من مياه النيل إلى مستقبل غزة.. كيف تتقاطع مصالح مصر وإندونيسيا؟

منذ ٣٨ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

من بين جميع التصريحات التي أدلى بها الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى جانب رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي في قصر ميرديكا، يبدو أن أكثرها رسوخا في ذاكرة القاهرة لا يتعلق بقطاع غزة، بل بنهر النيل الذي وصفه السيسي خلال المحادثات بأنه "شريان الحياة لمصر".

فقد أعلن برابوو في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 تأييده لمطالبة مصر بحصتها من مياه النيل، رغم أن إندونيسيا ليست طرفا في هذا النزاع ولا تملك أي مصلحة مباشرة فيه.

في هذا السياق، يرى مركز دراسات "جيوبوليتيكا إنفو" أن "هذا الموقف، رغم بساطته، يقدم مؤشرا واضحا على طبيعة الشراكة بين البلدين".

وبحسب رأيه، "تستطيع مصر أن توفر لإندونيسيا في ملف غزة ما لا يمكنها الحصول عليه من أي جهة أخرى، لكنها في المقابل ستسعى إلى التأثير في كيفية استفادة جاكرتا من هذه المزايا، وستطرح مطالبها الخاصة".

أوراق نفوذ

وأشار المركز الإيطالي إلى أن "الزيارة أسفرت عن توقيع مجموعة من الاتفاقيات المعتادة، إذ وصل السيسي إلى إندونيسيا في ختام جولة آسيوية بدأت من العاصمة الكورية الجنوبية سيول في 6 أكتوبر 2026، وشملت ماليزيا".

وبحسب البيان المشترك، تعد هذه أول زيارة للسيسي إلى إندونيسيا منذ عام 2015، بينما زار برابوو مصر ثلاث مرات منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024.

وتابع: "وقع البلدان في جاكرتا أربع مذكرات تفاهم، شملت خطة عمل لتنفيذ الشراكة الإستراتيجية التي أعلنا عنها في القاهرة خلال أبريل/ نيسان 2025، والإعفاء من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمية (المهمة) والخاصة، فضلا عن التعاون في مجالي الإحصاء والثروة السمكية".

ورغم أهمية هذه الاتفاقيات، يقدر المركز أنها "تظل محدودة نسبيا؛ إذ كان ملف غزة محور المباحثات الرئيس بين الجانبين؛ حيث اتفق الرئيسان على مواصلة التعاون في تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار القطاع".

وفي هذا الإطار، أشار الكاتب إلى أن "مصر تمتلك أوراق نفوذ لا تتوافر لإندونيسيا، وفي مقدمتها حدودها المشتركة مع القطاع، فضلا عن خبرتها الطويلة في الوساطة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية حماس".

علاوة على ذلك، "يمنح اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل القاهرة قناة اتصال مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وهي ميزة لم تمتلكها جاكرتا في أي وقت، ولا يرجح أن ترغب في الحصول عليها لأسباب تتعلق بتقديرات السياسة الداخلية".

واستطرد: "فالمسؤول الإندونيسي الذي يخطط لإرسال قافلة مساعدات إنسانية أو إنشاء مستشفى ميداني في غزة، يحتاج إلى معرفة التصاريح المطلوبة والجهات القادرة على عرقلة إصدارها، وهو أمر تدركه القاهرة جيدا".

ومع ذلك، لفت المركز إلى أن "مصر ليست وسيطا محايدا في هذا الملف، فكل ما يحدث في غزة ينعكس بصورة مباشرة على أمن حدودها، ولذلك تعد القاهرة أي انتقال للفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء خطا أحمر لا يمكن تجاوزه".

وأردف: "تتفق جاكرتا مع الموقف المصري الرافض لانتقال الفلسطينيين إلى سيناء، غير أن ذلك يعني أيضا أن القاهرة تولي أهمية كبيرة لكيفية تنظيم إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية في غزة، وتمتلك قدرة مؤثرة على تحديد مسار كل منهما".

