هل تكشف المسيّرات فجوة خطيرة في منظومة الدفاع الإسرائيلية؟

"ما ينبغي أن يقلق إسرائيل سرعة دورة التعلم الكامنة خلفه"
لم تعد المسيّرات الرخيصة تهديدا للدفاعات الإسرائيلية فحسب، إنما باتت اختبارا لقدرة دولة الاحتلال على مواكبة التطور في هذا المجال وطبيعة مسار مشترياتها.
ورأى مقال نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية أن منظومة المشتريات الدفاعية في إسرائيل باتت متخلفة عن سباق تسلح تقوده المسيّرات، وأن الاستخدام الحاسم المقبل للذكاء الاصطناعي قد يكون في قرار الشراء، لا في الطيران.
وجاء المقال بقلم المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة "كي إلمنتس" للاستشارات الإستراتيجية في لندن، ديفيد زايكين، المتخصص في شؤون الدفاع والعلاقات الدولية، والكاتب في "فوربس" و"ستارز آند سترايبس".

اقتصاد المهاجم
وأوضح زايكين أن تهديد المسيّرات الذي تواجهه إسرائيل لم يعد مقتصرا على إيران؛ إذ نقلت طهران إلى موسكو تصميم المسيّرة "شاهد"، قبل أن تطوره روسيا عبر سنوات من العمليات القتالية.
وأضاف أن موسكو تعلمت خلال تلك السنوات ما يصمد أمام الحرب الإلكترونية، وما يخترق منظومات الدفاع الجوي، وما يمكن تصنيعه رخيصا وبكميات كبيرة.
ولفت إلى أن أحدث نسخ "غيران" العاملة بمحركات نفاثة، تطير بأكثر من 300 ميل في الساعة، وتحمل رؤوسا أثقل، وتثبت صعوبة أكبر على أوكرانيا في اعتراضها.
وشدَّد زايكين على أن ما ينبغي أن يقلق إسرائيل ليس السلاح وحده، إنما سرعة دورة التعلم الكامنة خلفه.
وبيّن أن هذه الدورة بدأت تعود إلى الشرق الأوسط؛ إذ شرعت روسيا في إطلاع إيران على تقنيات "شاهد" المعدلة والدروس التكتيكية المستخلصة من أوكرانيا. وهذا، بدوره، حوّل ما كان نقلا للتقنية في اتجاه واحد إلى علاقة عسكرية متبادلة بين الطرفين.
وأشار إلى أن إسرائيل قد تواجه بصورة متزايدة أنظمة صُممت في إيران، وتحسنت في ظروف ميدانية روسية، ثم عادت إلى طهران بمحركات وملاحة أفضل ومقاومة أعلى للتشويش. مضيفا أن المسيّرة المقبلة التي تهاجم إسرائيل قد تُجسد دروسا استُخلصت في سماء أوكرانيا.
ونبّه الكاتب إلى أن المعادلة الاقتصادية تصب في مصلحة المهاجم، فمسيّرات "شاهد" ليست تقنية متطورة، وهنا تحديدا تكمن قوتها.
وتابع: “فهي رخيصة وبسيطة بما يكفي لإنتاجها بكميات كبيرة، وقادرة على إجبار دفاعات جوية متطورة على الرد، فيما تستنزف أعدادها مخزونات صواريخ اعتراضية أغلى منها بكثير”.
وأوضح أن خلط المسيّرات بالصواريخ الباليستية والمجنحة والأهداف الخادعة يضع حتى الدفاع الممتاز أمام مشكلة ثلاثية في حجم الذخيرة، والكلفة، وزمن اتخاذ القرار.
واستطرد: “صحيح أن إسرائيل بنت واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي الطبقية تطورا في العالم، غير أن أي دفاع لا يملك عددا لا نهائيا من الصواريخ والأطقم وقدرة الرادار على المتابعة”.
ومضى زايكين قائلا: إن “المسيّرة الهجومية الرخيصة لا تحتاج إلى التفوق على صاروخ اعتراضي إسرائيلي أو أميركي تبلغ كلفته مئات الآلاف أو ملايين الدولارات، بل يكفي أن تفرض على المدافع هذا التبادل غير المتكافئ مرة بعد أخرى”.
وأفاد بأن أوكرانيا أدركت أن المعركة لا تقتصر على مواجهة الصواريخ للمسيّرات، إنما هي سباق صناعي يتحدد بالفارق في سرعة التكيف والإنتاج وإعادة التزود.
وكيل للمشتريات
ودعا زايكين إسرائيل إلى إعادة النظر في توظيف الذكاء الاصطناعي عسكريا؛ إذ ينصب معظم النقاش على دمجه في الأسلحة نفسها، سواء في الملاحة الذاتية أو التعرف على الأهداف، أو الهجمات الجماعية بالمسيّرات، أو الحرب الإلكترونية.
لكنه يرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن توظيفه أيضا في تحديد احتياجات التسليح واتخاذ قرارات الشراء، مشيرا إلى أن القطاع المالي يدرس بالفعل وكلاء ذكاء اصطناعي يبحثون باستمرار عن عوائد أفضل ويوجهون العملاء نحو البدائل الأكثر جدوى.
وأوضح أن المشتريات الدفاعية تحتاج إلى نظام مماثل، لا يتولى الإنفاق بصورة مستقلة، بل يوازن بين متطلبات الميدان والتقنيات المتاحة والقدرة الإنتاجية والتكلفة وسرعة التسليم.
وضرب زايكين مثالا باحتمال توصل الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن إيران تطور جيلا جديدا من المسيّرات الانتحارية أحادية الاتجاه، يتميز بسرعة أكبر.
وأوضح أن على وكيل المشتريات أن يحدد فورا الصواريخ الاعتراضية الحالية القادرة على التصدي لهذه المسيّرات، وأجهزة الاستشعار التي تحتاج إلى تحديث برمجي.
وأضاف أن عليه تحديد منظومات الحرب الإلكترونية القادرة على تعطيلها بكلفة أقل، والشركات الإسرائيلية التي تمتلك بالفعل نماذج أولية ذات صلة.
وتابع أن الوكيل ينبغي أن يدرس تجارب الحلفاء، ويقارن بيانات المعارك، ويحدد الجهات القادرة على إنتاج 5 آلاف وحدة خلال ثلاثة أشهر، بدلا من 500 وحدة سنويا.
وأشار إلى أن القائد يظل صاحب القرار النهائي، لكن الفارق أن قراره يستند إلى بيانات دقيقة خلال أيام، بدلا من شهور.
ورأى زايكين أن أوكرانيا جسدت جانبا من هذه الفلسفة؛ إذ يربط اقتصاد الحرب فيها بين الوحدات الميدانية وصناعة المسيّرات سريعة التطور.
وأوضح أن الملاحظات الواردة من الميدان تؤثر في التعديلات المطلوبة والطلبيات اللاحقة، في حين تحاول أوروبا إعادة التسلح عبر مؤسسات مشتريات صُممت لعصر مختلف.
واستدرك بأن المشكلة لا تقتصر على حجم الإنفاق، فأوروبا تحتاج إلى تسريع تحركها في مجالات المسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي العسكري، والاستعانة بموردين أكثر مرونة وأسرع ابتكارا.
وحذّر من أن الإبقاء على إجراءات شراء مصممة لتقنيات قد تتغير قبل توقيع العقود لن يعالج هذه المشكلة.

