لولا دا سيلفا يقتنص ولاية رابعة.. انتصار لغزة وصفعة لترامب ونتنياهو

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في تحدٍ للموجة اليمينية المدعومة أميركيًا التي اجتاحت القارة اللاتينية أخيرًا، نجح اليساري المخضرم لولا دا سيلفا في كبح جماح عائلة "بولسونارو" السياسية، وتأمين مقعده في قصر "بلانالتو" لولاية رابعة، بعد معركة انتخابية تُعد من الأشرس في تاريخ البلاد الحديث.

غير أن إعادة انتخاب سيلفا لم تمر بهدوء، إذ قوبلت برفض قاطع من المرشح اليميني فلافيو بولسونارو، الذي اتهم السلطات القضائية بالانحياز والإخلال بتكافؤ الفرص. ويرسم هذا النزاع ملامح ولاية رئاسية معقدة لزعيم يواجه برلمانًا يسيطر عليه خصومه وشعبًا منقسمًا.

وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت المحكمة الانتخابية العليا في البرازيل إعادة انتخاب لولا دا سيلفا رئيسًا للبلاد، مؤكدة أنه حقق تقدمًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه بعد فرز 100 بالمئة من الأصوات.

وأفادت المحكمة بحصول سيلفا على 51.76 بالمئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.24 بالمئة لبولسونارو، بعد فرز أصوات جميع مراكز الاقتراع تقريبًا.

ومع فوز لولا دا سيلفا، لم تتجه البرازيل في نهاية المطاف نحو اليمين، على غرار الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا، وهي دول تحظى بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل بقيت واحدة من المعاقل التقدمية القليلة في أميركا اللاتينية.

وفي خطاب النصر الذي ألقاه في ساو باولو، أعرب لولا دا سيلفا عن امتنانه للشباب والشعب البرازيلي، الذين قال إنهم "دافعوا عن الديمقراطية".

في المقابل، رفض بولسونارو النتائج وطالب بـ"إلغاء الانتخابات"، مقدرا أنه "من المستحيل الاعتراف بنتيجة الانتخابات"، ومؤكدًا عزمه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بإلغائها.

وأضاف أن "أمورًا كثيرة ما زالت تحتاج إلى توضيح"، مشيرًا إلى القرار القضائي الذي أجاز تمديد ساعات التصويت بسبب مشكلات في النقل العام أعاقت وصول بعض الناخبين إلى مراكز الاقتراع.

وردت حملة حزب العمال بأن طلب التمديد كان قانونيًا وضروريًا، بعد رصد "مخالفات وأعطال" طالت حافلات النقل العام في مناطق محسوبة على بعض الحكومات المحلية. واتهمت الحملة هذه الجهات بتعمد تقليص رحلات الحافلات لعرقلة وصول الناخبين الفقراء إلى مراكز الاقتراع في معاقل اليسار.

وشددت المحكمة الانتخابية العليا على سلامة العملية الانتخابية ونزاهة نظام الاقتراع الإلكتروني السريع.

وأكدت أن تمديد التصويت جاء استجابة لطلبات رسمية تلقتها من الحملتين، بما فيها طلبات من جبهة بولسونارو بسبب الأمطار الغزيرة وصعوبة وصول الناخبين في بعض المناطق، مقدرة أن القرار اتسم بالعمومية ولا يوفر مبررًا قانونيًا للطعن في سلامة النتيجة الإجمالية.

سياسي مخضرم

يُعد لويز إيناسيو لولا دا سيلفا (80 عامًا) أحد أبرز رموز اليسار البرازيلي الحديث، وشخصية نقابية وسياسية بارزة في تاريخ أميركا اللاتينية.

ونجح خلال مسيرته الطويلة في الانتقال من بيئة الفقر والعمل النقابي إلى رئاسة البلاد لثلاث فترات سابقة، قبل أن يتوج بانتصاره الأخير بولاية رابعة، من المقرر أن تبدأ رسميًا في 5 يناير/كانون الثاني 2027.