بعبارة أخرى، يرى المركز أن "الاتفاق المبدئي بين مصر وإندونيسيا بشأن حقوق الفلسطينيين لا يحسم سوى القليل من الخلافات المتعلقة بالجهة التي تملك سلطة اتخاذ القرارات الفعلية على الأرض".

استقلالية القرار 

في سياق متصل، أوضح الكاتب أن "مصر وإندونيسيا تتعاونان بالفعل في إطار متعدد الأطراف؛ إذ كانتا ضمن ثماني دول ذات أغلبية مسلمة، أعلن وزراء خارجيتها بصورة مشتركة في يناير/ كانون الثاني 2026 الانضمام إلى (مجلس السلام) الذي تقوده الولايات المتحدة".

وأضاف: "التقى السيسي وبرابوو آخر مرة قبل زيارة جاكرتا خلال قمة مجموعة بريكس بنيودلهي في 12 سبتمبر/ أيلول 2026، ومن شأن تنسيقهما داخل مجلس السلام أن يمنحهما ثقلا أكبر مما يستطيع أي منهما تحقيقه منفردا".

واستدرك: "غير أن مصر تتمتع داخل المجلس بموقع دولة تقع على خط المواجهة وتضطلع بدور الوسيط، بينما تظل إندونيسيا طرفا مساهما من مسافة بعيدة، ولذلك لا يرجح أن تكون الغلبة لموقف جاكرتا إذا نشب خلاف بين البلدين".

ومن هنا، طرح الكاتب "تساؤلا بشأن مدى استقلالية القرار الذي تستطيع جاكرتا الاحتفاظ به مقابل المساعدات المصرية، خاصة أن حكومة برابوو أعلنت منذ فبراير/ شباط 2026 استعدادها للانسحاب من مجلس السلام إذا لم تسهم العضوية فيه في تحقيق استقلال فلسطين".

وبحسب تقديره، "يفرض هذا الموقف على جاكرتا مواصلة تقييم مدى قدرتها الفعلية على التأثير في قرارات المجلس من الداخل، وهو أمر يمكن أن تساعدها فيه قراءة القاهرة للتطورات".

واستدرك: "لكن القرار النهائي يظل بيد إندونيسيا، ويصبح اتخاذه بصورة مستقلة أكثر صعوبة كلما تعمق تعاون جاكرتا مع شريك لا تتطابق مصالحه مع مصالحها إلا بصورة جزئية".

من جانب آخر، لفت التقرير إلى أن "الفلسطينيين أنفسهم يمثلون طرفا أساسيا في هذه المعادلة؛ إذ إن الاتفاقات المبرمة بين القاهرة وجاكرتا لا تمنح أيا من العاصمتين سلطة تقرير المستقبل السياسي لفلسطين".

وأضاف: "خلال لقائهما في القاهرة عام 2025، أيد الرئيسان إعادة إعمار غزة وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، بينما وصف برابوو خلال زيارته الأخيرة إلى جاكرتا حل الدولتين بأنه السبيل الوحيد لتحقيق السلام في المنطقة".

وأردف: “إذا كان لهذه التصريحات أن تتحول إلى خطوات عملية ذات معنى، فلا بد أن يكون للفلسطينيين دور في تحديد كيفية استخدام القوات الأجنبية والأموال المخصصة لغزة”.

أقل عمقا

وفيما يتعلق بالعلاقات الثنائية خارج ملف غزة، يرى المركز أنها "لا تزال أقل عمقا مما توحي به التصريحات السياسية، رغم النمو الذي تشهده خلال الفترة الأخيرة".

واستشهد ببيانات الجهاز المركزي للإحصاء المصري، التي أظهرت أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 1.7 مليار دولار خلال عام 2024، وكانت غالبيته صادرات إندونيسية، ما منح جاكرتا فائضا تجاريا تجاوز 1.3 مليار دولار.

وتابع: "ناقش الجانبان خلال زيارة السيسي إلى جاكرتا إمكانية التوصل إلى اتفاق للشراكة الاقتصادية وإنشاء صندوق استثماري مشترك، وحددا هدفا لرفع حجم التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المستوى الحالي".

