احتجاجات الحجاب في أذربيجان.. إلى أي مدى تهدد حكم علييف؟

"الأمر لا يتعلق بما إذا كانت الاحتجاجات ستؤدي إلى تغيير فوري في نظام الحكم، بل بالضغوط التي تفرضها عليه"
تواجه حكومة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خيارات معقدة في التعامل مع الاحتجاجات المرتبطة بحظر الحجاب؛ إذ قد يُفسر التراجع على أنه رضوخ للضغوط الشعبية، في حين قد يؤدي تبني موقف أكثر تشددًا إلى زيادة الاستياء.
ورغم أنه لا يزال من المبكر عدّ هذه الاحتجاجات تهديدًا سياسيًا مباشرًا للحكومة، ترى “كونول خليلوفا”، رئيسة تحرير قسم اللغة الأذرية في "بي بي سي"، أن "طريقة تعامل باكو مع حالة الاستياء قد تؤثر في مسار الاحتجاجات، وتحدد ما إذا كان الخلاف سيظل محصورًا في قضية الحجاب أم سيمتد إلى قضايا أخرى".
وكانت تعديلات أقرها مجلس الوزراء الأذربيجاني خلال سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2026، بهدف فرض "قواعد الزي العلماني" على الطلاب والمعلمين، قد أثارت موجة من الاحتجاجات، بعدما مُنعت طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس.

عاصفة غير معتادة
وفي ظل القيود المفروضة على حرية التجمع في أذربيجان، أشار موقع "بي بي سي" في نسخته الفارسية إلى أن "الاحتجاجات اتخذت نطاقًا واسعًا على نحو غير معتاد".
وأضاف: "قاطع طلاب في باكو ومناطق أخرى الدراسة تضامنًا مع زميلاتهم المحجبات، فيما نظّم بعضهم حصصًا دراسية في الشوارع يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول".
وتابع الموقع: "بحسب وزارة الداخلية، اعتقلت السلطات 37 شخصًا، بينما أفاد ناشطون بأن العدد تجاوز 200، وسط تقارير عن إحراق سيارات في باكو ومنطقة أبشيرون، وشكاوى من صعوبة الوصول إلى إنستغرام وتيك توك، ما أثار اتهامات للسلطات بتقييد الإنترنت".
وفي قراءة تحليلية، يرى التقرير أن "هذه التطورات تعكس حالة من التوتر بين السياسة العلمانية التي تنتهجها الحكومة ومطالب الحريات الدينية في أذربيجان؛ حيث يشكل المسلمون غالبية السكان".
وأوضح: "تتمسك السلطات بمبدأ التعليم العلماني بوصفه أحد الأسس الرئيسة، في حين يؤكد المحتجون حق الطالبات والمعلمات في ارتداء الحجاب، وهو ما اختصرته إحدى اللافتات بعبارة: (الحجاب لا يمنع التعليم)".
وأشار الموقع إلى أن "أذربيجان شهدت احتجاجات مماثلة في ديسمبر/ كانون الأول 2010، عندما خرج مئات الأشخاص في مظاهرات للمطالبة باحترام الحقوق الدينية للطالبات".
وفي سياق تاريخي، أوضح التقرير أن "انتشار الحجاب ارتبط بعودة النشاط الديني عقب استقلال أذربيجان عام 1991، بعد عقود من القمع الديني خلال الحقبة السوفيتية، لا سيما في المناطق الجنوبية المحافظة وضواحي باكو".
وأضاف: "لم يقتصر النشاط الديني بعد الاستقلال على إحياء الشعائر المحلية، بل شهدت البلاد أيضًا نشاطًا لمؤسسات دينية مرتبطة بإيران وتركيا، في وقت حذر فيه المسؤولون الأذربيجانيون مرارًا من مخاطر النفوذ الأجنبي في الشؤون الدينية".
وفي معرض إجابته حول فرص تحول الاحتجاجات إلى قضية أكبر، قال الموقع: "ترجع أحد الأسباب الرئيسة لتصاعد التوتر في أذربيجان إلى أن الاستياء الشعبي يرتبط بقضية ملموسة تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة".
وهو ما نوه إلى أنه "يميز الاحتجاجات الحالية عن التحركات السياسية السابقة؛ إذ تتعلق بمنع الفتيات من دخول المدارس، ومخاوف بعض المعلمات من فقدان وظائفهن بسبب ارتداء الحجاب".
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى "انتشار مقاطع مصورة تظهر طلابا يبكون وهم يحتضنون معلمات مُنعن من دخول الفصول الدراسية، ما أسهم في اتساع نطاق الجدل بشأن الحجاب ليتجاوز أوساط الناشطين الدينيين ويشمل الطلاب وأسرهم".
ويقدر أن "مقاطعة الدراسة وتنظيم حصص دراسية في الشوارع، بكل من باكو وسومقاييت وأبشيرون وماسالي، إلى جانب المزاعم المتعلقة بإحراق سيارات مسؤولين في المدارس، تظهر أن الغضب الشعبي لا يقتصر على حي أو منطقة بعينها".
علاوة على ذلك، "تكشف هذه الاحتجاجات أيضا قدرة القضايا المرتبطة بالهوية الدينية على حشد فئات اجتماعية أوسع، في بلد ورد اسمه في تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية بسبب التضييق الشديد والمستمر على أحزاب المعارضة العلمانية".
واستشهد التقرير بما "نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" في ديسمبر/ كانون الأول 2025، بشأن ما وصفته بأنه "حملة قمع طويلة الأمد ضد المعارضين" في أذربيجان".
وبحسب تحليله، "قد يؤدي الاستياء الناجم عن قضية دينية إلى تحريك أوساط اجتماعية لم تتمكن أحزاب المعارضة العلمانية من الوصول إليها تقليديا، لا سيما مع الدور الذي تؤديه شبكات التواصل الاجتماعي في تسهيل الاتصال بين هذه المجموعات".