وسيبلغ لولا دا سيلفا الذي يُعد من أكبر القادة سنًا في العالم، الخامسة والثمانين عند انتهاء ولايته الجديدة عام 2030. وبذلك، سيصل مجموع سنوات وجوده في السلطة إلى 16 عامًا، بعد فترته الرئاسية الأولى التي امتدت بين عامي 2003 و2010.

وخلال حملته الانتخابية، رفع لولا شعار السيادة الوطنية في مواجهة الضغوط التجارية والدبلوماسية التي مارستها الولايات المتحدة.

غير أن هامش المناورة المتاح للرئيس في ولايته الرابعة يبدو محدودًا، في أعقاب المكاسب الكبيرة التي حققها المحافظون في الانتخابات التشريعية قبل ثلاثة أسابيع.

وتتسم السياسة الخارجية للولا دا سيلفا بدعمها التاريخي والعلني للحقوق الفلسطينية، وهي مواقف تضعه في صدام متكرر مع تيار اليمين البرازيلي المؤيد لإسرائيل.

وقاد سيلفا بلاده إلى الاعتراف رسميًا بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 في أواخر عام 2010.

كما يُعد من أبرز الأصوات الدولية انتقادًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، إذ وصف مرارًا ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة بأنها تتجاوز الدفاع عن النفس وتصل إلى مستوى "الإبادة الجماعية"، ما تسبب في أزمات دبلوماسية متلاحقة وتبادل سحب السفراء.

ووجّه سيلفا السياسة الخارجية البرازيلية نحو التصويت المتكرر لصالح الحقوق والمطالب الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، مقدرا أن الاستقرار في الشرق الأوسط لن يتحقق من دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة.

وتتسم مواقفه السياسية والدولية الأخرى بالاستقلالية، إذ يتبنى مبدأ التعددية القطبية، ويقود جهودًا لتقليص الهيمنة الأميركية والدولارية عبر تعزيز تحالف "بريكس" بالتعاون مع الصين وروسيا، وتوطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الدول العربية والإفريقية.

كما يضع قضايا التغير المناخي وحماية غابات الأمازون في صدارة أجندته الدولية، متعهدًا بإنهاء أنشطة قطع الأشجار غير القانونية والتعدين الجائر التي توسعت خلال عهد اليمين.

وفي خطوة براغماتية تستهدف امتصاص غضب الشارع واستقطاب الناخبين المترددين، فاجأ سيلفا الأوساط اليسارية بإعلان دعمه خفض سن المسؤولية الجنائية في الجرائم العنيفة والخطيرة، محاولًا سحب ورقة طالما استخدمها اليمين لاتهامه بالتساهل في مواجهة العصابات.

مفارقات سياسية

تعيش البرازيل حالة من الاستقطاب العميق منذ انتخابات عام 2022، التي خسر فيها الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو، والد فلافيو، أمام لولا دا سيلفا. وأعقبت تلك الانتخابات اتهامات لجايير بولسونارو بتدبير محاولة انقلاب فاشلة، وهي القضية التي يخضع بسببها حاليًا للإقامة الجبرية والسجن.

وعاد فلافيو بولسونارو عام 2026 حاملًا لواء العائلة والتيار المحافظ، ساعيًا إلى استعادة السلطة، ومستفيدًا من المخاوف الشعبية بشأن غلاء المعيشة وتراكم ديون الأسر وتغلغل الجريمة المنظمة.

وحقق فلافيو بولسونارو مفاجأة في الجولة الأولى التي جرت في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحلوله أولًا بنسبة 47 بالمئة، متقدمًا على سيلفا الذي حصل على 45 بالمئة، بفارق تجاوز 2.2 مليون صوت.

