الخليل تحت وطأة التهجير.. إجلاء قسري لأكثر من 2000 فلسطيني

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تحت وطأة السلاح وأزيز الرصاص، حوّل الاحتلال الإسرائيلي شوارع مدينة الخليل إلى مسرح لعمليات إخلاء قسري نالت مئات العائلات الفلسطينية، في تصعيد غير مسبوق منذ عقود، بذريعة الردّ على مقتل جنديين إسرائيليين في عملية حاجز "فرش الهوى"، في خطوة تعكس تطبيقًا لسياسة العقاب الجماعي.

وفي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نقلت تقارير إعلامية، استنادًا إلى مصادر طبية وميدانية، تفاصيل مأساوية عن ليلة قاسية عاشها سكان مدينتي الخليل وحلحول، تحت وطأة أوامر الإخلاء الفورية وحملات المداهمة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي.

وأفادت بيانات رسمية صادرة عن الهيئات المحلية ومحافظة الخليل بأن عمليات النزوح القسري بلغت مستويات غير مسبوقة في المحافظة منذ عقود.

وأوضحت أن قوات الاحتلال أجبرت ما بين 2000 و2200 فلسطيني على مغادرة منازلهم ومربعاتهم السكنية بصورة عاجلة، تحت تهديد السلاح.

وانعكست هذه الإجراءات مباشرة على الأوضاع الإنسانية للعائلات؛ إذ تشير إحصاءات رسمية لبلدية الخليل إلى تشرد نحو 250 إلى 300 عائلة فلسطينية بالكامل، بعد إخراجها قسرًا من أحيائها السكنية في "حي الجلدة" و"عين دير بحة".

ولم تكتفِ القيادة العسكرية للاحتلال بإجبار السكان على المغادرة، بل أصدرت أمرًا عسكريًا يقضي بإخلاء إجباري لمدة عشرة أيام متواصلة على الأقل.

وأبقت مدة الإخلاء مفتوحة وقابلة للتمديد وفق ما تقتضيه "العمليات الهجومية والتفتيشية" داخل تلك الأحياء، ما يثير مخاوف من تحول النزوح المؤقت إلى تهجير طويل الأمد وتغيير قسري للتركيبة السكانية في المنطقة.

وترافقت هذه التطورات الميدانية مع تصريحات من قادة حكومة الاحتلال؛ إذ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بدء تطبيق تدابير أمنية استثنائية لضمان أمن الجنود والمستوطنين، زاعمًا أن الإخلاء ضرورة تكتيكية لملاحقة الخلايا المسلحة.

وجاء موقفه متسقًا مع توجيهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي أكد تفعيل "النموذج الهجومي" في الخليل وتفتيش المنازل واحدًا تلو الآخر.

في حين ترجم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش هذه التوجهات بإصدار أوامر هدم فورية لمبانٍ تجارية وسكنية متاخمة لموقع العملية.

في المقابل، نددت وزارة الخارجية الفلسطينية بهذه الإجراءات، ووصفتها في بيان رسمي بأنها جريمة حرب تندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي، محذرة من أن صمت المجتمع الدولي يشجع الاحتلال على مواصلة محاولات إفراغ الأرض من سكانها الأصليين.

كما حذّرت من تصريحات إسرائيلية تحريضية تهدد بتوسيع نطاق التهجير القسري وإخلاء أحياء في مدينة الخليل وتدميرها.

وقالت الوزارة: إن تصريحات مسؤولين إسرائيليين تتوعد بتكرار الجرائم المتواصلة في قطاع غزة، من خلال تصعيد العمليات العسكرية في الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 1967.

ورأت أن هذه التهديدات تمثل مساعي لإعادة إنتاج “النكبة” التي شهدت عام 1948 اقتلاع أعداد كبيرة من الفلسطينيين قسرًا من أرضهم، وممارسة التطهير العرقي بأدوات عسكرية واستعمارية متجددة، في ظل السباق الانتخابي الإسرائيلي والسعي إلى تحقيق مكاسب سياسية على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وبدوره، أدان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الهجوم العسكري الإسرائيلي على الخليل، مطالبًا المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالتحرك العاجل لوقف التهجير القسري لسكانها وتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين.