تهديد سياسي
من هنا، تساءل الموقع: إلى أي مدى تشكل الاحتجاجات تهديدا جديا لحكومة علييف؟
ليجيب قائلا: "سبق أن واجهت السلطات الأذربيجانية احتجاجات مماثلة، ففي عامي 2010 و2011، اعتقلت الحكومة عددا من قيادات المعارضة الدينية، ما أثار احتجاجات جديدة من جانب أنصارهم الذين تعرضوا بدورهم للاعتقال، كما ألغيت رخصة الحزب الإسلامي (شيعي) واعتقل زعيمه، قبل أن تتراجع حدة الاحتجاجات تدريجيا".
ووفقا له، "لم تكن تلك الأحداث استثناء؛ إذ اعتادت السلطات الأذربيجانية الردّ على الاحتجاجات المناهضة للحكومة بتدخلات أمنية مشددة وحملات اعتقال واسعة، كما حدث خلال أعوام 2003 و2011 و2019 و2020، عندما تمكنت من احتواء التحركات الاحتجاجية عبر الاعتقالات الجماعية".
وأضاف: "وفق منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير، تتعرض وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني في أذربيجان لضغوط شديدة، في وقت يقبع فيه عدد من أبرز الناشطين والصحفيين داخل السجون".
واستدرك: "لكن ثمة عوامل أخرى تميّز موقف علييف عن فترات الاحتجاج السابقة، فقد منح الانتصار العسكري في كاراباخ، وعائدات الطاقة، والتحالف الوثيق مع تركيا، الحكومة نفوذا سياسيا واقتصاديا أكبر".
ومع ذلك، يرى الصحفي الأذربيجاني المقيم في الخارج رؤوف ميركادروف أن "الاحتجاجات تحمل مؤشرا على عدم استعداد المواطنين لقبول جميع القرارات الحكومية دون اعتراض".
وقال ميركادروف لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": "لقد أظهرت هذه الأحداث أن المجتمع ليس مستعدا لتحمل كل شيء".
وفيما يتعلق بالطابع السياسي للاحتجاجات، أوضح التقرير أن "الطلاب وأولياء الأمور المطالبين بتعديل قواعد الزي المدرسي لا يشكلون حاليا حركة سياسية ذات قيادة محددة أو مطالب سياسية موحدة من الحكومة أو هيكل تنظيمي واضح".
وأردف: "إن المجتمع الأذربيجاني ليس موحدا في موقفه من هذه القضية؛ إذ تؤيد فئات منه نموذج الدولة العلمانية، بينما تشعر فئات أخرى بالقلق من تنامي النفوذ الديني، لا سيما النفوذ الديني والسياسي المرتبط بإيران".
وبحسب التقرير، "يمنح هذا الانقسام الحكومة، إلى حد ما، فرصة لتصوير الاحتجاجات بوصفها تهديدا سياسيا أوسع نطاقا".

تغيير فوري
وبخصوص تأثير الاحتجاجات على مستقبل حكومة علييف، يرى الموقع أن "القضية الأساسية لا تتعلق بما إذا كانت الاحتجاجات ستؤدي إلى تغيير فوري في نظام الحكم، بل بالضغوط التي تفرضها على صورة الاستقرار والسيطرة التي تسعى الحكومة إلى ترسيخها".
ووفق قراءته التحليلية، "أدى اندلاع الاحتجاجات في عدة مدن وانتشار السخط على وسائل التواصل الاجتماعي إلى خلق وضع جديد يصعب على الحكومة السيطرة عليه".
ويعتقد أن "التداعيات المحتملة لهذه الاحتجاجات لا تقتصر على المدى القصير؛ إذ قد يترك الاستياء الديني آثارا طويلة الأمد، خاصة لدى الفتيات اللاتي يشعرن بأنهن حرمن من التعليم بسبب معتقداتهن الدينية، وأسرهن، ما قد يؤدي إلى تغير مواقفهن تجاه الحكومة وتعميق الشعور بالاغتراب، خصوصا داخل المجتمعات المتدينة".
في المقابل، أشار التقرير إلى أن "مسار رد الحكومة لا يزال غير واضح؛ إذ تشمل الخيارات المحتملة تعديل طريقة تطبيق قواعد الزي المدرسي أو اتخاذ إجراءات أكثر تشددا ضد المحتجين، غير أنه لا يمكن الجزم، في أي من الحالتين، بالمدة التي سيستمر خلالها الاستياء داخل المجتمعات الدينية".
في الوقت نفسه، يرى أن "زيادة الضغوط على الأشخاص الذين يعتقد أنهم شاركوا في تنظيم الاحتجاجات قد تؤدي إلى تراجع المظاهرات في الشوارع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة زوال الاستياء المرتبط بقضية الحجاب نفسها".
أما التحدي السياسي الأكثر خطورة بالنسبة إلى الحكومة، فقد يظهر، بحسب الموقع، "إذا تزامن الاستياء الديني مع مظاهر السخط الاقتصادي أو غيرها من أشكال الاستياء الاجتماعي، رغم عدم وجود مؤشرات واضحة حتى الآن على اندماج هذه التحركات في إطار حركة سياسية أوسع".
ومن جانبه، يرى الصحفي الأذربيجاني المقيم في الخارج رؤوف ميركادروف أن الحكومة مطالبة بالدخول في "حوار" مع المجتمع.
وشدَّد على "ضرورة وجود آليات سياسية واجتماعية فعالة تربط بين المواطنين والسلطات من أجل التعامل مع الأزمات وإدارتها".

















