الرئيس يمدد ولايته والقوى الإقليمية تصطف.. هل يتقدم الصومال نحو الحرب؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أدى تمديد ولاية الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى اندلاع مواجهات في مقديشو وبيدوا، في ظل رفض المعارضة جدولا انتخابيا أعلنت عنه المفوضية الانتخابية بصورة أحادية، بالتزامن مع تصاعد حدة التنافسات الإقليمية على الساحة الصومالية.

وحذَّر معهد "تشاتام هاوس" البريطاني في تقرير من أن تداخل هذه العوامل قد يقود الصومال إلى صراع طويل الأمد.

وأشار فيه إلى أن احتدام المنافسات الإقليمية يزيد من حدة الاضطرابات الداخلية في الصومال، وقد يهيئ الأوضاع لمواجهة أكثر سخونة، على نحو يشبه ما شهدته مناطق أخرى في القرن الإفريقي.

ويواجه الصومال أزمة سياسية منذ مايو/أيار 2026، وهو التاريخ الذي كان مقررا أن تنتهي فيه ولاية الرئيس حسن شيخ محمود.

وكان البرلمان قد أقرّ في مارس/آذار تعديلات دستورية رفعت مدة الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات، بما يسمح ببقاء شيخ محمود في منصبه حتى مايو/أيار 2027.

في المقابل، رفض تحالف المعارضة الصومالية هذا المسار، ويضم التحالف عددا من الشخصيات والقوى السياسية، من بينها قيادتا ولايتي بونتلاند في شمال البلاد وجوبالاند في جنوبها، إلى جانب الرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز لفتاغرين.

كما رفضت المعارضة إعلان المفوضية الانتخابية، من جانب واحد، إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار 2027.

وتسببت الأزمة في اندلاع اشتباكات عنيفة في مقديشو وبيدوا، عاصمة ولاية جنوب غرب. وشهدت المواجهات الأخيرة في محيط بيدوا قتالا بين القوات الحكومية ومقاتلين موالين للفتاغرين، شارك فيه آلاف المقاتلين، واستخدمت خلاله طائرات مسيّرة وطائرات حربية.

وتفرض الحكومة الاتحادية وإدارات الولايات المتحالفة معها، وهي جنوب غرب وهيرشبيلي وغلمدغ، سيطرتها على معظم المدن الرئيسة في جنوب الصومال ووسطه، في حين تقف ولاية جوبالاند، الواقعة في أقصى الجنوب، على خلاف مع الحكومة في مقديشو.

أما "حركة الشباب" المرتبطة بتنظيم القاعدة، فتسيطر على مساحات واسعة من المناطق الريفية المحيطة، بينما تدير بونتلاند وجمهورية أرض الصومال المعلنة من جانب واحد مناطق في شمال البلاد، وتتوسطهما ولاية شمال شرق المستحدثة والموالية للحكومة الاتحادية.

رهانات أعلى

واستدرك المعهد بأن الصومال سبق أن شهد نزاعات دستورية أفضت إلى اشتباكات مسلحة، كما حدث عام 2021، غير أن الرهانات تبدو أعلى هذه المرة؛ لأن الصراع يمس توازن القوى داخل النظام الاتحادي نفسه.

وذكر أن المعارضة تتهم الحكومة الاتحادية بالسعي إلى تركيز السلطة في مقديشو على حساب الولايات، في وقت تتقاطع فيه الأزمة مع تنافسات متصاعدة بين قوى خارجية في منطقة تشهد تشابكا في التحالفات.

وأوضح أن هذه التنافسات تتمحور حول كتلتين واسعتين، وإن ظلتا متحركتين؛ إذ يُنظر إلى مصر والسعودية وتركيا بوصفهما أقرب إلى الجيش السوداني وإريتريا، فيما ترتبط الإمارات وإسرائيل، عموما، بعلاقات وثيقة مع إثيوبيا.

وأشار إلى أن تركيا والإمارات هما أبرز الفاعلين الخارجيين في الأزمة الصومالية الراهنة؛ إذ تدعم أنقرة الحكومة الاتحادية، بينما تربط أبو ظبي علاقات بإدارات الولايات المعارضة.

وحذّر المعهد من أن هذه الديناميات تسهم في تشكيل تحالفات جديدة وتعميق الانقسامات في آن واحد، مشيرا إلى أن هشاشة الوضع الداخلي تجعل خطر انزلاق البلاد إلى صراع جديد أكثر جدية وتعقيدا.

وانخرطت تركيا في الصومال منذ أكثر من عقد، عبر الحكومة الاتحادية في مقديشو بالدرجة الأولى، وإن لم يقتصر دورها عليها، وتركز انخراطها في بدايته على المبادرات الإنسانية والتنموية.

وتدير أنقرة كذلك معسكرا لتدريب القوات المسلحة الصومالية منذ عام 2017، كما تعزز تقاربها مع إدارة حسن شيخ محمود منذ عام 2024، عقب توقيع عدة اتفاقات إستراتيجية مع مقديشو.

وبيّن التقرير أن ذلك دفع بعض شخصيات المعارضة إلى التشكيك في حياد أنقرة خلال الصراع الحالي على تمديد الولاية الرئاسية.

ورفضت تركيا اتهامات التدخل السياسي، مؤكدة أن موقفها يتسق مع دعم مؤسسات الدولة الاتحادية في الصومال.

واستدرك التقرير أن تقارير أفادت بمشاركة طائرات حربية تركية في القتال قرب بيدوا، وهو ما لم تؤكده أنقرة، لكنه يشكل، إن صح، تدخلا مباشرا لافتا ضد معارضة سياسية مسلحة.