ورأى أن الهجوم الإسرائيلي يمثل تصعيدًا خطيرًا يندرج ضمن سياسة "التطهير العرقي والتهجير القسري" التي تنتهجها إسرائيل بحق الفلسطينيين، محذرًا من أن "هذه الممارسات تستهدف تغيير التركيبة السكانية والطابع الجغرافي لمدينة الخليل ومحيطها".

وأكد ولد الشيخ أحمد أن "هدم المنازل بصورة ممنهجة وتهجير السكان جماعيًا يمثلان انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني".

كما استنكر استمرار إغلاق الجيش الإسرائيلي الحرم الإبراهيمي ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه لأداء الصلاة، عادّا ذلك اعتداءً على حرية العبادة وحرمة الأماكن المقدسة.

وتعود جذور التصعيد إلى أمس الأول، حين نفذ الفلسطينيان حمودة وأحمد الجعبة عملية إطلاق نار مزدوجة ومباغتة استهدفت برجًا عسكريًا إسرائيليًا وحاجز "فرش الهوى".

وينتمي المنفذان إلى عائلة الجعبة المعروفة في الخليل التي تربطها صلات عائلية بالقيادي المبعد في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ماجد الجعبة، الأمر الذي جعل العائلة بأكملها هدفًا للمداهمات والتحقيقات العسكرية.

وعقب مقتل منفذي العملية برصاص قوات الاحتلال، قرّر الجيش الإسرائيلي تحويل أحيائهما السكنية إلى مربعات أمنية مغلقة، فاقتحم المنازل التي أُخليت من سكانها، واعتلى أسطحها ورفع الأعلام الإسرائيلية عليها، فيما حوّل الطوابق الأرضية إلى مراكز للتحقيق الميداني والاحتجاز المؤقت للشبان.

ويندرج التهجير الجاري في الخليل ضمن نهج عسكري جديد أعلنه نتنياهو وكاتس، يقوم على محاكاة العمليات المكثفة التي شهدتها مخيمات شمال الضفة الغربية.

ويعتمد هذا النهج على عزل المحافظة، وتدمير شبكات المياه والكهرباء والطرق، ودفع السكان إلى النزوح الجماعي، بما يتيح تفتيش المنازل "من بيت إلى بيت".

ويتزامن الحصار والتهجير مع تصاعد اعتداءات المستوطنين المسلحين في ريف الخليل؛ حيث سجلت منظمات حقوقية زيادة في طرد المزارعين من حقولهم وسرقة محصول الزيتون، في مشهد يعكس تداخل التحركات العسكرية مع ممارسات المستوطنين الهادفة إلى تفريغ الأرض من سكانها.

وتأتي هذه الإجراءات قبل أيام قليلة من الانتخابات العامة الإسرائيلية، في وقت يستغل فيه وزراء من اليمين، بينهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مقتل الجنود والعمليات العسكرية للدفع نحو فرض وقائع ديمغرافية جديدة في الضفة الغربية.

كما يوظفون هذه التطورات للدعوة علنًا إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وضم مناطق (ج)، بما يعزز رصيدهم الانتخابي.

إجرام وحشي

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبّر حقوقيون وسياسيون وناشطون عن صدمتهم من سرعة العمليات الإسرائيلية في الخليل، وإجبار مئات العائلات على إخلاء منازلها قسرًا، وسط حصار وتطويق أمني وتحويل بعض المنازل إلى ثكنات عسكرية، عادّين ذلك جريمة حرب وانتهاكًا للقانون الدولي.

وركزت منشوراتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، إلى جانب وسوم عدة، أبرزها #الخليل و#نكبة_الخليل و#الاحتلال_الإسرائيلي و#الضفة_الغربية، على المعاناة الإنسانية التي خلفتها عمليات الإخلاء، لا سيما خلال ساعات الليل، حين وجدت عائلات نفسها بلا مأوى وتحت السماء وفي مواجهة البرد.