وجعلت هذه النتيجة فوز سيلفا في الجولة الثانية سابقة استثنائية في تاريخ البرازيل، إذ لم يسبق لمرشح خسر الجولة الأولى أن عاد وفاز في الثانية منذ اعتماد نظام الاقتراع الحالي، وفقًا لما يورده النص.

وأفرزت الانتخابات مفارقة برلمانية معقدة؛ فعلى الرغم من فوز سيلفا بالرئاسة، أظهرت الخريطة السياسية استمرار سيطرة اليمين على مفاصل الدولة. إذ يمتلك المحافظون وحلفاؤهم ما يقرب من ثلثي مقاعد مجلس الشيوخ، إلى جانب أغلبية مريحة في الكونغرس البرازيلي.

كما فاز الحزب الليبرالي وحلفاؤه بأغلبية مناصب حكام الولايات الكبرى، ما يضع إدارة سيلفا المقبلة أمام خطر التعطيل التشريعي، ويجبرها على تقديم تنازلات مالية وسياسية واسعة لتمرير خططها الاقتصادية.

إرادة الشعوب

على منصات التواصل الاجتماعي، عدّ ناشطون فوز سيلفا انتصارًا للديمقراطية البرازيلية في مواجهة ما وصفوه بـ"الفاشية الجديدة". وتداولوا على نطاق واسع صورًا له وهو يلقي خطاب النصر محاطًا بالعلم البرازيلي، مشيرين إلى أن الفوز جاء بعد معركة شرسة في الجولة الثانية، ويعكس إرادة الناخبين.

وركز ناشطون، في منشوراتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، وفي وسوم عدة أبرزها #البرازيل و#لولا_دا_سيلفا و#فلافيو_بولسونارو، على أن النتيجة تعكس صمود الإرادة الشعبية في مواجهة محاولات التأثير الخارجي. وأكدوا أن أصوات الفقراء والشباب أسهمت في حسم المعركة الانتخابية.

ورأى ناشطون أن الفوز يتجاوز حدود البرازيل ليشكل، من وجهة نظرهم، انتصارًا لإرادة الشعوب في مواجهة التحالفات اليمينية والمؤيدة لإسرائيل، مقدمين التهاني للشعب البرازيلي، ومعربين عن أملهم في أن تشهد الدول العربية والإسلامية ودول المغرب العربي انتصارات مماثلة.

صفعة مدوية

وعد ناشطون فوز سيلفا بولاية رئاسية جديدة في البرازيل، ضربة لليمين المتطرف المتحالف مع الرئيس الأميركي، وصفعة مباشرة لترامب والاحتلال الإسرائيلي الداعمين لمنافسه اليميني فلافيو بولسانارو.

وأكدوا أن الفوز بمثابة هزيمة لمشروع الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية في أميركا اللاتينية ورسالة بأن الشعوب ترفض التدخل الخارجي، محتفين بالفوز كـ"خبر سار للبشرية" و"هزيمة مدوية للكيان" و"انتصار للقضية الفلسطينية"، عادين إياه بداية لسلسلة هزائم محتملة لمحور ترامب-نتنياهو.

ورأى ناشطون أن فوز لولا انكسار لمحاولات توجيه القرار السيادي البرازيلي لصالح الأجندات الأميركية والإسرائيلية، ويُؤشّر إلى مرحلة جديدة تستعيد فيها البرازيل استقلالية تموضعها في تكتل "بريكس"، ورسم سياساتها الخارجية بعيداً عن إملاءات الهيمنة الغربية.

انتصار لغزة

واستعرض ناشطون مواقف الرئيس البرازيلي التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للمشاريع الغربية، عادين عودته تمثل سنداً قوياً لقضايا الجنوب العالمي ودبلوماسية التحرر في المحافل الأممية، وانتصارا لغزة وقضايا الشعوب العادلة.

وأكدوا أن فوز سيلفا عاقبة نصرته لغزة ودعمها وسط طوفان الخذلان المروع للقضية الفلسطينية.