وأقامت الإمارات علاقات متعددة المستويات مع الحكومة الاتحادية الحالية وبعض الولايات الأعضاء، غير أن مقديشو ألغت في يناير/كانون الثاني 2026 جميع اتفاقات التعاون الدفاعي والأمني معها.

واتهمت الحكومة الصومالية أبو ظبي حينها بتقويض سيادتها الوطنية، بالتزامن مع القطيعة السعودية الإماراتية في اليمن.

كما فتح الصومال تحقيقا قبل أيام من إلغاء الاتفاقات، بعدما اتهم التحالف بقيادة السعودية في اليمن أبو ظبي بتسهيل إجلاء قيادي انفصالي يمني إلى الإمارات عبر بربرة ومقديشو.

وعقب ذلك، وقّعت مقديشو اتفاقات دفاعية مع السعودية وقطر، بدعم دبلوماسي من تركيا ومصر.

ولفت التقرير إلى أن الإمارات حافظت على علاقات مباشرة مع أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند، فيما تحتفظ شركات إماراتية بمصالح كبيرة في تشغيل الموانئ. ورفضت الإدارات الثلاث إلغاء الاتفاقات.

وخلص التقرير إلى أن الحفاظ على النفوذ لدى قيادة كل إقليم يمثل أهمية بالغة لإستراتيجية أبو ظبي الأوسع في القرن الإفريقي، غير أن علاقاتها بالولايات المناوئة لمقديشو تسهم في تأجيج التوترات.

حسابات داخلية

وبيّن المعهد البريطاني أن الفاعلين المحليين ينظرون بصورة متزايدة إلى الخارج طلبا للدعم؛ سعيا إلى تحصين مصالحهم الداخلية وشرعيتهم.

وأضاف أن الحكومة الاتحادية والمعارضة تبذلان جهودا لإظهار أن نفوذهما الداخلي ينسجم مع مصالح الفاعلين الخارجيين.

وأوضح أن هذا الاستنجاد بالخارج تحرّكه عوامل متعددة، أبرزها الانقسام السياسي العميق بين الفاعلين الصوماليين والإخفاق المستمر في معالجته معالجة حقيقية.

وذكر أن النخب المحلية المتنافسة تسعى، لموازنة خصومها، إلى تقديم حوافز إستراتيجية للقوى الخارجية، من استثمارات في الموانئ وشراكات اقتصادية وممرات نقل وقواعد عسكرية.

وأفاد بأن الإصلاحات الدستورية والانتخابية المثيرة للجدل رسّخت هذه الانقسامات، وأن بعض الولايات الأعضاء وأرض الصومال تشعر بالتهديد من تركيز مقديشو للسلطة مدعومة بدعم عسكري واستثمارات تركية.

وأشار إلى أن تبدل الديناميات الجيوسياسية الإقليمية يزيد أوراق الضغط المتاحة للفاعلين الداخليين؛ إذ كشف تقدم الحوثيين في اليمن مجددا أهمية مضيق باب المندب الرابط بين خليج عدن والبحر الأحمر، بما عزز الموقع الإستراتيجي للصومال.

وأضاف أن تقارير أفادت بعلاقات متنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال.

وذكر أن الصومال غارق في صراعات مسلحة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولم يتمكن أي كيان منفرد، سواء كان عشيرة أو إدارة بعينها أو حكومة إقليمية، من السيطرة على البقية وحكم البلاد كلها.

واستدرك بأن تصاعد الاشتباكات الحالية بين الخصوم السياسيين، ودخول أسلحة أكثر تطورا، يشير إلى فصل جديد، فالفاعلون المحليون يطلبون دعما خارجيا وتحالفات جديدة لموازنة التهديدات المتنامية.

وضرب مثالا بوزير في إدارة جنوب غرب السابقة بقيادة لفتاغرين، قال: إن قواتهم استخدمت المسيّرات في قتال بيدوا الأخير، وإنهم سيقبلون مسيّرات من أي قوة خارجية.

وأورد أن بونتلاند وأرض الصومال شكلتا في الشمال تحالفا ردا على إنشاء الحكومة الاتحادية ولاية شمال شرق عام 2025، وأن هذه الديناميات تنذر باتساع الصراع بوقود من دعم القوى الأجنبية.

وحذّر من أن هذه الصراعات تتيح فرصة للتنظيمات الإرهابية الناشطة في البلاد، مثل حركة الشباب وتنظيم الدولة في الصومال؛ إذ تتراجع العمليات الأمنية ضدها تراجعا كبيرا خلال الأزمات السياسية، فتتعافى وتعيد تنظيم صفوفها.

وأوضح أن تعمق الصراع المسلح بين الحكومة الاتحادية وجماعات المعارضة يمنح هذه التنظيمات فرصة لتوسيع نفوذها داخل صراع متعدد الطبقات.

وشدّد على أن من مصلحة كل الأطراف الخارجية التي تربطها علاقات بالحكومة الاتحادية والولايات الأعضاء أن تبحث خيارات التهدئة بين الفاعلين الصوماليين.

ولفت إلى أهمية أن تمر جهود التهدئة عبر مؤسسات إقليمية مثل الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية للتنمية "إيغاد"، نظرًا إلى تقاطع الأزمة مع ديناميات أوسع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

وختم بأن ثمة حاجة على المدى القصير إلى تيسير حوار يمهد لاتفاق سياسي جامع بشأن التعديلات الدستورية والمسائل الانتخابية وترتيبات الحكم الانتقالية، بجدول زمني واقعي حتى إجراء الانتخابات، وأن غياب هذا الاتفاق يعزز من خطر اندلاع صراع أوسع وأطول زمنا.