سرعة التعلم
ورأى الكاتب أن “إسرائيل مؤهلة بصورة استثنائية لسد هذه الفجوة؛ إذ يعمل الجنود والمهندسون والشركات الناشئة وكبرى شركات الدفاع على مقربة بعضهم من بعض”.
وأضاف أن سنوات الصراع أفرزت ما هو أثمن من عرض تقني جديد، وهو البيانات العملياتية المتراكمة.
وأوضح أن إسرائيل تمتلك بيانات عن المنظومات التي رصدت الأهداف في الوقت المناسب، والصواريخ الاعتراضية التي نجحت في التصدي لها، والمعدات التي صمدت أمام التشويش، والموردين الذين التزموا بمواعيد التسليم، والنماذج الأولية التي أخفقت.
وأشار إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المشتريات الدفاعية يتيح ربط هذه الدروس بالمخزونات والقدرات التصنيعية والتهديدات الناشئة، بما يبني ذاكرة مؤسسية تتجدد باستمرار.
واستدرك بأن ذلك لن يلغي دور التقدير البشري أو اعتبارات سياسات المشتريات؛ إذ تظل البيانات الحساسة بحاجة إلى حماية سيبرانية متينة، إلى جانب ضمانات تمنع المصنّعين من التلاعب بالتصنيفات.
وشدد زايكين على أن المسؤولين سيظلون خاضعين للمساءلة عن قرارات الشراء النهائية، وأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع سد فجوات جوهرية في القدرات عندما تكون التقنية المطلوبة غير متاحة أصلا.
لكنه يستطيع الكشف عن هذه الفجوات مبكرا، وتحديد البدائل الممكنة بسرعة أكبر، والتنبيه إلى اختناقات الإنتاج، ومنع البيروقراطيات من إهدار شهور في إعادة اكتشاف معلومات متاحة بالفعل داخل المنظومة.
وأكّد أن التحدي أمام إسرائيل لا يتمثل في التفوق على إيران في الإنتاج فحسب، بل في التفوق عليها في سرعة التعلم، في مواجهة منظومة عسكرية إيرانية-روسية تتكيف بوتيرة متسارعة.
ونبّه زايكين إلى أن التهديد لا يقتصر على إيران، إذ تنتقل التقنيات الرخيصة التي أثبتت فاعليتها عادة إلى الوكلاء والشركاء.
ورأى أن تطور المسيّرة الإيرانية "شاهد" إلى نسخ "غيران" الروسية الأسرع يوجه تحذيرا من تقلص الوقت المتاح بين ظهور تهديد جديد وتطوير وسيلة للتصدي له.
وخلص زايكين إلى أن التفوق في عصر المسيّرات قد يكون من نصيب الطرف الأسرع في الرصد واتخاذ القرار والشراء والإنتاج والتكيف، لا الطرف الذي يمتلك المنصة الأكثر تطورا.
وأوضح أن “إسرائيل تمتلك بالفعل مهندسين متميزين وخبرة عملياتية وشركات دفاع، لكن ما ينقصها هو بناء منظومة مشتريات تتعلم بسرعة تواكب تطورات الميدان”.
وختم زايكين بأن “الاستخدام الحاسم المقبل للذكاء الاصطناعي في الدفاع قد لا يكون في الخوارزمية التي تقود المسيّرة، بل في وكيل يراقب الميدان، ويرصد التغيرات، ويبحث عن الحلول في القطاع الصناعي، ويوجه الجيش إلى ما ينبغي شراؤه قبل أن يغير الخصم تكتيكاته مجددا”.
وأضاف أنه" في مواجهة أسلحة رخيصة تُعدّل كل بضعة أشهر وتُطلق بالمئات، قد يصبح فارق الوقت في اكتشاف التهديد والاستجابة له بأهمية الصاروخ الاعتراضي نفسه؛ فالسلاح الحاسم المقبل للذكاء الاصطناعي قد لا يطير، بل قد يكون هو من يحدد ما يشتريه الجيش".
