ورأى حقوقيون وسياسيون وناشطون أن ما يجري يمثل انتهاكًا لأبسط مقومات الإنسانية، وينذر بنزوح طويل الأمد قد يحول دون عودة السكان قبل انتهاء عمليات التدمير، مؤكدين أن الاحتلال يواصل مخططاته الاستعمارية لفرض سيطرته على مدن الضفة، ووضع الفلسطينيين أمام خيارات قاسية بين الخضوع أو الهجرة أو الموت.


نكبة جديدة

ووصف ناشطون ما يحدث في الخليل بأنه إعادة لمشاهد النكبة الفلسطينية الأولى عام 1948، وعمليات الطرد الجماعي التي رافقتها، مشيرين إلى أن آلاف الفلسطينيين  أُجبروا على النزوح دون ذنب شخصي، فقط لارتباط جغرافي أو عائلي بمنطقة العملية، وأن منع العودة وهدم المنازل يعيد إنتاج النكبة في سياق معاصر.

ورأوا أن هذه الإجراءات تمثل استمراراً لسياسات التطهير العرقي والتهجير التي بدأت منذ 1948، وأنها تحوّل الضفة إلى واقع يشبه ما حدث سابقاً، وسط صمت دولي وسلطة فلسطينية غير فاعلة.

ونكبة 1948 (النكبة الفلسطينية) تشير إلى الأحداث التي رافقت حرب 1948 وتأسيس ما تسمى دولة إسرائيل "الكيان المحتل"، حيث نزح أو طُرد مئات الآلاف من الفلسطينيين (تقديرات تتراوح بين 700 ألف و750 ألفاً) من منازلهم وقراهم ومدنهم في فلسطين التاريخية. 

وشملت هذه الفترة عمليات عسكرية وتطهيرا في مناطق عديدة، أدت إلى تدمير مئات القرى الفلسطينية أو إفراغها، وتحول اللاجئون إلى مخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، مع منع معظمهم من العودة، مما شكل أساس القضية الفلسطينية المستمرة.

قلق بالغ

واستنكر ناشطون أن هذه النكبة الجديدة التي تتعرض لها الخليل تحدث على مرأى ومسمع من العالم أجمع وسط صمت مخزي، ساخرين من البيانات الخجولة الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تكتفي بالتعبير عن "القلق البالغ".

ونددوا بعجز هذه المنظمات إلى جانب الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي عن حماية الفلسطينيين، ما شرعن لجيش الاحتلال الإسرائيلي طرد آلاف المواطنين من بيوتهم وفي وضح النهار، معربين عن ثقتهم في المقاومة الفلسطينية ورضاهم عن أي عمل مقاوم يدافع عن الأرض والعرض.

سيناريو غزة

وعد ناشطون ما يحدث في أحياء الخليل (مثل الجلدة ودير بحة) محاولة علنية ومباشرة لاستنساخ سيناريو الحصار والإخلاء القسري الذي طُبّق سابقاً في شمال قطاع غزة ومخيمات شمال الضفة الغربية.

وأعربوا عن تضامنهم الكامل مع أهل الخليل وشعورهم بمعاناتهم، متسائلين عن موقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وحكومته مما يحدث.

وأكد ناشطون أن أوامر الاحتلال بإخلاء المنازل تحت وطأة التهديد، وتحويل البنايات السكنية إلى ثكنات ومراكز مراقبة، بالتزامن مع هدم المنشآت الحيوية في منطقة "فرش الهوى"، لا تهدف فقط إلى تفتيش أمني عابر، بل تُمثل مخططاً ممنهجاً للتهجير الصامت.

كما أكدوا أن الأوامر الإسرائيلية وعمليات التهجير تستهدف أيضا إفراغ الأحياء السكنية لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد ينهش الوجود الفلسطيني في قلب الضفة الغربية، مشيرين إلى أن ذلك يحدث في أعقاب ماراثون الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة.