تجاه إسرائيل تختلف عن هذه التفسيرات، ويمكن إرجاعها إلى سببين رئيسين، أولهما الأيديولوجية الليبرالية التي تتبناها القوى الحاكمة في بريطانيا".

ونقلت عن الباحث البارز في مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة بالمدرسة العليا للاقتصاد في روسيا، سيرغي شين، قوله: إن "بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، أصبحت بمثابة حارسة لقيم النظام الدولي الليبرالي، والمدافع الرئيس عنها في مختلف مناطق العالم، غير أن هذه الصورة الوردية للعالم الذي يفترض أن يسود لا تتوافق مع ما يجري في غزة".

وأوضح شين أن "الليبراليين البريطانيين يشاهدون المباني المدمرة بالكامل في غزة، والتقارير التي توثق معاناة المدنيين، والموقف الإسرائيلي الذي يرونه ساخرا ومتجردا من الإنسانية تجاه اللاجئين".

وأضاف: "يدفع هذا المنطق السلطات البريطانية والقوى الليبرالية إلى الاعتقاد بأنها ملزمة بتولي زمام القيادة، خاصة في الوقت الذي تتخلى فيه الولايات المتحدة عن دورها في الدفاع عن القيم الليبرالية".

أما السبب الثاني، فترى الصحيفة أنه "يرتبط بالقاعدة الانتخابية التي تستهدفها الأحزاب الليبرالية البريطانية"؛ حيث يرى شين أن "حزبي الخضر والعمال يركزان على استقطاب الناخبين المسلمين والشباب التقدميين الذين يدعمون كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولذلك تحظى المواقف المناهضة لإسرائيل بترحيب هذه الفئات الاجتماعية".

واستطرد التقرير: "هاتان الكتلتان الانتخابيتان تختلفان اختلافا جذريا عن بعضهما بعضا، لكن الحالة البريطانية تشهد نوعا من التمازج الأيديولوجي غير الطبيعي بينهما".

وتابع شين: "تسير أسلمة البلاد جنبا إلى جنب مع الخطاب الليبرالي التقدمي، ما يخلق مزيجا غريبا يجمع بين مسلمين يرفضون منظومة القيم الليبرالية، وليبراليين يسعون إلى تطبيق هذه القيم".

بدورها، ترى صحيفة "فزغلياد" أن "أحد أبرز مظاهر هذا التناقض الانتخابي تجسد في الانتخابات التكميلية التي جرت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بدائرة هولبورن وسانت بانكراس في لندن التي كان يمثلها سابقا رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، حيث خسر زعيم حزب الخضر اليهودي المناهض للصهيونية زاك بولانسكي أمام مرشحة حزب العمال ساغال عبدي والي".

وأضافت أن "المرشحين حصلا معا على نحو 78 بالمئة من الأصوات، أي أغلبية ساحقة، ولا يستبعد أن تكون عبدي والي (المسلمة من أصل صومالي) قد حصدت أصواتها ليس فقط بسبب لون بشرتها وحجابها، بل أيضا نتيجة قرار رئيس الوزراء آندي بيرنهام فرض عقوبات على إسرائيل".

وفي تفسير هذه النتائج، نقلت الصحيفة عن هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" قولها إن "حزب العمال فقد خلال السنوات الأخيرة تأييد العديد من المجتمعات التي تضم أعدادا كبيرة من المسلمين، ولذلك فإن هذا الإجراء الدبلوماسي يبدو منطقيا بالنسبة لرئيس الوزراء العمالي الجديد، الذي يسعى إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين اليساريين وغيرهم إلى صفوف حزبه".

من جهته، أوضح شين أن "المسلمين قد يشكلون ما بين 10 و15 بالمئة من سكان المدن الكبرى، وفي ظل النظام الانتخابي القائم على الفوز بالأغلبية في الدوائر الفردية، تستطيع التجمعات الإسلامية المتركزة جغرافيا إيصال مرشحين مؤيدين لفلسطين إلى السلطة".

مناورة سياسية

وزعمت الصحيفة أن "هذه المناورات السياسية تسهم في تأجيج التوترات داخل بريطانيا، ومن بينها تصاعد معاداة السامية؛ إذ تشير بيانات مؤسسة أمن المجتمع البريطانية المعنية بحماية اليهود البريطانيين، إلى تسجيل 1926 حادثة من مظاهر الكراهية ضد اليهود خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 21 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025".

فضلا عن ذلك، "تدفع هذه الأجواء نحو تنشيط حملات المقاطعة ضد الشركات الإسرائيلية، وهي مقاطعة منظمة وقانونية، لكن منتقديها يرون أنها تنطوي على معاداة السامية".

وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن "الكلية الملكية للتمريض والكلية الملكية للصيدلة في بريطانيا قررتا، بحلول 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، وقف تعاونهما مع الفرع البريطاني لشركة تيفا الإسرائيلية للصناعات الدوائية، عقب تلقيهما رسائل مفتوحة من منظمات مؤيدة لفلسطين طالبت بقطع العلاقات مع الشركة".

وأوضحت الكلية الملكية للصيدلة في بيان لها أن "هذا الإجراء جاء حصيلة مراجعة إضافية تبين من خلالها احتمال عدم توافق بعض أنشطة شركة تيفا مع القيم التي نتبناها".

أما التداعيات الأخرى لهذه السياسات فتتجسد، بحسب الصحيفة، في "إثارة ردود فعل مضادة من جانب القوى اليمينية البريطانية".

وفي هذا السياق، ذكرت أن "حزب المحافظين اكتفى بانتقاد الحكومة؛ إذ قالت زعيمته كيمي بادينوك: إن (اليهود البريطانيين يجدون أنفسهم مجددا مضطرين إلى تحذير حكومتهم من أن شيطنتها المستمرة للدولة اليهودية الوحيدة في العالم تهدد بإشعال نيران معاداة السامية داخل بلادنا أيضا)".

أما حزب الإصلاح، بزعامة نايجل فاراج الذي يتبنى مواقف أكثر يمينية، فترى الصحيفة أنه "قد يستغل هذه التطورات في صراعه مع خصومه السياسيين، بدلا من الاكتفاء بانتقاد الحكومة كما يفعل المحافظون".

وفي تفسير هذا التوجه، أوضح شين أن "إسرائيل لم تكن يوما نموذجا يحتذي به فاراج، كما أنه لم يكن يكن لها تعاطفا خاصا، لكنه يرى في تشويه صورة حركة حماس والإسلام الراديكالي وسيلة لمواجهة خصومه السياسيين".

وبحسب تحليله، فإن "دعم إسرائيل يمنح فاراج فرصة لحشد قاعدته الانتخابية من البريطانيين الذين يخشون التطرف الإسلامي ويتبنون مواقف معادية للمهاجرين".

وهو ما تعتقد الصحيفة أنه "سيؤدي بدوره إلى تعميق الاستقطاب داخل المجتمع البريطاني".

وفي ختام تقريرها، جدَّد التقرير تحذيره من أن "محاولات حزبي العمال والخضر توسيع قاعدتيهما الانتخابيتين عبر المواقف المناهضة لإسرائيل قد تكون باهظة الثمن، ليس بالنسبة إليهما فحسب، بل لبريطانيا بأكملها".

وأردفت بنبرة ساخرة: "فبفضل قيادتها الحكيمة، أصبحت بريطانيا تعيش بالفعل أسوأ مرحلة في علاقاتها مع إسرائيل منذ عقود، وهو ما ترافق مع فقدان أدوات التأثير في الشرق الأوسط، فضلا عن انقسام داخلي واسع النطاق".