أزمة هرمز أسهمت في التقريب بين سوريا والعراق.. كيف؟

سوريا قد تتحول بالفعل إلى بوابة غربية دائمة للعراق إذا استمر التعاون الحالي وتطورت مساراته
دفع إغلاق مضيق هرمز بغداد إلى البحث عن منفذ بديل إلى البحر المتوسط، فبرزت سوريا خيارا محتملا، عبر معابر حدودية أُعيد فتحها، ومناطق تجارة حرة، ومشروع أنبوب نفطي قديم عاد إلى دائرة الاهتمام.
ويبقى السؤال ما إذا كان هذا التقارب قادرا على الصمود بعد زوال الأزمة التي أنتجته، في ظل مخاطر أمنية وتحديات اقتصادية وانعدام ثقة متجذر بين الطرفين.
جاء ذلك في تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي، تناول توسع التعاون التجاري والطاقي بين بغداد ودمشق، وما يحيط به من شكوك بشأن قدرته على الاستمرار.
وتعكس اتفاقات إنشاء مناطق تجارة حرة واسعة عند معبرين حدوديين بين البلدين توجها نحو تعزيز التعاون الاقتصادي، وإن ظلّ مستقبل هذه الخطوة موضع تساؤل في ظل استمرار عدم الاستقرار الإقليمي.
وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، وُقّعت ثمانية عقود لمشاريع استثمارية في منطقتي التنف واليعربية الحرتين، وهما معبران أُعيد فتحهما في وقت سابق من العام الجاري، بعد سنوات من الإغلاق.
وأوضحت "الهيئة العامة للمنافذ والجمارك" السورية أن أربعة عقود تتعلق بمنطقة التنف الحرة التي تبلغ مساحتها الاستثمارية نحو 500 ألف متر مربع، والمخصصة للأنشطة اللوجستية والصناعية.
أما العقود الأربعة الأخرى، فتخص منطقة اليعربية الحرة، على مساحة تبلغ نحو 125 ألف متر مربع، بهدف تحويلها إلى مركز تجاري وخدمي على الحدود السورية العراقية.
وبحسب الهيئة، تشمل الاستثمارات تجارة النفط ومشتقاته، والتصنيع والتخزين، وعمليات الترانزيت، والخدمات اللوجستية المتكاملة.
وفي المقابل، يظل معبر البوكمال، وهو المعبر الثالث بين البلدين، مفتوحا منذ عام 2019، باستثناء فترات إغلاق قصيرة، بعدما ظل مغلقا ثماني سنوات خلال الحرب في سوريا.

دافع الطاقة
وقال بنجامين فيف، الباحث المتخصص في الاقتصاد والسياسة السورية: إن العلاقات العراقية السورية قطعت شوطا أبعد مما بلغته خلال العقود الماضية، مدفوعة بالدرجة الأولى بتقديرات الطاقة.
وأشار فيف إلى أن دمشق وقّعت، خلال الأسبوع نفسه، عدة اتفاقات لإنشاء مناطق حرة عند المعابر الحدودية، فيما اتفقت هيئتا الجمارك في البلدين، أواخر سبتمبر/أيلول، على حزمة من الإجراءات العملية لتفعيل المعابر التي أُعيد فتحها.
وأضاف أن الجانبين اتخذا خطوات لتأهيل المعابر لاستيعاب أحجام أكبر من التجارة، شملت تخصيص مسارات لصهاريج الوقود وتبادل البيانات الجمركية إلكترونيًا.
ورأى فيف أن هذه الاستعدادات هي ما يميز عادةً بين تحركات مؤقتة تفرضها الأزمات وبين بناء علاقة تجارية مستدامة، مشيرا إلى أن البلدين استثمرا بالفعل الفرصة التي أتاحتها أزمة مضيق هرمز لتعزيز التبادل التجاري الثنائي.
ولفت إلى وجود تفاؤل كبير في الجانب السوري؛ إذ تتحدث الغرف التجارية عن إمكانية استعادة مستويات التبادل التجاري المسجلة قبل الحرب خلال عامين، لكنه حذّر من التعامل مع هذه التوقعات بوصفها نتائج مضمونة.
وكان العراق قد تعرض لخسائر اقتصادية كبيرة جراء إغلاق إيران مضيق هرمز في 2 مارس/آذار، بعدما أعلن مستشار بارز في الحرس الثوري الإيراني أن أي سفينة تحاول عبور المضيق ستتعرض للهجوم.
وبحسب تقارير، بلغت خسائر العراق من عائدات النفط نحو 60 مليار دولار حتى أواخر سبتمبر/أيلول، منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، في 28 فبراير/شباط.