ومن زاوية أخرى، استعرض التقرير "تطورا اقتصاديا محدودا من حيث الحجم، لكنه أكثر دلالة على طبيعة التعاون الفعلي بين البلدين".

وفسّر حديثه: "إذ وقعت ثلاث شركات إندونيسية مصنّعة للمعدات الطبية مذكرات تفاهم مع موزعين مصريين خلال معرض تجاري متخصص في القطاع الصحي بالقاهرة في يونيو/ حزيران 2026، وفق ما أعلنته السفارة الإندونيسية".

وأضاف: "في المقابل، كانت شركات أخرى لا تزال تنتظر استكمال إجراءات تسجيل منتجاتها والحصول على تصاريح الاستيراد، وهي الشركات التي تشكل القاعدة الفعلية لهذه الشراكة الاقتصادية".

واستطرد: "ستراقب هذه الشركات ما إذا كانت الإجراءات الإدارية ستصبح أسرع بعد الزيارة الرئاسية، وهو المعيار نفسه الذي ينبغي أن يعتمده أي طرف يسعى إلى تقييم النتائج الحقيقية للزيارة".

في المحصلة، يسعى السيسي -بحسب المركز- إلى "تعزيز علاقاته مع عدة عواصم آسيوية بالتوازي، بينما تمتلك جاكرتا منصة دبلوماسية خاصة بها يمكن توظيفها لتطوير التعاون مع القاهرة".

وتابع: "إذ تتولى إندونيسيا رئاسة منظمة الدول الثماني النامية (D-8) خلال عامي 2026 و2027، وتعد مصر إحدى الدول الأعضاء فيها، رغم تأجيل القمة التي كان مقررا عقدها في أبريل/ نيسان 2026 بسبب التوترات في الشرق الأوسط".

وبحسب تقديره، فإن "البلدين ليسا مضطرين إلى الاتفاق بشأن جميع القضايا الخلافية حتى يتمكنا من الاستفادة من هذه المنظمة في تعزيز التعاون بينهما".

ومع ذلك، نوَّه الكاتب إلى أن "العلاقات المصرية الإندونيسية لا تزال تفتقر إلى التواصل المؤسسي المنتظم بين الأجهزة الحكومية، إذ تعتمد بصورة أساسية على الزيارات الرئاسية والعلاقات الشخصية الودية التي تجلت عندما طلب برابوو من السيسي عدّ إندونيسيا وطنه الثاني".

وبحسب رأيه، "إن وجود تواصل شهري منتظم بين الوزارات المعنية في البلدين من شأنه أن يمنح جاكرتا فرصة لاكتشاف أي تباعد بين أولويات القاهرة ومصالحها في وقت مبكر".

وفيما يتعلق بملف غزة، يرى التقرير أن "هذا التنسيق يقتضي إجراء مشاورات مسبقة قبل الإعلان عن المبادرات، خاصة أن إندونيسيا تميل إلى عرض إرسال قوات عسكرية أولا، ثم التفاوض بشأن شروط مشاركتها لاحقا".

واستشهد بـ"تعهد جاكرتا في فبراير/ شباط 2026 بإرسال 8 آلاف جندي للمشاركة في قوة تحقيق الاستقرار في غزة، قبل حسم جميع الترتيبات المرتبطة بهذه المشاركة".

وتابع: "بمجرد الالتزام بإرسال أفراد أو تخصيص أموال، تكون القواعد التي سيعملون بموجبها قد حددتها أطراف أخرى إلى حد كبير، ما يحد من قدرة إندونيسيا على التأثير في شروط مشاركتها".

وفي ضوء هذه المعطيات، يعتقد المركز أن "مصر تستطيع مساعدة إندونيسيا على توسيع حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط إلى مستويات يصعب عليها بلوغها بمفردها، لكن حكومة برابوو لم توضح بعد مدى استعدادها لقبول التأثير المصري في قراراتها مقابل هذه المساعدة".

وفي نهاية المطاف، شدد على أن "المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه، أيا كان القرار الذي ستتخذه جاكرتا، هو المبدأ الذي يؤكد الرئيسان اتفاقهما عليه، والمتمثل في بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وتمكينهم من تقرير مستقبلهم بأنفسهم".