أنبوب بانياس
وأوضح الموقع أن مشروعا واحدا قد يحقق مكاسب مشتركة للعراق وسوريا، يتمثل في إعادة تأهيل أنبوب نفطي قائم أو إنشاء بنية تحتية جديدة بالكامل، وهو الخيار الأرجح وفق الخبراء، لنقل النفط من كركوك الغنية بالموارد النفطية إلى بانياس على الساحل السوري.
لكن المشروع يواجه عقبات كبيرة. ونقل الموقع عن الرئيس التنفيذي لصندوق العراق للتنمية، محمد النجار، قوله في 14 أكتوبر/تشرين الأول إن المخاطر المحيطة به "هائلة"، في ظل عدم توافر تأمين للعمل داخل سوريا حاليا.
وأضاف النجار أن تنفيذ المشروع يتطلب إنشاء مسار جديد؛ لأن الأنبوب القديم لم يعد صالحا للاستخدام، فضلا عن أن التوسع العمراني على امتداد مساره منذ تشغيله الأخير يجعل إعادة تأهيله أمرا معقدا.
ويمتد الأنبوب من حديثة في محافظة الأنبار غربي العراق إلى بانياس، وكان جزءا من خط كركوك-بانياس الذي دخل الخدمة عام 1952، قبل أن يتضرر خلال حرب عام 2003 ويصبح غير صالح للاستخدام.
وفي هذا السياق، رجّح فيف أن تستغرق إعادة تشغيل أنبوب بانياس بضع سنوات.
ثلاث مخاطر
وحدّد فيف ثلاث مخاطر رئيسة تهدد استدامة التقارب التجاري بين العراق وسوريا. تتمثل الأولى في ارتباط جانب كبير من الزخم الحالي باستمرار إغلاق مضيق هرمز أو صعوبة الملاحة فيه.
وأوضح أن العراق اتجه إلى سوريا مدفوعا بغياب البدائل، لكن عودة حركة التجارة إلى طبيعتها قد تجعل نقل النفط بالشاحنات عبر طرق متضررة خيارا مرتفع الكلفة يصعب تبريره، ما لم تستمر أزمة هرمز لفترة أطول أو يُنجز مشروع أنبوب بانياس.
أما المخاطرة الثانية، فتتعلق بالفجوة بين قطاع الطاقة وبقية القطاعات الاقتصادية؛ إذ لا يزال المنتجون السوريون يواجهون تكاليف مرتفعة للغاية، في وقت تشهد فيه قواعد الاستيراد العراقية تغييرات متكررة، ما يجعل نمو تجارة السلع أبطأ بكثير من وتيرة الإعلانات السياسية.
وتتمثل المخاطرة الثالثة في الأوضاع الأمنية؛ إذ لا تزال البادية الشرقية ومناطق الشمال الشرقي في سوريا هشة، أو أقل استقرارا من بقية البلاد، فضلا عن التهريب الذي يشكل مشكلة حقيقية على امتداد الحدود.
وأشار فيف كذلك إلى أن احتجاجات اندلعت في سوريا بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وأدت إلى تعطيل حركة صهاريج النقل.
ورغم هذه التحديات، يرى فيف أن العراق وسوريا يمتلكان اليوم مصالح مشتركة أكثر مما كان عليه الحال في أي وقت منذ عام 2011، وإن لم تتبدد شكوك بغداد تجاه دمشق بالكامل.
وأضاف أن الضرورات الاقتصادية، لا سيما أزمة مضيق هرمز خلال العام الجاري، تغلبت على هذه الشكوك مؤقتا، لكن الاختبار الحقيقي لاستدامة التقارب سيأتي مع إعادة فتح المضيق.
وعندها، سيكون السؤال هو ما إذا كان التكامل الجمركي، ومشروعات المناطق الحرة، والمباحثات بشأن أنبوب النفط ستواصل التقدم بعد تراجع الضغوط التي دفعتها إلى الواجهة.
ويتمتع البلدان بحدود مشتركة طويلة، ويقعان جغرافيا بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعلهما عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية. كما عانى كلاهما حروبا مدمرة خلال العقود الماضية، ويسعى اليوم إلى توسيع تجارته الدولية وتنويع اقتصاده.
واختتم فيف بالإشارة إلى أن سوريا قد تتحول بالفعل إلى بوابة غربية دائمة للعراق إذا استمر التعاون الحالي وتطورت مساراته، محذرا من أن الفرصة الراهنة قد تُذكر في المستقبل بوصفها مجرد استجابة مؤقتة لأزمة، لا نقطة تحول في العلاقات بين البلدين.

















